ما خفي من صراع المعسكرات في المنطقة

المفكر الحر والثوري النقي والمناضل الشريف والداعية المخلص والكاتب الصادق وكل من يعمل او يقدم عملاً لأجل مصلحة أمته لا بد وأن يتعرض في وقت ما لأن يفتتن في ما يقوله ويدعوا إليه حتى يعرف الله وتعرف الجماهير حقيقة توجهه وبيان صدقه وإخلاصه وكذلك ليكتشف هو حقيقة نفسه فتقام بذلك الحجة عليه امام الله وأمام الناس.

سوريا

المعارك التي تجري رحاها في سوريا اليوم تذكرنا بالصراع الدموي الذي دار في نيكاراغوا بين القوات الحكومية المدعومة سياسياً ولوجستياً من قبل الإتحاد السوفيتي في حينها وبين مجموعات الكونترا التي تلقت دعماً أميركياً سرياً لفترة ثم علنياً بعد ذلك.

إلا ان واقع الوضع السوري الحالي يختلف بدرجة ما كون ان الإدارة الأميركية التي تعاني من حالة تقترب من إعلان الإفلاس المالي بصورة رسمية إثر الأزمة الإقتصادية القاسية التي يمر بها الإقتصاد الأميركي قد وجدت في المال العربي بديلاً تعويضياً ملائماً تستعين به في إدارة صراعاتها في المنطقة مع القوى الإقتصادية والعسكرية الصاعدة في روسيا والصين.

روسيا والصين

روسيا والصين تسعيان للحد من نفوذ التمدد الأميركي في الشرق وإفريقيا ومن سيطرة رأس المال الأميركي على منابع الطاقة واسواق الدول النامية، أما الولايات الأميركية فمن ناحيتها تسعى لتقويض أية إمكانية مستقبلية لتمدد روسيا والصين بإتجاه المياه الدافئة وتريد كذلك الإستمرار في التحكم بأسعار البترول والغاز العربي الذي يتيح لها تحجيم نمو إقتصاديات الدول الصاعدة وكذلك فرض إستمرار الدولار كعملة دولية رسمية للتجارة العالمية.

إيران بالنسبة لاميركا تشكل جسراً لتمدد النفوذ الروسي والصيني وتشكل سياسة حكومتها كذلك تهديداً مزعجاً لضمان هيمنة الدولار على تجارة الطاقة وعلى إستقرار أسعار البترول، فإيران ومنذ سنوات تحاول في أوبك إستصدار قرارات بخفض إنتاج الدول المصدرة للبترول مما سيؤدي لإرتفاع اسعار البترول عالمياً وبالتالي التسبب في مآزق إضافية كارثية للإقتصاد الاميركي الذي يحاول جاهداً الخروج من ازمته الخانقة، كذلك فأن سياسة إيران الرامية لبيع بترولها مقابل اليورو أدت في فترات سابقة لإرتفاع أسعار الأخير وهبوط سعر صرف الدولار ولو مؤقتاً.

من ناحية اخرى، الغاز الروسي الرخيص المتدفق عبر البحر إلى ألمانيا يشكل إزعاجاً كبيراً للإدارة الأميركية، لأن هذا يتيح لروسيا التحكم بإقتصاديات دول السوق الأروبية ويؤدي كذلك إلى إنتعاش الإقتصاد الروسي كما أن الدول الأوروبية مضطرة لشراء الغاز الروسي بعملات غير الدولار مما سبب مزيداً في تراجع سعر صرف الدولار عالمياً، ولهذا وجدت اميركا في مخزون الغاز القطري بديلاً واقعياً يمكنها من إنهاء إحتكار الغاز الروسي للأسواق الأوروبية، ولهذا قامت شركات اميركية بتوقيع إتقاقية مع الجانب القطري لإحتكار إستخراج الغاز وتوريده عالمياً، إلا أن الغاز القطري لم يستطع منافسة الروسي في السوق الأوروبية بسبب إرتفاع كلفة الشحن عبر السفن من قطر إلى أوروبا ولهذا قررت واشنطون إقامة انبوب لنقل الغاز إلى أوروبا عبر سوريا وتركيا. طبعاً لا يمكن تنفيذ المشروع عبر سوريا بسبب العلاقات المتميزة بين الحكومتين السورية والروسية.

إيران

في نفس الوقت كانت إيران تسير بخطى حثيثة نحو التمكن من إنتاج سلاح نووي الأمر الذي سيتيح لها فرض حالة من التوازن العسكري مع الولايات المتحدة في المنطقة وبالتالي فرض شروطها فيما يتعلق بتخفيض إنتاج الدول العربية المصدرة للبترول التي لن يكون أمامها سوى محاولة إرضاء كلا الجانبين الأميركي والإيراني من خلال القبول بحلول وسط ترضي الطرفين.

لكل ما سبق، قررت الإدارة الأميركية فرض عقوبات إقتصادية إضافية قاسية على طهران وحرمانها من القدرة على تسويق بترولها عالمياً لضرب ميزانيتها وبالتالي عرقلة إندفاعها نحو تملك السلاح النووي وفي نفس الوقت كان لا بد من حرمان روسيا من حليفها السوري ليتسنى لها أي للولايات المتحدة مد خط الغاز القطري عبر سوريا وتركيا إلى أروربا وبالتالي ضرب الإقتصاد الروسي وإعادة هيمنة الدولار على تبادلات الأسواق العالمية وإستمرار هيمنة شركات الطاقة الأميركية على مصادر التوريد الرئيسية.

دول الخليج

دول الخليج العربية من ناحيتها تخشى من التمدد الإيراني بإتجاهها لانه يهدد إستقرار الانظمة الملكية الحاكمة هناك، حيث تنظر إيران على المدى البعيد ليس فقط لفرض قرار تخفيض الإنتاج بل إلى التحكم في الإنتاج نفسه ولذلك تجد هذه الأنظمة في تأجيج المشاعر الطائفية متراساً تتحصن خلفه لعرقلة محاولات التمدد الإيراني في بلدانها.

وفي الحقيقة فأن دول الخليج العربية تنتهج سياسات غير حكيمة ستكون وبالاً عليها في المدى المتوسط، فتأجيج الوضع الطائفي في المنطقة يمكن أن يؤدي لفرض حالة من عدم الإستقرار والتفتت الداخلي قد ينجم عنها إعادة رسم الخريطة السياسية لدول الخليج نفسها.

إيران كذلك ستستفيد على المدى المتوسط لأن تقسيم دول الخليج على اسس طائفية سيؤدي لتجميع مصادر النفط والطاقة في مناطق تسيطر عليها أقليات لا تحمل بالضرورة مشاعر عدائية تجاه إيران بل إن بعض القوى النافذة فيها تربطها وإيران علاقات وطيدة.

ولذلك فإن تصرفات دول الخليج الرعناء تشابه إلى حد كبير موقف من يستعمل معولاً كبيراً ويقوم بإستخدامه لهدم جدران بيته في محاولة منه لإزعاج الجيران من صوت الهدم.

مصر

في نفس الوقت نجحت الإدارة الأميركية من خلال الوسيط الخليجي خاصة القطري في إحتواء أكبر جسم تنظيمي معارض لعملية السلام وإندماج إسرائيل في المنطقة، وتأكيدات معظم قيادات الصف الأول في جماعة الإخوان المسلمين قبيل الإنتخابات المصرية البرلمانية ثم الرئاسية حول إلتزام الجماعة بإتفاقية كامب ديفيد مع إعرابهم الخجول حول ضرورة تحسين بعض البنود الإجرائية الشكلية (بحجة أن من وقع الإتفاقية هي حكومة سابقة وليست حكومتهم وأن عليهم الإلتزام بتعهدات الحكومات السابقة) ثم إستمرار تبادل السفراء ورسائل المشاعر الملتهبة بين مرسي وصديقه العزيز بيريز (حسب تعبير مرسي نفسه) وإستمرار تضيق الخناق على قطاع غزة يعزز هذا الإعتقاد.

غزة

منذ إنتهاء عملية الرصاص المصبوب 2008م يسود تفاهم ضمني على وقف إطلاق النار بين قيادة حركة حماس والحكومة الإسرائيلية، وبإستثناء بعض الحوادث العابرة، عاش القطاع أكثر سنواته هدوءاً منذ العام 1948م، خلال سنوات الهدوء هذه قامت حماس ببناء بنية تحتية لحكومة مستمرة في القطاع، وتحول ألاف الشباب من أجيال المنخرطين في قسم العمل الدعوي وكذلك الجناح العسكري في الثمانينات والتسعينات إلى موظفين حكوميين في المقابل لم يتم تنظيم فئات أصغر سناً من الأجيال الناشئة بشكل كافي لتعويض النقص خاصة في قسم الجناح العسكري، الأمر الذي فهمته الإدارة الأميركية على أنه قبول حمساوي جزئي ضمني تدريجي بشروط الرباعية القاضية بعدم الإعتراف بحكومة حماس قبل 1. تفكيك الجناح العسكري 2. نبذ العنف 3. الإعتراف بإسرائيل.

الشروط 1 +2 تحقق على الأرض ضمنياً كما نرى، بينما لا يبدوا أن الشرط رقم 3 سيكون معضلة مستعصية على الحل، إذ يمكن لحماس تبني نفس سياسة المركز في القاهرة وإعلان إلتزامها بإتفاقية أوسلو مع الدعوة لإدخال بعض التعديلات، حيث لن تكون حماس (فرع غزة) اكثر إسلامية من قيادة التنظيم في القاهرة التي أعلنت إلتزامها بكامب ديفيد، والحجة ستكون هي نفس حجة إخوان القاهرة، الإتفاق وقعته حكومة سابقة وعلينا الوفاء بالإلتزامات السابقة حسب ما تمليه تعاليم ديننا الحنيف (لبعض من قد لا يعجبه تقييم الموقف هذا الكلام مسجل حرفياً لقيادات إخوانية وموجود على الإنترنت).

ولذلك فإن زيارة أمير قطر الأخيرة لغزة والتبشير بكم ملياري من الإستثمارات والعقارات يدخل ضمن جهود الأخير لإنهاء حالة التوتر وبشكل كلي من الأرض التي لم يسد فيها شيء غير التوتر منذ العام 1948م!

د. محمد رياض