ما لم تجب أميركا على استحقاق 11 سبتمبر فهي ستبقى مستهدفة

بقلم: ناصر السهلي

إذا كانت أميركا قد ضُربت في عذريتها الامنية، حسب قول أغلب المحللين، حين تحداها الشيخ أسامة بن لادن بإعترافه وإعتراف العديد من قيادات القاعدة عن طريق إرسال تلك المجموعة الى عقر الدار الاميركية لتضربها في أهم معالم قوتها الأمنية والاقتصادية، فإنها الى يومنا هذا، وبعد مرور عام على الضربة، لم تجب على السؤال الأهم والمتعلق بالسبب الذي يدعو شخصية إسلامية وحركة إسلامية لإستهدافها هي تحديدا من بين هذا "الغرب الكافر"؟!
لا شك في أن الشعوب الاسلامية والعربية وبعد مرور عام على 11 سبتمبر لم تصبح أقل بغضا وكرها للسياسة الاميركية، ورغم كل المحاولات المستميتة من قبل أضخم امبراطورية اعلامية اميركية لتغيير رؤية العرب والمسلمين لأميركا فإن الفشل في تحقيق الهدف الذي جندت له الادارة الاميركية وحلفاءها كل القدرات والقوة كان من نصيب أميركا. وعلى الرغم من وجود قوى عربية كثيرة لم تكن لا الاحترام ولا التأييد للقاعدة وللشيخ أسامة بن لادن، إلا أنها قوى لم تستطع إقناع الشارع بعدم صواب التوجه الذي إختطته القاعدة و المعادي للسياسة الاميركية واستخدامه اساليب عنيفة لمواجهة هذه السياسة في العالمين العربي والاسلامي.
نظرة واحدة الى حملات المقاطعة التي قامت بها مجتمعات عربية كثيرة للبضائع و المنتوجات الاميركية تدل على أن شعوب تلك البلاد ليست بعيدة تماما عن فهم أهداف السياسة الاميركية في الشرق الاوسط، وإذا كانت تلك الحملات قد يعتبرها البعض غير ذات فائدة فإنها بلا شك سلاح حضاري ترسل من خلالها المجتمعات العربية الكثير من الرسائل التي لم تستوعبها الادارة الاميركية بعد. فمما لا شك فيه أن الشعب العربي الذي يتابع يوميا الانحياز الاميركي الصلف لمصلحة الكيان الصهيوني، والاصرار على ذات القراءة التي كانت قائمة قبل أحداث 11 سبتمبر، بل إمعانها في إعتبار شارون "رجل سلام" بطريقة مسرحية هزلية كاد أن يذرف بوش دموعه وهو يصرح بها أكثر من مرة في ذات الوقت الذي كان فيه شارون يرسل جنوده لاستباحة الحرمات وقتل الناس الابرياء وتدمير كل مقومات الحياة لدى الفلسطينيين والغاء كل التعهدات والاتفاقات التي توصلت اليها السلطة مع الاحتلال ساهمت في التأكيد على أسباب الكره الذي شعرت وما زالت تشعر به شعوب المنطقة تجاه أميركا وسياساتها الفظة مع العرب.
نعم، لقد فقدت أميركا 2800 قتيل ودمر مركز التجارة العالمي وجزء من البنتاغون واهتزت الهيبة الامنية الاميركية وأُثبت لها عمليا أنها ليست في مأمن ولو كانت تملك كل أسلحة الردع وقراءتها لذاتها على أنها إمبراطورية يجب أن تطاع.
نعم، استطاعت أميركا أن تطوع أنظمة وحكومات وجماعات في حربها على ما يسمى "الارهاب" وأخذت شارون في صفها وركلت أنظمة عربية كانت تُعد من أقرب الحلفاء فأسقطت طالبان وبثت الرعب والخوف لدى الكثير من حكام العرب وابتزت دولا أخرى لتكون جنودا في حربها واستطاعت التدخل في الكثير من الامور هنا وهناك.
وسواء أرادت القضاء على الشيخ أسامة بن لادن أم لا، وسواء علمت بالضربات أم لم تعلم، ولن نكرر هنا الاسئلة الافتراضية عن اليهود الذين لم يلتحقوا بالدوام صبيحة الضربة ولا عن الاعتقالات التي جرت بحق الاسرائيليين الذين ضبطوا وهم يصورون الضربات لحظة وقوعها، إلا أنها، ورغم كل قدراتها تلك ، تحت وقع الصدمة الدولية، بقيت عاجزة عن الاجابة على أهم استحقاق متعلق بإستهدافها هي وليس غيرها!

لاشك بان السؤال الأساسي يتعلق بمدى استفادة الادارة الاميركية من العبر والدروس لأحداث 11 سبتمبر، وهي استفادة لم تقع ولم تقم الادارة الاميركية، أيضا تحت وقع العنجهية والقوة، بمراجعة سياساتها الا فيما يضمن المزيد من الامعان في استعداء الشعوب والاستخفاف بقدراتها ومطالبها المشروعة في أن ترى نفسها أكثر تحررا من انحياز صلف الى جانب الجلاد سواء كان حاكما مغتصبا للسلطة او محتلا يقترف الجرائم البشعة في فلسطين وغيرها.
فالإدارة الاميركية، وبعد مرور عام على 11 سبتمبر، ما تزال مصرة على قراءاتها المعوجة للامور باعتبار الاحتلال و الجرائم الصهيونية اليومية في فلسطين "دفاعا عن النفس"، وهي تصر على اعتبار حركات المقاومة حركات "إرهابية" .. وبغباء أو إستغباء تطلق النار في كل الاتجاهات تحت مبرر "احتمال" الارهاب وامتلاك أسلحة دمار شامل!
فإذا كانت تحاول الادعاء بإمكانية أن يمتلك العراق أسلحة دمار شامل وبإمكانية أن يكون حزب الله "إرهابيا" وبإمكانية أن يكون "محور الشر" تهديدا للمصالح الاميركية.. وبإمكانية نجاح المقاومة الفلسطينية في الانتخابات القادمة.. وبإمكانية أن لا ينتخب الفلسطينيون قرضاي مطيع.. وباسم تلك "الاحتمالية" تختطف الادارة الاميركية مفاهيم الديمقراطية وحقوق الانسان والاتزان في المصالح المتبادلة وتحول القانون الدولي والامم المتحدة الى رهينة مشلولة الارادة بحجة 11 سبتمبر!.
لم يقل العرب في يوم من الايام الا انهم ضد أسلحة الدمار الشامل، والانظمة العربية تتعامل بشفافية مع مندوبي وكالة الطاقة الذرية ومبعوثي الادارة الاميركية أكثر من شفافية تعاملها مع شعوبها الباقية تحت الشبهات مهما كان اتجاهها الفكري والعقائدي.
وتلك الانظمة لم تترك فرصة على مدار العام المنصرم الا واستغلتها لتؤكد على حرصها على محاربة الارهاب واستعدادها للتجند في الصفوف الامامية للجيوش الاميركية.. وهي فعلا قدمت الكثير من المعلومات وشاركت في تسليم المطلوبين.. وهي لم تفوت اجتماعا طارئا أو اعتياديا، وعلى كل المستويات، إلا وأعادت التأكيد على خيارها" الإستراتيجي" في " السلام والتطبيع الشامل".. وهي ما انفكت "تحذر من ضرب العراق" في الوقت الذي تفتح فيه أجواءها وأراضيها "لاسقاط النظام.. وليس لضرب الشعب العراقي الشقيق" .. فكيف كان الرد الاميركي؟

إذا كان كل هذا قد حققته أميركا لنفسها بعد 11 سبتمبر إلا أنها بقيت عاجزة عن الاجابة على التساؤل الاهم في أسباب هذا العداء المتصاعد لسياستها في أكثر من مكان، وعدم رغبة أميركا في الاجابة على هذا السؤال لن يجعلها أكثر أمنا وأقل كرها عند شعوب المنطقة التي تشهد منظر قتل الاطفال الفلسطينيين واستباحة كرامتهم بقوة دبابات الاحتلال والطائرات الاميركية، وطالما أن "أخلاقيات" أميركا تسمح وتبارك ممارسات واستمرار الاحتلال فهي لن تستطيع بكل تأكيد أن تمنع الآخرين من قراءة أخلاقياتهم وفق مصالحهم هم وليس وفق مصالحها هي .. فروما كانت أيضا إمبراطورية كبيرة وقوية وبالرغم من ذلك انهارت واندثرت ولم يبقى منها الا أطلال يستمتع السائح بالنظر اليها! ناصر السهلي - الدنمارك