ما جرى داخل فتح أواخر عهد عرفات

بقلم: هشام القروي

يمكن للملاحظ أن يربط الأحداث الراهنة بالماضية، وأن يرى في ترشح مروان البرغوثي للرئاسة إما حالة ديمقراطية تدعو الى تنشيط التعدد السياسي وتنويعه على مستوى النخبة، وإما تواصل نفس الصراعات التي هزت تنظيم "فتح" في أواخر عهد ياسر عرفات. كما ذكرنا في مقالة سابقة، رفع الخارجون عن عرفات شعار الإصلاح ومحاربة الفساد عنواناً لتحركهم، متهمين الوزراء والمحيطين بعرفات من أعضاء اللجنة المركزية، ورؤساء الأجهزة الأمنية بالفساد، و بسوء الإدارة مالياً وسياسياً وأمنياً، الأمر الذي أدى إلى إضعاف هيبة السلطة، وحال دون تحقيق إنجازات سياسية، بل وتحطيم ما يعتقدون أنه إنجازات كانت قائمة.
لا يختلف اثنان في الساحة الفلسطينية حول وجود واستفحال الفساد في السلطة وفتح، بمختلف المستويات، فساد سياسي وأمني ومالي وأخلاقي، فساد طال به الأمد، وأصبح حالة عامة، على أساسها تم شراء الولاءات والاستزلام، وعبر آلياته تم شق تنظيمات وتوليد أخرى.
إلا أنه لا يمكن عزل ما جرى داخل فتح والسلطة عن العوامل الخارجية، وبالأخص الإدارة الأمريكية وحكومة شارون، فقد اعتمدت الإدارة الأمريكية شروط شارون المتعلقة بإصلاح
السلطة وعزل عرفات، باعتبارها المدخل إلى التسوية، ومنذ ذاك أصبح الإصلاح مدخلاً لإعادة صياغة الواقع الداخلي الفلسطيني للتوافق مع أجندة شارون، وغدت جهود المطالبين بالإصلاح تتجه لتوفير الشروط التي حددها شارون في الشريك الفلسطيني، إذ إنه حينما أعلن عن عدم وجود شريك فلسطيني في التسوية، إنما قصد ذاك الشريك الذي يقبل بما يقبل به شارون، ويكيف المشروع الوطني حسب الأجندة الاسرائيلية.
دار الصراع آنذاك في اتجاهين، تمثل الأول منها في محاولة العودة بالسلطة إلى دورها الأمني. وحللت المعارضة هذا المفهوم على أنه متجه لضرب المقاومة، كوسيلة لمواجهة الاحتلال، ومن ثم تساهم السلطة في هزيمة الوعي الفلسطيني، وتصبح على حد تعبير أحد المتحدثين باسم "حماس"، "خط الدفاع الأول عن الاحتلال، وأداة تجميله الأكثر فعالية، والتي تحوله إلى احتلال يمارس بالوكالة، ولا يدفع ثمنه السياسي أو الأمني أو الأخلاقي."
بيد أن المفهوم كما رأته السلطة وعلى رأسها عرفات وفريقه، يتمثل في أن هذه مرحلة نحو التحول إلى دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967م، فهي جزء من المشروع الوطني القائم على التسوية المرحلية، ولا مانع لدى هؤلاء من تقديم تنازلات لاسرائيل، ولكنها تنازلات مدفوعة الثمن على صعيد استعادة الأرض وقضايا أخرى.
ويجدر أن نلاحظ أن "حماس" مثلا اعتبرت فريق دحلان مخلصاً للرؤية الأولى، ومستعدا للتماهي والتطابق معها، ولكن سيكون من الخطأ الادعاء أن "حماس" تتفرد بهذا الموقف من بين الفصائل المعارضة. فهناك آخرون رأوا أن التركيز المطلق من طرف فريق دحلان، ومن يقف خلفه من أطراف دولية وإقليمية على الملف الأمني، يجعل المشروع الوطني الفلسطيني شبه مختزل في أدوار أمنية يقوم بها لمصلحة هذا الطرف أو ذاك.
وأما الاتجاه الثاني للصراع فكانت له طبيعة سياسية، حيث لا يختلف الطرفان في الارتكاز إلى خيار التسوية، فكلاهما يتفقان على سقف أراضي 1967م، باعتباره نهاية التطلعات، وذروة مطالب المشروع الوطني الفلسطيني في هذه المرحلة، غير أن عرفات بدا أكثر حرصاً للوصول الى ذلك السقف مع الاستعداد لتبادل أراضي، وصفقات معينة على صعيد القدس واللاجئين.
أما الطرف الآخر فرأى أن ما يعطيه الاحتلال هو قاعدة الحل السياسي، وأن نهج خذ وطالب، وعبر التفاوض فقط، هو الطريق الوحيدة للوصول إلى سقف التسوية، وفي سبيل ذلك أبدى الاستعداد كاملاً، للتعاطي الإيجابي مع خطة شارون للفصل الأحادي، وربما كانت تلك التحركات تجري على قاعدة الاستعداد للانسحاب المحتمل من غزة، والاستعداد لتقديم الثمن المطلوب على الصعيد السياسي والأمني.
ولكن مع تزايد الانفلات الأمني، بدأ الحديث يعود عن خطط أمنية لهذا الجهاز أو ذاك لوقف تلك الظواهر، بل إن اللقاءات الأمنية توالت، سواء لغرض نشر قوات الشرطة في الضفة، والمساومات حول تسليحها وانتشارها أو بغرض معالجة صواريخ القسام، بعد الانسحاب من بيت حانون، وقد جرى لقاء على هذا الصعيد بين موسى عرفات ورئيس الشاباك الصهيوني آفي ديختر، كما كشف النقاب عن لقاءات بين دحلان ومسؤولين أمنيين صهاينة.
كان من الواضح أن أطرافاً في السلطة تسعى لاستغلال الأحداث بهدف تمرير أجندة خاصة، وفق خطة تدريجية لإعادة هيبة السلطة في الشارع، واستحقاقات خارطة الطريق.
ولا يزال من غير الممكن عزل ما جرى داخل صفوف فتح والسلطة، عن حالة التناقض الداخلي في برنامجها، فقد حاولت قيادة فتح الجمع بين برنامج التسوية وممارسة المقاومة، وفي ظل تناقض البرنامجين، واختلاف وسائلهما وتكتيكاتهما، وقع الصراع بين البرنامجين داخل صفوف فتح والسلطة، فبدا أنه لا حل لمأزق فتح دون توحيد برنامجها ومجانسة خياراتها. وفي الإطار ذاته يصعب أن لا نعتبر أهمية ما تقوله المعارضة، فهي ترى أنه لا يمكن الجمع بين سلطة وطنية والاحتلال على الأرض ذاتها، فكلاهما نقيض الآخر، فإما أن تعبر تلك السلطة عن آمال وطموحات وأهداف المشروع الوطني، وإما أن تكون ملحقة بالاحتلال. والمعارضة هي التي تروج أيضا اشاعات مفادها أن "سلطات الاحتلال أشرفت على توزيع وكالات 600 شركة لصالح 350 شخصية في السلطة، لربط مصالح هؤلاء باستمرار الواقع القائم، وهؤلاء يحصدون الامتيازات الخاصة بالشخصيات المهمة وفقاً للمعايير التي يضعها الاحتلال وقادة أجهزته الأمنية، ولا يستطيع وزير أو عضو مجلس تشريعي التحرك أو التنقل دون موافقة ومباركة تلك الأجهزة ". ومن هنا تستنتج نفس هذه المصادر صعوبة الإصلاح في ظل الاحتلال، وأن خطوة للإصلاح الحقيقي الشامل لابد أن تقوم على زوال الاحتلال، وإعادة بناء الواقع السياسي الفلسطيني بعيداً عن إملاءات الاحتلال وشروطه. (نشر بالاتفاق مع جريدة "العرب" بلندن) هشام القروي
‏‏