ما لا يجوز التغني به

بقلم: زياد العيساوي
سهرة غنائية

تجمهرت الحشود أمام مدخل القاعة الكُبرى، التي ستشهد أروقتها الحفل الغنائي الكبير والمنقـطع النظير، وبعد طول انتظار، تمكنَ البعض منهم من الدخول إلى باحتها.
وبعد جهد وعناء، تحصل قسم من الداخلين على مقاعد له بها، وبعد هرج ومرج، قبل القسم الآخر بالوقوف من دون أي اعتراض وعن طيب خاطر، فحسبه من كل ذلك، أنه سيتمكن من رصد هذا الحفل ورؤيته عن كثب، ودونما أية واسطة، فهو أوفر حظاً من الذين بقوا مصطفين بالخارج، ولم يتسنَ لهم الدخول، هذا إن قارن حاله بحالهم، خصوصاً وأن مثل هذا الحدث لا يتكرر كثيراً، على شرف ذلك المطرب المشهور، الذائع صيته بين الفتيان والمُعبِر عن لواعجهم، والشائع صوته بين الفتيات المعجبات به، اللائي طالما حننَّ لرؤيته وغننَّ معه أحلى الأغنيات التي حفظنها منه وعن ظهر قلب، وتحينَّ الفرصة للقائه المنشود.
وفيما كان الحضور يتحرق ويتلهف شوقاً لبداية الحفل، كانت الجوقة الموسيقية التي ستُصاحب هذا الفنان المنتظر عزفاً لدى غنائه، والمؤلفة من أربعين عازفاً ماهراً، مشهودٌ لهم بالكفاءة، وخمسين صوتاً مُنشِداً أو يزيد، يقفون وراء الأولين، ويتأهبون جميعهم استعداداً لها، وأخذ كل فرد منهم في تعديل آلته الموسيقية التي كان يتأبطها أو يحتضنها ببعض التمرينات، للتأكد من جودة نغمتها، وجعل الطاقم الفني، يتأكد هو الآخر مما إذا كانت الأمور الفنية والتقنية تسير وفق الخطة المُعدَّة لها، وعلى خير ما يُرام، كي تنقل الحفل بصوت جلي وصورة واضحة وعلى الهواء مباشرةً، إلى الذين يقبعون في بيوتهم وينتظرون على أحر من لهب الجمر مشاهدة هذا المطرب الملقب بفارس الأغنية، الذي لا يُشقُّ له غبار على شاشة المرئية وعبر أثير المسموعة، وكانت كل هذه الأمور تجري على قدمٍ وساق.
وتمَّ كذلك تسليط وإلقاء الأضواء الملونة والمبهرة للأبصار على المسرح، كما وُزِعت عدسات التصوير الثابتة والمحمولة، التي كانت بحوزة الصحفيين على أركان وزوايا المسرح كافةً، لأنهم ينوون نقل هذه السهرة الغنائية بحذافيرها إلى أعين القراء، فيكونون بذلك قد تحصلوا على سبقٍ صحفي، سينشرونه فيما بعد في الزوايا والأعمدة والأبواب الثابتة، التي يشرفون عليها، والتي سيتصدرها هذا الحدث الجلل على صفحات المجلات والصحف الفنية والشبابي، ولست أبالغ إنْ قلت حتى الاجتماعية التي تصدر يومياً وأسبوعياً وشهرياً بتغطيةٍ شاملة وموسعة، وعلى الوجه الأكمل.
كل ذلك لكي لا يُحرم أحد من متابعة هذا المهرجان المرتقب منذ زمن طويل، وأضحى حديث الساعة بل حتى الدقيقة والثانية كذلك، لذا حشدت له اللجنة المشرفة عليه كل هذه الإمكانيات الهائلة التي تليق بمقامه ومقام الفنان، رفيع الشأن.
وبعد أن باتت الأمور الفنية في أتم جاهزية، قام قائد الفرقة الموسيقية (المايسترو) بتحريك كلتا يديه بحركة خاطفة، لا يعرف كينونتها إلا أعضاء فرقته، الذين شرعوا في الحال بالعزف إيذاناً ببدء الحفل، كلٌّ بحسب آلته بنفخ المزامير وقرع الطبول ونقر الأوتار، لتنصهر كل هذه النغمات الصادرة عن هذه الآلات في مقام (البياتي) الذي يتسم بطابع الفرح، كذكاءٍ من (المايسترو)، للتخفيف من وطأة التعب التي لقيها الحضور من تراصهم وتدافعهم قبل تمكنهم من الدخول، ولكسر حالتي الرتابة والملل اللتين لحقتا بهم من جراء انتظار قدوم المطرب.
وبعد عزفٍ دام قُرابة نصف ساعة في تواصل مستمر ودونما انقطاع، صمتت تلكم الآلات في لحظة واحدة، إثر إشارة حاسمة من قائد الفرقة، معاكسة للأولى، إلى ذلك، صعد نجم السهرة إلى رُكح المسرح، وسط تصفيق وصفير وزعيق الجمهور الحاضر، وحملقة الرابضين خلف شاشات المرئية، كذلك إنصات المستمعين بأذان صاغية من خلال أثير المذياع، وكما هي العادة دائماً عند لقاء نجم لامع في سماء الأغنية بمحبيه كنجمنا هذا.
تبودلت التحيات والهدايا بينه وبين جمهوره الذي قدم من كل حدب وصوب بأعداد غفيرة، وعلى مدِّ البصر، كما اُلتقِطت معه الصور الفردية والثنائية والجماعية.
وبعد أن فُرِغ من هذه الطقوس الاستقبالية، حان وقت الجد، وآن الأوان للغناء، فعاد (المايسترو) ليُعطي إشارة البدء لتقديم أول وصلة غنائية مُدرجة لديه، من ضمن باقة الأغنيات المبرمج لها، والتي سيتغنى بها مطرب هذه الأمسية السَّارة.
شرع كل عازف يعزف ما كُتب، وينظر إليه من خلال النوتة الموسيقية الموضوعة قُبالة ناظريه، فأنتجوا معاً جُملة موسيقية، هي أشبه ما تكون بشذرات إيقاعية، قدَّم المغني على وقعها موالاً نُسج على منوالٍ معتاد، من حيث الكلمة واللحن والأداء، ثم تخللت هذه الوصلة وقفة ضرورية، كي تنتقل الفرقة إلى مقام آخر، وكي تفسح مجالاً للحاضرين كي يعبروا عن مدى إعجابهم بالمطرب فما كان منهم، إلا أنْ أمطروه بوابل من الهتاف، وسيل من الصراخ، بمجرد أن أدَّى مواله وتقاسيمه، التي بدأها بآهات وأنهاها بلالات، مجردة من أية كلمات ذات معنى ومضمون.
وبعدئذٍ عزفت الفرقة مقطـوعـة طويلة نوعاً مـا صيغـت علـى مقـام (الصبا) ذي الحزن والشجن، وهو أحد المقامات الأصيلة والمنسوبة إلى الغناء العربي الصحيح، والغائر بجذوره في صميم ووجدان الإنسان العربي منذ القـدم.
وها هو الفنان، يقترب بصوته من مكبر الصوت، ليسمع الحضور والمشاهدين والمستمعين، ما يعتريه من مشاعر وجدانيه، أحبَّ أن يُقدمها مغناةً بصوته الشجي.
جاء الفنان ليصف حالة الحب التي يعيشها وتنتابه في مطلع أغنيته معبراً بها عن ذاته وعن كل متلقي لديه الإحساس عينه، فشدَّ الجواب شداً مبحوحاً عانق وطاول عنان السماء، وزعق زعيقاً مأساوياً يخلو من أية عاطفة كأنه زمهرير عاصفة هوجاء، وهو يردد كلمات بصوت مُمطط ومُحبط، بقصد وصف حالة الهيام التي يعيشها فشبهها بنشوة الخمر، ولأنه اعتمد هذا الوصف، لم يتذوق أغنيته سوى من ذاق قبلاً طعم هذا المنكر، وتجرعه وجرّب نشوته، وأصبح هذا المستثنى بسوى يتمايل على أنغامها، ويرقص مترنحاً، كأنه في حالة سُكرٍ إلى حد الثمالة، لا أراكم الله مشهده فإنه يبعث على الاشمئزاز والتقزز.
أما الذي لم يعرف لهذا المنكر مذاقاً ولا تجربة، فقد أصبح في حيرة من أمره، وأصابه شعورٌ بالدوار والغثيان، ثم الدوران حول نفسه، وسوف لن أتساءل عن شعوره الذي قد يراه البعض غريباً، لكوني أدرك تماماً السَّر الكامن وراء ذلك، فهو حالة من الغموض قد اكتنفت هذا الوصف الشعري، وشيءٌ من الإبهام قد لفَّه، فكأنني بهذا الفنان، أراد بذلك أنْ يدعوه صراحة لتناول هذا المنكر، والعياذ بالله، حتى يستطيع معرفة هذا الشعور العاطفي، المقترن بذلك الوصف لحالة الُهيام التي لم يجد لها وصفاً آخراً، حتى أصبح شراً لا بُدَّ منه، وليس منه أي بُدّ في نتاجنا الإبداعي، على اختلاف مشاربه وأنماطه.
وبعد ذلك المطلع الذي استهل به الفنان أغنيته، جاء في مذهب آخر يتأوه من فراق حبيبته، التي شدا عن حالة الهيام التي تلازمه كلما خطرت بباله وعن أمله بلقياها، مع أنها لم تهجر الوطن، إلا أنه قد بوعِد بينهما كما باعد الله بين المشرق والمغرب، ليس من حيث المسافة ما قصدته، ولكني عنيت مدى صعوبة هذا اللقاء، الذي ينشده ويشدو به.
لا تستغربوا ما ورد مني فليس فيه أدنى مبالغة، لأنه بنفسه جعلني أصل إلى هذا الاعتقاد الذي أجزم به، فقد جاء في معرض كلام الفنان أثناء غنائه وعند ذكر حبيبته، أنْ نعتها بلفظٍ عادة ما يتكرر في أغنياتنا وهو (المرهون). وأعُرّف هذا اللفظ لمن لا يعرف معناه، وأذكر العارفين به، بأنه الشخص الذي كان حبيباً لأحدهم وصار لغيره، فكيف يسمح هذا المغني لنفسه بأن يتغنى بما لا يجوز التغني به، أي على إنسانة أصبحت لغيره؟ وأيُّ أمل هذا الذي يحدوه؟ فهو كأمل إبليس بالجنة، لعنه الله.
والأدهى من ذلك، أثناء غناء المطرب عن لقاء (المرهون)، كانت أصوات (الكورال) النسائية تُطلق الزغاريد التي تُطلق استبشاراً بالخير والفرح، في هذا المقام الحزين، فهذا تناقض ما بعده تناقض، وليختم وصلته بها. الخاتمة ما أجمل الكلمة وما أروعها، حينما تُعبر عمّا يُخالجنا من مشاعر، وتزداد جمالاً وروعةً، عندما يجد المتلقي أنها قد مسَّت فيه شيئاً مما يختزن في صدره من أحاسيس، لكنه لا يستطيع البوح بها، أو التعبير عنها، فيلج ما يقدمه مبدعونا، علَّه يجد في إبداعاتهم ضالته، إلا أنه قد يجد ما يضله ويجعله على غير هُدى، ما ظلَّ الإبداع على هذه الحال، لأنَّ فيه من الإسفاف ما فيه، وفيه من التناقض ما فيه. زياد العيساوي ـ بنغازي (ليبيا) Ziad_z_73@yahoo.com