ما فعلناه بمقاوماتنا المسلّحة وما فعلته بنا

بقلم: ماجد كيالي

لم تكن تجارب حركاتنا الوطنية في المقاومة المسلحة أحسن من تجاربنا الأخرى، السياسية والحزبية والأيدلوجية، وبالطبع فهي لم تصل إلى مآلات أفضل من الأحوال التي آلت إليها أنظمتنا، بخياراتها السياسية والاقتصادية، على اختلافاتها وتنوعها. ولعل هذا الأمر ينطبق على حال الحركة الوطنية الفلسطينية، التي أطلقت المقاومة المسلحة، منذ أواسط الستينيات من القرن الماضي، لتحرير فلسطين.

اللافت أن الفلسطينيين، الذين طالما تغنّوا بالكفاح المسلح، وجعلوه بمكانة مقدسة، خارج النقد، لم يبيّنوا قط ماهية إستراتيجيتهم العسكرية، هم فقط أطلقوا المقاومة وتركوها لشأنها! الأنكى من ذلك أن هذه التجربة، برغم كل الثغرات التي اعتورتها، وبرغم العفوية التي طبعتها، لم تحظ يوما بأية مراجعة تقييمية، نقدية، ولم يتم التعامل معها بشكل مسؤول، وبما يخدم الهدف الوطني.

لكن الأكثر لفتاً للانتباه أن أرباب المقاومة المسلحة، عند الفلسطينيين، ظلوا يعلون من شأن كفاحهم المسلح، حتى بعد اختفاء قواعدهم العسكرية (في الخارج)، وبرغم عجزهم عن القيام بأية عملية فدائية، على امتداد ثلاثة عقود من الزمن، لكأن الكلام عن المقاومة المسلحة يعوّض عن وجودها الفعلي!

مشكلة الحركة الوطنية الفلسطينية، أيضا، أن الظاهرة المسلحة، العفوية والمزاجية، لم تطغ على شعاراتها فقط، وإنما هي طغت، أيضا، على بناها، والأخطر من ذلك على علاقاتها الداخلية والبينية، والعلاقة بينها وبين مجتمعها.

هكذا تحولت البني السياسية الفلسطينية من بني تنظيمية /حزبية، إلى مجرد بني عسكرية ميليشياوية، وإلى أجهزة أمنية، وقد عزز ذلك من تحول الفصائل الفلسطينية إلى نوع من سلطة (كل بحسب حجمه) في مجالات تواجدها.

هكذا، فإن طغيان الطابع العسكري على الفصائل الفلسطينية، وتحولها إلى سلطة، أدى إلى إرباك العلاقات الداخلية، لاسيما في ظل نظام سياسي فلسطيني يعتمد نظام المحاصصة، لا التمثيل والانتخاب، وفي واقع تتجاذب فيه الفصائل الفلسطينية المداخلات الإقليمية والدولية.

ما الذي نجم عن ذلك، أي عن تقديس الكفاح المسلح، وعن إقحامه في المنازعات الداخلية؟ نجم عنه انحراف المقاومة المسلحة عن مسارها المفترض (استنزاف العدو وتحرير الأرض)، إذ باتت لها وظائف داخلية، تفيد بتكريس هيمنة هذا الفصيل أو ذاك، وتحديد موازين القوى الداخلية. كما نجم عن ذلك تقليل الفصائل من شأن الحياة البشرية، ومن مكانة القيم والحقوق الإنسانية الأخرى، كالحق في الحرية والتعليم والصحة والعيش الكريم والعدالة والاختيار الحر.

دليل ذلك أن هذه الحركات ضحّت (والأصح أهدرت)، عن قصد أو من دونه، بحيوات بشر كثيرين من دون عوائد مناسبة لصالح قضيتها الوطنية، ويمكن في ذلك مراجعة سجلات هذه الحركات (إن وجدت سجلات توثق هكذا حالات!).

وفي التجربة الفلسطينية، مثلا، يمكن أن ندلل على ذلك في الصراعات الجانبية والمجانية التي تورطت فيها الحركة الفلسطينية (في بعض الدول العربية)، وفي الصراعات والاقتتالات الداخلية، وفي المعارك غير المحسوبة التي خاضتها ضد عدوها، والتي استنزفتها، وقوّضت قواها، من دون حساب للجدوى، أو للموازنة بين الكلفة والمردود، في صراع يفترض انه على الصمود وعلى طول النفَس.

ويكفي أن نذكر هنا، ومن باب المقارنة، بأن عدد قتلى إسرائيل، منذ بداية المشروع الصهيوني (أي منذ قرن ونيف تقريبا)، بلغ حوالى 29 ألفا، فقط، وهو عدد يشمل مجمل قتلى إسرائيل، في الحروب التي خاضتها وعمليات المقاومة المسلحة التي تعرضت لها.

بالمقابل فإن خسائر الفلسطينيين (دون أن نذكر خسائر البلدان العربية المجاورة) تزيد بعشرات أضعاف ذلك، لكن معظمها ذهب في معارك جانبية (الأردن ـ لبنان وبعده في الضفة وغزة)، علما انه لم يجر تفحص تداعيات كل ذلك، ولا البتّ بشأن المسؤولية عنها! تماما مثلما لم تجر أية مراجعة ولا أية مساءلة لقيادتي فتح وحماس بشأن كيفية إدارتهما للمقاومة المسلحة في الانتفاضة الثانية (وفق نمط العمليات التفجيرية)، ولا بشأن مسؤوليتهما عن الاقتتال المروع والمدمر الذي جرى في غزة (2007) وانتهى بهيمنة حماس هناك (بعد مصرع حوالى 1400 من الفلسطينيين)، وبانقسام الكيان الفلسطيني!

ومشكلة حركات التحرر الوطني المسلحة أن عنفها يرتد إلى الداخل، حينما تعجز عن تنفيسه ضد عدوها الوطني/الخارجي (خذ ما جرى مع حزب الله في لبنان مثلا)، ما يقتل معنى التحرر والوطنية، ويرتد خرابا وعبثا في المجتمعات المعنية. والأنكى أن هذا العنف الداخلي ليست له تعبيرات جسدية فقط، ما يجعل منه مجرد سلوكيات ظرفية أو طارئة، وإنما له تعبيرات أيدلوجية، بمعنى أنه عنف لفظي، أيضا، يتضمن الحط من قيمة الأخر، ومحو المختلف، وهذه هي وظيفة الخطابات الاتهامية الاستئصالية والتخوينية، وهذه الخطابات هي التي تبرر العنف الداخلي وترسخ استمراره.

وما يعزز من الطبيعة السلطوية/والعنفية لحركات التحرر الوطني المسلحة، حقيقة أن تلك الحركات تستهويها السلطة، لا سيما أنها تعتمد على ألوف من المقاتلين المتفرغين، ومن المتعيشين من موارد خارجية (على الأغلب)، ما يخفف من تبعيتها لمجتمعها. بل إن هذه الحركات، وبشكل أكثر تحديدا، تنشئ، أو يخيل لها أنها تنشئ، نوعا من مجتمع مواز، أو مجتمع بديل، تستعيض به، كما وتستقوي به، عن المجتمع الأصلي، الذي يدفع إلى الخلف، أو يزاح إلى الهامش؛ ما يفسر حال الغربة بين حال هذه الحركات وأحوال مجتمعاتها.

أما في المجال المتعلق بالحريات وحياة الأفراد وقضاياهم وشؤونهم الحياتية الخاصة فيمكن ملاحظة ان حركات التحرر الوطني المسلحة لم تهتم إلى الدرجة المناسبة بهذه الأمور، التي اعتبرتها مجرد قضايا هامشية، أو ثانوية، يمكن أن تشغلها عن القضية الأساسية. فالفصائل المسلحة، هي الإرادة والراية، وهي الشعب والقضية، وهي المقرر والحكم، وهي مصدر الوطنية والقيمة على الوطن! هكذا فإن هذه الحركات لا تنتهك فقط (بشكل غير مباشر وربما بشكل غير مقصود) حياة الأفراد وحرياتهم وخياراتهم وإنما هي حتى تصادر دور المجتمعات، بإحلالها ذاتها مكان المجتمع؛ وفي ذلك فإنها تشابه في واقعها هذا واقع السلطات العربية.

في هذا الإطار بالضبط يمكن النظر إلى أعمال العنف التي شهدها مؤخرا مخيم اليرموك للاجئين (قرب دمشق)، هذه المرة لم يكن العنف بين فصيل وفصيل، ولا بين جماعة من فصيل ضد قيادتها، هذه المرة وصلت لوثة العنف إلى الجماهير الغاضبة، التي ثارت على فصائلها، وأفصحت عن مخزونها من ثقافة وسلوكيات العنف؛ هذا ما فعلته المقاومات المسلحة بنا وهذا ما فعلناه بها. يبقى السؤال لماذا وصلت الأمور إلى هنا؟ وكيف يمكن تدارك هذا الانحدار، عند الفصائل والأفراد والمجتمعات، في مجالي الثقافة والسلوكيات.

ماجد كيالي