ما هو حصاد الربيع العربي؟

محاولتنا لرصد نتائج الربيع العربي بعد كل هذه الاعوام هو لاجل ان نفهم المآل الذي وصل اليه الحال الان. ولعل قول البعض انه من المبكر الحكم الان لاننا في مرحلة البداية هو في رأينا سعي واضح للتهرب من رؤية الجوانب الكارثية التي وصلنا لها.

المدخل الواقعي الذي نقترحه في هذا الصدد هو ان نقارن بين التوقعات والنتائج لانها وسيلة علمية تستخدم عادة لمعرفة نوع الحصاد الذي حصدناه بعد هذه الاعوام.

وحين نقوم بجردة الحساب هذه فاننا نضع نصب اعيننا الابتعاد عن الخنادق الايديولوجية التي تم بناؤها والتي اما ان تمدحه بلا اي نقد لبعض جوانبه الكارثية، او النظرة الاخرى التي لا ترى فيه سوى الخراب والدمار.

لا شك لدي ان الربيع العربي انطلق بعفوية اقله في مرحلته الاولى في بعض البلاد تعبيرا عن امال الجيل الجديد في التغيير نحو مجتمعات متقدمة. كان ذلك قبل ظهور عاملين لعبا دورا مهما في تدمير هذه الامال. العامل المحلي المتمثل في دخول الاسلام السياسي، والعامل الدولي المتمثل في الدور الامبريالي.

بدخول هذين العاملين تم حرف الربيع العربي من مسار ثورة إلى حروب وتطاحنات اهلية ذات طابع ديني على وجه الخصوص، قسمت المجتمعات التي اصيبت بهذا المرض انقساما عاموديا بحيث سمح للتدخلات الامبريالية لاعادة تفكيك وتركيب المنطقة وهو امر بات واضحا الان كل الوضوح.

اذا كان برنامج الثورة هو الانتقال بالبلاد لمجتمعات ديموقراطية، كان برنامج الفوضى المدروسة يهدف لضرب الدولة الوطنية، وذلك عبر تشجيع عناصر متطرفة من كافة انحاء العالم، والاستيلاء على المنافذ الحدودية لتسهيل المهمة، والعمل على تدمير كل ما له علاقة بالدولة من مؤسسات اجتماعية واقتصادية.

بهذا المعنى انتقلنا من وضع يكون فيه الشعب بفئاته المختلفة موحدا لاجل التغيير الديموقراطي إلى صراعات مناطق واديان وعصبيات. تم تدمير الولاء الوطني إلى ولاءات اكثر تخلفا، بحيث تم على سبيل المثال استبدال منهج التعليم السوري الحديث في بعض المناطق التي سيطرت عليها المجموعات الارهابية، بمنهج التعليم السعودي المتخلف. هذا عدا عن تدمير المجتمعات وتفريغها من السكان ومن طاقاتها وتحويل المواطنين إلى لاجئين في كل انحاء العالم حتى في الصومال. كما دفعت المجموعات الثقافية الاقل عددا ثمنا باهظا نتيجة لتدمير الدولة.

لقد اصبح تعبير مثال الانتحار السوري تعبيرا مهما للتأمل لدى كل الساعين للتغير. ولعل اهم دروسه معرفة الفارق بين التغيير الديموقراطي السلمي الذي تقوده معارضة تؤمن بالديموقراطية، وقوى مهووسة دينيا عملت وتعمل على تدمير الدولة والوطن، الامر الذي استفاد من هذا الدرس بلاد مثل المغرب والجزائر وسواهما لكي لا يتم تحويل بلادهم إلى سوريا اخرى.

من النتائج الايجابية للربيع العربي هو فتح الباب واسعا امام التساؤلات والنقد والنقاشات الواسعة في الكثير من القضايا التي لم تكن تطرق من قبل. لا شك لدي ان المواطن صار اكثر جرأة في النقد ورفض ثقافة القمع والظلم. لكني اعتقد ان الثمن المكلف لهذه الايجابية الوحيدة هو ثمن باهظ جدا كان من الممكن حصوله بدون هذه الاكلاف الكارثية.

ان من اهم النتائج ايضا هو الوعي العام باهمية الدولة والحفاظ عليها من الانهيار. فقد لمس الجميع ان انهيار الدولة هو كارثة كبرى لانه لا توجد اية قوة تستطيع الحلول مكان الدولة الوطنية الجامعة للجميع. فالبديل هو دويلات متصارعة. كذلك يمكن اضافة عامل ازدياد الوعي الشعبي بخطر الاحزاب الدينية التي حصلت في السابق على تعاطف شعبي قبل ان يتعرف الناس على عقلها الالغائي والاجرامي.

واذا كان هذا الجيل قد سعي ان يناضل لاجل نظم ديموقراطية، فان الجيل الشاب القادم الذي تربى في اجواء الدم والاحقاد، لن ينتج على الاغلب قوى عقلانية كما كان الحال في السابق. خاصة بعدما تمت برمجة عقله على الافكار الدينية المتطرفة، على عكس الجيل السابق الذي عاش في ظل دولة متعددة الثقافات.

ان النضال القادم سيتركز على اعادة توحيد البلاد التي ستقسم على الاغلب اما قانونيا او نفسيا او الاثنين. وبدلا من الانطلاق من بلاد جاهزة وموحدة سترث الاجيال القادمة العبء الثقيل في اعادة توحيد البلاد والمجتمعات التي تم تقسيمها وشرذمتها.