ما هي اذا المذبحة؟

بقلم: ناصر السهلي

يبدو لي ان الامين العام للامم المتحدة اثبت مرة اخرى انه تحول الى اداة من ادوات التزوير والكذب المفضوح الذي تمارسه السياسة الاميركية تجاه القضية الفلسطينية وكل القضايا العربية الاخرى.
لا ندري ما هي مبررات اعتبار الامين العام للامم المتحدة لمنظر الدمار الذي احدثته القوات الاسرائيلية الغازية لمخيم جنين مجرد حادثة يتحمل مسئوليتها الضحية والجلاد؟.
مباشرة بعد مذبحة جنين، التي ذهب ضحيتها المئات من الشهداء والآلاف من الجرحى والمهجرين وتدمير المنازل على سكانها الذين حاولوا الدفاع عن حياتهم، عجزت الامم المتحدة وتحديدا امينها العام عن ارسال بعثة تحقيق الى المخيم للكشف عما جرى هناك، وهذا العجز تأتى بالاساس بفعل رفض الاحتلال ونزولا عند الرغبة الاميركية التي تتخذ من حماية الاحتلال سياسة ثابتة في تعاملها مع الوضع في فلسطين.
واذا كانت الامم المتحدة عجزت عن فعل اقل ما يمكن فعله للاجئين مسؤولة عن شؤونهم، فما هو الذي يدفع امين عام هذه المنظمة الدولية ليستأسد حين يعلق على مقتل الإسرائيليين بينما نراه شبه صامتا لمشهد سقوط الاطفال والنسوة في الجانب الفلسطيني؟ هل هي حقا لارضاء اميركا؟ وماذا عن تلك الامم المتحدة تحت شرف الميثاق المنتهك يوميا في كل من فلسطين والعراق ولبنان والجولان.
لا يمكن بأي حال من الاحوال قراءة التقرير الذي اصدرته الامم المتحدة بشان ما جرى من مذبحة في مخيم جنين الا في سياق التحول الذي طرأ على دور هذه المنظمة بما يتوافق مع حالة التراجع العربي والامعان الاميركي في استرخاص دماء الضحايا وتحميلها مسؤولية ما يقوم به جيش الاحتلال وقطعان المستعمرين.
فالحالة العربية التي تعيش في خوف شديد من الادارة الاميركية لم تعد تكترث لما يخططه لها الآخرين، وعليه فلا حرج في أن يستمر الاميركي التحدث عن خطر محتمل لسوريا وايران ولبنان والعراق والسلطة الفلسطينية المنهارة في ذات الوقت الذي لا يقرأ في كل العدوانية الصهيونية الممارسة على الارض الا دفاعا عن النفس.
فالقتل اليومي الذي يمارسه جيش الاحتلال، بأحدث الاسلحة الاميركية، والذي يسقط نتيجته العشرات والمئات على دفعات لا ينظر اليه على انه مذبحة او مجزرة، اذ يبدو ان العالم الذي بات لا يقرأ الاخلاق الا من ثقب باب البيت الابيض يرى في القتل التدريجي امرا اعتياديا، ولا يبدو ان للضحية التي تابعها العالم كله، بمن فيهم لارسن الذي وصف ما جرى في مخيم جنين بجريمة حرب، وهي تذبح اية مصداقية طالما انها تنتمي الى فصيلة من الامم اللامبالية بما يجري لابناءها ونساءها الثكالى.
ولا يستطيع هذه العالم المتأبط لاخلاقيات اميركا الا ان ينتقد الضحية لأنها بقيت في مخيمها تدافع عن حياتها، فعنان وتقرير منظمته كأنهما ارادا من الفلسطيني منازلة اخرى مع الاحتلال بحيث يذبحون دون ضجيج مثار لتنتهي المسألة في ادراج ذاكرة مؤرخين جدد نكتشفهم بعد 54 عاما ليتكرموا ويعترفوا و ليقصوا علينا ما حدث في اطراف جنين، تماما كما يفعل بعض المؤرخين الجدد اليوم في اسرائيل حين ينبشون في مجازر نحفظها بتفاصيلها الدقيقة قبل ان يكتشفوا هم شيئا مختلفا في التأريخ الكاذب.
اشك حقا في ان يكون كوفي عنان قد استوعب اي من الذي جرى في جنين واي من الذي اعتمر نفوس الفلسطينيين وهم يشهدون مخيمهم يُنكب بفظاعة وهؤلاء الجنود يضحكون على اصوات الاستغاثة والبيوت تهدم عليهم وهم جرحى.
اشك بأن يكون كوفي عنان قد قرأ شهادة سائق الجرافة الاسرائيلي الذي روى للصحف العبرية بشاعة ما كانوا يقومون به في لحظات الرعب الليلي الذي عاشه المخيم والاعدامات المباشرة.
وأشك أكثر في ان عنان قد فهم ما تعنيه صور الدمار المأخوذة من الجو لمخيم بذلك الحجم وقد بدا فيها الدمار بشعا الى ابعد درجة في البشاعة، لكنني لا أشك في أن فهم كوفي عنان للمجزرة لا ينطبق الا على وصفه لعمليات المقاومة الفلسطينية التي يذهب ضحيتها اسرائيليون، فهو يجترح من العبارات القوية ما لا يمكن ان يتوافق وحياديته وسلبيته حين يكون الضحية فلسطينيا يستصرخ اخلاقيات اعتقد ان العالم ما يزال يؤمن بها.
وليس من العجيب أن نسمع من بوش كلمات العزاء لكل عائلة اسرائيلية فقدت احد اطرافها بعد كل عملية فلسطينية دون ان ينطق بكلمة واحدة للعوائل الفلسطينية التي تفقد اعزائها من الاطفال والنساء والاباء والامهات، فهل سمعتم من بوش او حتى عنان او اي وزير خارجية اوربي كلمة تعزية للفلسطينيين على ما حدث بعد جريمة غزة؟
بالطبع لا.
فهؤلاء لا يرون ولا بمقتل ألف فلسطيني مدني شيئا محرما. فما بالك بـ"فقط54" قتلوا في جنين أو 19 في غزة. لكنه جريمة لا تغتفر ان يُقتل 4 او 7 من اليهود في دموية خيار واهم لاركاع الشعب الفلسطيني.
أين في هذا العالم مسموح بمعاقبة مدينة وقرية على فعل يقوم به احد ابناء تلك القرية او المدينة او اعتقال اهله وطردهم وتدمير منازلهم، أين في هذا العالم يُستخف بمعاناة الاطفال بسبب سوء التغذية الناتج عن حصار واغلاق ومنع تجول، أين في هذا العالم تعرف طلقات القتل تمييزا بين مواطن ومواطن، أين في هذا العالم تجتمع هستيريا العنصرية والاجرام لحرق البيوت والحقول وتدمير الممتلكات واطلاق النار على المدنيين في بيوتهم بمراقبة من جنود نظاميين مع سياسة العفو عن القتلة، واين في هذا العالم يُرهب شعب بأكمله بأحدث انواع القمع والارهاب المسكوت عنه.
أين في هذا العالم يجلس السياسي و المشرع حاملا سكينه ليفرز المواطن الصالح من الطالح بناءا على قراءة عقائدية و تلمودية لتلك المواطنة، أين في هذا العالم يجري التركيز على النتائج بدل الاسباب، أين في هذا العالم يبقى الاحتلال حرا طليقا في ممارساته بينما الضحية متهمة.
إنه في دولة العنصرية والفاشية الجديدة.. إسرئيل.. أفلا يقل لنا كوفي عنان شيئا عن تعريفه للمذبحة حتى نفهم ما يقصده حين يدين مع بوش عمليات المقاومة بوصفها جرائم. ناصر السهلي: كاتب من فلسطين مقيم في الدانمارك