ما جدوى ثقافة التسريبات؟

شهدنا مؤخرا ظاهرة التسريبات الصادرة من مستويات رفيعة من المسؤولين المصريين، الرئيس المصري عندما كان وزيرا للدفاع، طاقم من المسؤولين رفيعي المستوى ثم تسريبات لوزير الداخلية وكلها تولت بثها قناة فضائية او اكثر من القنوات الاخوانية التي مقرها تركيا وتعمل تحت اشراف تركي ثم تلقفتها قناة الجزيرة وبثتها على مراحل.

لاشك ان ما تم بثه ليس الا حلقة من حلقات الصراع بين حركة الاخوان وبين الحكومة المصرية بزعم ان تلك الحكومة انقلبت على الشرعية وانها اصلا لا تتمتع بأية شرعية تذكر وهو الامر الذي تتداوله وتردده تلك القنوات الفضائية مجتمعة وهي في الحقيقة حملة اعلامية قوية ومتواصلة تستخدم فيها اية ادوات ووثائق صورية او صوتية او مطبوعة لغرض الاجهاز على الخصم او تشويهه خاصة في ظل الخلافات السياسية التركية المصرية من جهة والقطرية المصرية من جهة اخرى، فالمعركة متعددة الوسائل والادوات، هنالك معركة على الارض، عمليات تفجير تشهدها الساحة المصرية واستهداف لقوات الامن والشرطة والجيش وهنالك عمليات ارهابية منظمة شديدة الخطورة في سيناء.

وفي واقع الامر ان من اضطلعوا بمسألة التسريبات كانوا قد هللوا بأنها ستكون بداية النهاية للدفء الذي تشهده العلاقات المصرية الخليجية استنادا الى ادعاء تلك التسريبات بكلام جارح اطلقه مسؤولون مصريون ابرزهم الرئيس السيسي في حق بلد خليجي او اكثر فضلا عن عبارات السخرية. لكن لم يجر التحقق من صدقيتها وقيل انها مفبركة.

لكن احلام اليقضة الاخوانية لم تعمر طويلا اذ سرعان ما اثبت الواقع ان تلك العلاقات الخليجية المصرية متينة وثابتة وتخدم المصالح المشتركة للطرفين ولم تعبر العواصم الخليجية عن اي موقف معادي لمصر او ماي دل على وجود النية لمعاقبتها بسبب موضوع التسريبات بل انها تجاهلته تماما وبذلك فوتت الفرصة على

الذين سعوا وخططوا لكي تكون تلك التسريبات القشة التي يراد لها ان تقصم ظهر البعير في العلاقات الخليجية المصرية او انها بداية النهاية او نهاية الدفء في تلك العلاقات.

لا شك ان ثقافة التسريبات هي ثقافة دخيلة ونادرة في العلاقات بين الدول ولا يعول على تعليقات يمكن ان يقولها المرء وان كان مسؤولا تحت اي ظرف اذ ان المسؤول – اي مسؤول – من الممكن ان يعلق حول اية قضية او يسخر من اي موضوع فيما بينه وبين طاقم مستشاريه ومساعديه الخاصين والموثوقين وليس في ذلك ما يضير، ما دام لا يتبع ذلك اية اساءة فعلية او اذى لاي طرف ولا يترتب عليه موقف معادي وهي مسألة ربما غابت عن اذهان المسربين فرسموا في اذهانهم خيالات واسعة للغضب الساطع الذي سيلحق بخصمهم النظام المصري.

لعل القراءة المتبصرة والواعية في الواقع الذي تعيشه المنطقة والاقليم تحديدا تؤكد الحاجة الملحة لتلاحم مصر مع شقيقاتها دول الخليج لا سيما في ظل التحديات الخطيرة التي تجابه مصر من جهة ودول الخليج بصفة عامة من جهة اخرى فهنالك تمدد ارهابي خطير تمثله داعش واذرعها الاخطبوطية الممتدة من سوريا والعراق الى سيناء وليبيا فضلا عن استقطاب الشباب في هذه البلدان للانضمام الى ذلك التنظيم وهو ما يستوجب من مصر ودول الخليج التحسب والاستعداد والتصدي للارهاب الذي يضرب بين آومنة واخرى الارض المصرية وخاصة في سيناء.

لقد تميز رد الفعل الخليجي بصفة عامة بدرجة من الرجاحة والحكمة في مقابل قصة التسريبات ومهما زادت فليس من المحتمل انها ستؤثر سلبا على العلاقات الخليجية المصرية في المستقبل المنظور وهو ما يوجب على الفضائيات الاخوانية ان تبحث عن اداة اخرى غير هذه التسريبات التي لم تجد نفعا لكنها وفي نفس الوقت لا شك انها لفتت انظار الجهات السيادية المصرية العليا الى وجود اختراق ما اما في نظم الاتصالات او اختراق بواسطة الاشخاص وهو ما يوجب التحسب له ومنحه اقصى درجات الاهتمام والحذر لئلا يتكرر بطريقة ما في مرات اخرى.