ما حاجتنا لرئيس يجلب لنا العار

شخصيا؛ لم أعد ألمس فرقا مهما ضاقت مساحته بين ما يأتي على لسان رئيس وزراء الكيان الصهيوني وأعضاء وزارته، وبين ما يأتي على لسان رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس. الإثنان يتفقان على محاربة مقاومة الشعب الفلسطيني للإحتلال. الأول مع كل زبانيته من اليمين المتطرف، يضعون أنفسهم على إنسجام تام مع سياسات الحكومة الصهيونية الساعية الى تثبيت الإحتلال بكل الوسائل حتى المنافية للقانون الدولي. فيما عباس يبدو انه يغرد خارج السرب والإجماع الشعبي الفلسطيني، وما عاد في مفكرته السياسية سوى التملّق لهذا الإحتلال عبر قمع شعبه وتوجيهه الى الرضوخ والإستكانة بمقابل سياسة قتل مبرمجة تقودها الحكومة الإسرائيلية وإعتداءات يومية لمستوطنين تجري بلا هوادة ضد المكوّن الفلسطيني.

لقد تجاوز محمود عباس كل مبادئ وقيم الوطنية التي يتحلى بها كل قائد أو زعيم أنتخب لتحقيق مصالح شعبه. ففي إجتماع وزراء خارجية دول منظمة التعاون الاسلامي الذي عقد في جدة مؤخرا نسي ان مشاركته في هذا المؤتمر هي حصرا لتمثيل الفلسطينيين، وعليه واجب تذكير العرب والمسلمين والعالم كله بالمآسي التي يعيشها الشعب الفلسطيني من جراء السياسات الإسرائيلية القمعية منقطعة النظير. وبدل ان يتحدث محمود عباس عن معاناة أكثر من ثلاثة آلاف أسير معتقل في سجون الإحتلال صب جام غضبه على المجموعة الفلسطينية التي إختطفت ثلاثة مستوطنين إسرائيليين بهدف مبادلتهم مع الاسرى الفلسطينيين.

قال عباس في المؤتمر "ان من خطفهم يريد ان يدمرنا وسنحاسبه". ان من يسمع هذا الكلام سينسبه للوهلة الأولى لرئيس الحكومة الاسرائيلية الذي لا يكف عن إطلاق التهديدات ضد الشعب الفلسطيني برمته، وهو بالفعل لم يتوانَ عن إطلاق يد جيشه وأجهزته الأمنية الى قلب بيوت الفلسطينيين لتفتيشها وترويع سكانها من الأطفال والنساء بحثا عن مستوطنيه المفقودين. وهنا كان حريا على عباس أن يدين بصوت عال الإجراءات القمعية وعمليات البطش التي يجريها الجيش الأسرائيلي ضمن حملة العقوبات الجماعية جعلت من حياة الفلسطينيين لا تطاق.

ولو كانت الحكومة الإسرائيلية جادة في عملية السلام وتحترم اتفاقاتها مع السلطة الفلسطينية لكان الأسرى الفلسطينيون من حيث المبدأ الذي أرسته إتفاقات أوسلو وملحقاتها، قد نالوا حريتهم منذ زمن. ولكانت إنتفت أسباب هذه العملية وغيرها من هذا النوع. أما وقد وقعت فأن دوافعها لا تخفى في ان السياسة الإسرائيلية هي التي تتحمل مسؤوليتها بعدما سدت كل الأبواب والسبل في أن يرى الأسرى الفلسطينيون نور الحرية.

تصريحات عباس الأخيرة في جدة لم تكن منعزلة عن حزمة تصريحاته التي دأب فيها على منح الإحتلال إقامة مريحة على الأراضي الفلسطينية. والتي يصيغها - التصريحات - على منوال ما يسميها "السياسة العقلانية". هذه السياسة التي ولا مرة رفعت اليد الاسرائيلية الثقيلة النازلة قتلا وتهجيرا على رؤوس الفلسطينيين.

لا نفهم عن أي دمار يتحدث عباس ستلحقه عملية الخليل "بنا"، هل السلطة الوطنية ومواطنوها يعيشون إزدهارا حياتيا وسلميا يجب الحفاظ عليه بعدم الإشتباك مع عدو لم تلزمه الإتفاقات ولا التفاهمات أن يرخي قبضته عن رقبة الشعب الفلسطيني. أم أنه يتحدث عن دمار سيلحق إمتيازات ومكاسب رجال سلطة آثروا مصالحهم الشخصية على مصالح الشعب الفلسطيني.

ليت محمود عباس يبدو شرسا في الدفاع عن مصالح شعبه بقدر ما هو يبدو شرسا بالدفاع عن مصالح إسرائيل الأمنية، وهو يؤدي هذا الدور قولا وفعلا من خلال تنسيق أمني قذر يستهدف ثوارا نذروا أنفسهم لقضايا الحرية والتحرر من الإحتلال.

ان تصريحات عباس التي دأب على إطلاقها بمناسبة ومن دون مناسبة، وخاصة تلك التصريحات التي يسفّه فيها أعمال المقاومة الفلسطينية لم تجلب في الواقع سوى الصدمة والعار لكل فلسطيني، ومن دون أن توفر لسلطة عباس أية ذرة من كرامة. وهذه التصريحات ما هي الا دليل على بؤس السلطة وأفلاسها، وعجزها عن توفير الأمن والحياة الكريمة لشعب أبيّ ومناضل يعاني من عسف الإحتلال وإهانات قياداته التي ربطت مصالحها مع مصالح ووجود الإحتلال.

ان ما يحتاجه الشعب الفلسطيني في وقته العصيب أبدا منذ ألمّت به النكبة، هو ما يشد أزره ويدعم صموده فوق أرضه ولأن يظل ثابتا على قضاياه المصيرية. وأن تجنبه قيادته تصريحات ستؤدي به في نهاية المطاف الى حالة من القرف.