ما قبل تقرير تشيلكوت.. وما بعده!

ينسب الى وينستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني الاشهر في تاريخ الامبراطورية التي لم تغب عنها الشمس، سابقا، قوله "ان الحقيقة في زمن الحرب ثمينة لذا يجب حمايتها بجيش من الاكاذيب"! ومعلوم للجميع، ان الحقيقة في الحروب كلها، تبقى او يبقى اكثرها غائبا عن الناس، الا بعد ان تنتهي الحرب ويحسم امرها لطرف من اطرافها.. وحينذاك لم تعد معرفة الحقائق، لاسيما الميدانية منها، ذات قيمة، وينظر اليها على انها جزء من تكتيكات القيادات المحنكة في ادارة الحروب.

لا اعتقد اننا، كعراقيين، وكذلك المنصفين في العالم، كنا بحاجة الى تقرير السيد تشيلكوت لنعرف فيما اذا كانت الحرب على العراق في العام 2003 مبررة ام عكس ذلك. لانها لم تأت في سياق خلاف اجرائي او تقاطع مصالح آنية بين بلدين او جهتين، بل كانت في سياق آخر مختلف تماما، وهو ان هناك مخططا كبيرا وضعته الولايات المتحدة وجرت معها فيه بريطانيا، لتغيير الواقع السياسي والجيوسياسي في المنطقة، وان مراحله يجب ان تسير وفق برنامج محدد، بدأ مع حرب العام 1991 التي تم استدراج العراق اليها بالتعاون مع قوى اقليمية، ومن ثم الاشتغال على المراحل اللاحقة، التي كان الحصار الاقتصادي على العراق حلقة من حلقاتها، وصولا الى الاحتلال الذي كان ينبغي ان يكون نقطة الشروع في تنفيذ المرحلة الاخيرة، التي تتخبط المنطقة كلها في مسارها الدموي المرعب الان.

ما علينا ان نعرفه جميعا، هو ان كلا من اميركا وبريطانيا، لا تعكس واقعهما السياسي والاجتماعي، رؤية واحدة، وايضا لا يمكن اغفال حقيقة ان هناك قوى مدنية واجتماعية في البلدين، رافضة لسياسة العدوان والتجبّر الذي تمارسها واشنطن ولندن في الكثير من مناطق العالم، تحت مبررات المصالح العليا، التي تأتي على حساب الشعوب المسحوقة وفرص نهوضها وتقدمها.

لقد ضج العالم كله تقريبا بالتظاهرات الصاخبة التي ملأت الشوارع، المطالبة بعدم شن الحرب على العراق، وان حلا سلميا يقرره العالم بصيغة من الصيغ يمكن ان يكون مخرجا للازمة التي خلفتها احداث العام 1990 وما بعده، خصوصا ان الحرب في العام 1991 بقسوتها المفرطة كانت كافية لتحجيم قدرات العراق العسكرية وتعويقه حضاريا، بعد ان تحقق لجيمس بيكر وزير خارجية جورج بوش الاب، عودة العراق لعصر ما قبل الصناعة! لكن الهدف الابعد الذي رسم في غرف الظلام الماسوني، ظل يسكن رؤوس القابعين في واشنطن ولندن، وان واقعا جديدا في الشرق الاوسط لا بد من ان يفرض وبالقوة هذه المرة، بعد ادخال المنطقة كلها في فوضى، اسموها بالخلاّقة، أي خبط المنطقة من خلال ضرب الرؤوس بالرؤوس بعد اخراج المارد الطائفي والعرقي من قمقمه بواسطة لعبة مخابراتية محكمة، جاءت في سياق اللعبة الاكبر والهدف الستراتيجي، والذي اتضح انه ابعد من العراق بكثير، وان المغفلين الذين استدرجوا للدخول في بداياته، وجدوا انفسهم ضحايا له فيما بعد، ولعل الصورة باتت تتضح شيئا فشيئا.

لقد انتهى تقرير تشيلكوت الى ما كان يقال قبل سنين، أي قبل الغزو، من ان الحرب لم تكن ضرورية، وان حكومة بلير لم تستنفد الوسائل السلمية في حل الازمة مع العراق! ونحن نرى ان المشكلة في هذا التقرير، تكمن في كونه اعطى ضمنا لبريطانيا ان تقرر مع اميركا نيابة عن العالم، وهذه مسالة جوهرية يجب التوقف عندها، لان الحرب من عدمها يقررها مجلس الامن الذي لم يحترمه بلير وبوش الابن اصلا، ولم يصغيا الى اصوات دول كبرى في العالم مثل روسيا وفرنسا والمانيا والصين، وان الحرب، سواء جاءت بنتائج جيدة او غير جيدة للعراق تبقى من حيث المبدأ غير شرعية وهي غزو واحتلال قبل كل شيء. ولأن المشكلة مع العراق مختلقة، فان الاصغاء لما كان يطالب به العالم وقتذاك، يعني التوقف عن مواصلة العمل في المشروع الكبير، وهو ما لا يمكن ان يكون. لذا فان التقرير جاء منطويا على بعد اخلاقي (مقنن) يتقارب مع السياسي ليضفي بعدا انسانيا على السياسة البريطانية، و"يطهرها" من الوحل الذي دفعها اليه بلير، وبذلك فانه – التقرير- كان موجها لبريطانيا والبريطانيين قبل ان يكون موجها للحقيقة التي اريد له ان يخلص اليها، وان كلا من بوش الابن وبلير قررا شن الحرب لتكون مدخلا لفوضى مسيطر عليها الى حين. وان تداعيات ما بعد الحرب التي ينتهي التقرير الى ان بريطانيا لم تكن لديها خطة لمعالجتها بالشكل الصحيح، تعكس الاستغراق بالنزعة الأبوية الزائفة للعالم وتجاوز قيمه الجديدة التي تواضعت عليها الدول من خلال هيأة الامم المتحدة ومنظماتها.

ان العراق الذي فقد نحو مليوني انسان من شعبه بين شهيد ومعاق ومشرد، نتيجة للغزو والاحتلال، لا يغنيه هذا التقرير بشيء، ما لم يعوّض في الاقل عن خسائره المهولة وتسليح جيشه من جديد واعادة النظر في القرارات الاممية التي صدرت ضده في عقد التسعينيات والتي ادت الى افقار شعبه وضياع مستقبل الملايين من ابنائه، لان الدول التي سهلت للغزو هي الاخرى متورطة بتداعيات ما حصل للعراق، وان تحميل بلير ضمنا او مباشرة فقدان مائتين من البريطانيين في تلك الحرب، يوازيها بالضرورة تحميل بريطانيا نفسها وكذلك اميركا مسؤولية فقداننا هذا العدد الكبير من الارواح والاموال، لان الشعب العراقي هو من دفع تعويضات احداث العام 1990 بعد تحميل النظام السياسي فيه المسؤولية، فلماذا لا تتحمل الشعوب الاخرى مسؤولية ما قامت به انظمتها، لاسيما ان منطق الحدثين، نقصد احداث الكويت قبل اكثر من ربع قرن وغزو العراق قبل ثلاثة عشر عاما، وقعتا تحت مبررات واحدة، ولو من حيث المعلن!