ما تيسَّر من سيرة القطاع العام!

بقلم: جواد البشيتي

عندما نتحدَّث عن الرأسمالية، أو عن الاقتصاد الرأسمالي، يتَّجِه تفكيرنا، عادةً، إلى "القطاع الخاص"، بصوره وأشكاله المختلفة، وكأنَّ النظام الرأسمالي (في الاقتصاد) يَعْدِل ويساوي "القطاع الخاص"، وكأنَّ "القطاع العام"، أو المنشآت والمؤسسات الاقتصادية التي تملكها وتديرها "الدولة"، ينتمي إلى جنس (اقتصادي واجتماعي) آخر، أو لا يمت بصلة إلى هذا النظام.

وليس من تعليل أو تفسير وجيه، على ما أحسب، لهذا الفهم الجزئي، أو الأحادي الجانب، للرأسمالية سوى شيوع ورسوخ المفهوم اللا طبقي لـ "الدولة"، فهذا الكائن (الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأمني..) المسمَّى "الدولة" يُفْهَم، بفضل الثقافة السائدة في المجتمعات الرأسمالية، ومنها مجتمعاتنا العربية، على أنَّه كائن "فوق الطبقات"، لا ينحاز إلى طبقة ضدَّ أخرى، يمثِّل المجتمع (أو الشعب بأسره) والمصالح العامة؛ فإذا امتلك شيئاً، في الاقتصاد وغيره، فإنَّه لا يمتلكه إلاَّ بصفة كونه الممثِّل الأعلى والأسمى للأمَّة، وخدمةً للمصلحة العامة.

وما زاد الطين بلة أنَّ أنظمة حكم كثيرة (وفي العالم الثالث، ومنه عالمنا العربي، على وجه الخصوص) قد توفَّرت، عبر إيديولوجييها، على تصوير "القطاع العام"، أو ممتلكات الدولة في الصناعة والتجارة والزراعة والمصارف والمواصلات..، على أنَّه نظام اقتصادي "لا رأسمالي"، أو "اشتراكي"، أي أنَّ ملكيته تعود إلى الشعب بأسره (من خلال الدولة التي "تمثِّل الشعب بأسره") وكذلك ثماره الطيِّبة.

إنَّ الوظيفة الاقتصادية (أو النشاط الاقتصادي) للدولة (الحديثة) هي في الأصل، والأساس، وفي المقام الأوَّل، وظيفة طبقية رأسمالية، تؤدِّيها الدولة لأسباب اقتصادية موضوعية، فـ "القطاع الخاص" يحتاج إلى بنية تحتية اقتصادية (شبكة طرق، وشبكة كهرباء، وموانئ، ومطارات، وسدود، وغيرها من المنشآت) يُموَّل إنشاؤها وتطويرها من الضرائب التي تجبيها الدولة من مواطنيها، وليس للاستثمار فيها من الأرباح (حجوماً ومعدَّلات) ما يغري "القطاع الخاص" بشملها بنفوذه، على افتراض أنَّه يملك من رؤوس الأموال ما يكفي لـ "خصخصة" ممتلكات الدولة، أو منشآت البنى التحتية الأساسية.

وهذا ليس كل الحقيقة الطبقية (الرأسمالية) لـ "الدولة"، فإنَّ "المال العام"، المتأتي من جباية الضرائب، و"القطاع العام"، وكل ما تتمتَّع به الدولة من سلطان اقتصادي، وغير اقتصادي، يُسخَّر لرأسماليين أفراد (من رعايا الدولة أو من الأجانب) فيَغْتنون أكثر، ويُغْنون الموظَّفين الحكوميين، وكبارهم على وجه الخصوص؛ ويُسخَّر على الشعب، فيُقتطع مزيدٌ من قوته اليومي على هيئة أرباح فاحشة للتُّجار والرأسماليين الذين بسطوا هيمنتهم الشخصية والعائلية على سلطة الدولة.

قبل "العولمة"، لم تكن الرأسمالية في بلادنا تملك من النفوذ الاقتصادي ما يُلْزِمها الدفاع عن مصالحها سياسياً من خلال إحكام قبضتها على الدولة ومؤسساتها، وعلى المؤسَّسة العسكرية والأمنية على وجه الخصوص، فتهيَّأت الفرصة (التاريخية) لمثقفين قوميين لبسط نفوذهم على القوَّة المنظَّمة في المجتمع، وهي الجيش، فحكموا، من خلال الانقلابات العسكرية، وأحكموا قبضتهم على الدولة، ومن خلالها على المجتمع، واتَّخذوا مِمَّا سمِّي "التأميم"، أو "التأميم الاشتراكي"، أداة لاكتساب نفوذ اقتصادي، فغدا "القطاع العام" القوَّة المهيمنة اقتصادياً.

وفي رحم "القطاع العام"، وبفضل الامتيازات والسلطات البيروقراطية التي تمتَّع بها المدراء وأصحاب المناصب العامَّة الكبيرة، نشأت ونمت فئة جديدة من الأثرياء الذين هرَّبوا جزءاً كبيراً من ثرواتهم الطائلة المتأتية من نهبهم المال العام إلى الخارج، فلمَّا دنت ساعة المخاض رأيناهم وقد شرعوا يتحوَّلون من "لصوص" إلى مستثمرين في "القطاع الخاص"، وكأنْ ليس لـ "القطاع العام" من عمل (تاريخي) يؤدِّيه إلاَّ خدمة مصالح الرأسماليين في "القطاع الخاص"، أو تفريخ رأسماليين جُدُداً.

في هذا الطور من حياة "القطاع العام"، والذي عرفته بلادنا قبل "العولمة"، رأيْنا هذا القطاع، الذي لا رقيب عليه ولا حسيب، مسرحاً لأعمال نهب للمال العام، ورحماً تنشأ فيه وتنمو فئة جديدة من الرأسماليين، الذين نَمَت سرقاتهم حتى نمَّت لديهم مصلحة في اتِّخاذ "القطاع الخاص" مغسلة كبرى يغسلون بها (ويبيِّضون) أموالهم الحرام.

أمَّا الآن، حيث "العولمة" تُلوِّن الاقتصاد (وكل شيء) بلونها، فبدأ طور جديد من حياة "القطاع العام"، هو طور "الخصخصة".

وفي هذا الطور الجديد، نرى "الدولة" وقد تحوَّلت إلى هيئة لإدارة وحماية مصالح فئة ضئيلة من رجال الأعمال، وبعضهم من رجال الأعمال الأجانب، وإلى اتِّحاد في المصالح بين رجال الأعمال ورجال الدولة حتى غدا تمييز رجل الأعمال من رجل الدولة من الصعوبة والاستعصاء بمكان.

ونرى "الوظيفة الاقتصادية الجديدة" لـ "الدولة" هي السهر على تخريب "القطاع العام"، توصُّلاً إلى "خصخصته"، أي إلى بيعه لـ "القطاع الخاص"، ولمستثمرين أجانب.

و"الدولة" تؤدِّي هذه الوظيفة على خير وجه إذا ما نجحت (بوسائل شتَّى) في إظهار مؤسَّسة ما من مؤسَّسات "القطاع العام" على أنَّها فاشلة، عاجزة، مفلسة، ينخرها الفساد؛ ولا علاج لمرضها العضال، بالتالي، إلاَّ بيعها، ولو بثمن بخس، لمستثمرين من "القطاع الخاص"، فإذا بيعت لهم دبَّت فيها الحياة، وغدت، بفضل المشتري، ناجحةً رابحةً يُضْرَب بها المثل في "عبقرية" الأداء الاقتصادي.

"الممثِّل العام"، أي "الدولة"، يتوفَّر الآن على "خصخصة" كل ما هو "عام"، أي كل ما هو من الوجهة القانونية والحقوقية ملك للشعب أو الأمَّة؛ أمَّا هذا "النهب الخاص" لـ "المال العام"، والمسمَّى "الخصخصة"، فيُصوَّر على أنَّه جزء من الجهد الحكومي المبذول لخفض العجز في الموازنة العامة، أو لخفض الدَّيْن العام، أو لإحلال "الخصخصة النافعة" محل "العمعمة الضارة".

لقد استأثرت شركة من رجال الأعمال ورجال الدولة بحصَّة الأسد من الثروة والسلطة في المجتمع، فأصبح الفساد نمط عيش للدول. جواد البشيتي