ما تهدمه السياسة يؤسسه الفن

هناك عقدة سلبية كويتية اسمها العراق. قبلها كان العراق دائما عقدة إيجابية كويتية.

حسين جاسم المغني الكويتي الذي غادرنا قبل أيام ينتمي إلى زمن العقدة الإيجابية.

"أيا غالي يا بو الموقة" وهي أشهر أغانيه تنسبه إلى جيل ما بعد ناظم الغزالي، وكان قريبا من فؤاد سالم الذي يكاد هو الآخر أن يكون كويتيا لولا أنه من البصرة.

سليل الاغنية الكويتية من عوض دوخي إلى غريد الشاطئ يعيدنا بطريقة مجازية إلى الزمن الذي غنى فيه عبدالحليم حافظ "يا هلي". وهو زمن القومية العربية العابر للهجات.

يأخذنا حسين جاسم بأدائه الهادئ والمطمئن والمنساب إلى مكان هو ليس جزءا من تأريخنا الراهن، كما لو أنه حكاية منفصلة عن المصابيح السحرية والجنيات.

كنا سعداء يومها. لن يصدق أحد أننا كنا سعداء يوما ما.

لقد عبر عبدالحليم حافظ عن سعادته بلقاء أهله في الكويت فغنى "يا هلي". كان هناك في الكويت ناصريون ينافسونه في حب الرئيس المصري.

لم تدعم دولة عربية منظمة التحرير الفلسطينية في سنواتها الأولى مثلما فعلت الكويت. حدث ذلك فيما كانت الكويت نفسها حديثة الاستقلال.

كان جيل حسين جاسم فلسطينيا أكثر مما توقع الفلسطينيون.

ولكن الكويت ليست كلها سياسة. كانت هناك انفجارات فنية مفاجئة دائما. لقد بدا واضحا أن هناك أغنية كويتية صارت تفرض نفسها باعتبارها ظاهرة منفصلة عن الغناء العربي. كان الكويتيون روادا في ما صار يُسمى في ما بعد بالأغنية الخليجية. كان حسين جاسم واحدا من بناة ذلك المشهد.

غير أن كويت ما بعد الغزو لم يكن في إمكانها أن تستعيد نفسها.

لقد ضربها الزلزال فتغير كل شيء فيها وانعكس ذلك سلبا على موقعها الثقافي الريادي.

علينا أن نصدق أن الصدمة الذي نتجت عن الغزو قد ضربت الجذور. لذلك لم تجد الكويت مخرجا يجنبها الانكفاء على الذات.

لقد ذهبت كل منجزات الكويت الثقافية إلى ماض، صارت استعادته نوعا من محاولة إعادة انتاج حلم مغدور.

موت حسين جاسم جعلني أفكر في أن ما يفعله الفنانون حين يموتون لا يختلف عما كانوا يفعلونه وهم أحياء. إنهم يصنعون السعادة. يعيدون انتاج حلم جماعي لم تمتد إليه أصابع الغدر. ذلك الحلم يقيم في كوكب بعيد لن تصل إليه الأنفاس الخبيثة.

يموت المغني فيملأ صوته الهواء بأغانيه. يدعوك المغني إلى أن تردد أغانيه السعيدة في جنازته.

ما لا يفهمه السياسيون يؤسس له الفنانون وهو ما يبقى.

لذلك كان الهراء الذي نطقت به نائبة كويتية تعبيرا عن كراهيتها للهجة العراقية اعتراضا منها على دعوة كاظم الساهر للغناء في الكويت تجسيدا لجهل صبياني بحقائق التاريخ.

غالبا ما يورط السياسيون أنفسهم في متاهات شعبوية مؤقتة بحثا عما يهب أصواتهم معنى من غير أن ينتبهوا إلى رائحة الكراهية التي تفوح من ذلك المعنى ومن أصواتهم.

كان صاحب "توني عرفتك زين" من الصامتين الكبار الذين نذروا أنفسهم للحب وحده. وهو ما فعله جيل من المبدعين الكويتيين الذين كانوا يمنون النفس في إقامة تجربة ديمقراطية في بلدهم الصغير.

ولأن الكويت تغيرت بسبب ظرف تاريخي عصف بها وكان أكبر منها فقد ذهب ذلك الحلم بجيله إلى مناطق صار استرجاعها أشبه بالرثاء.

وكما يبدو فإن تجربة الكويت بكل قسوتها والتي لم يتعلم منها أحد تطل برأسها كلما اختفت لمسة حنان من لمسات ذلك البلد الذي أغنى العاطفة العربية ببوح عميق في صدقه.

مَن ينصت إلى صوت حسين جاسم في مناسبة وداعه سيشعر بالألم لا لغياب صاحب ذلك الصوت فقد غاب الرجل منذ سنوات طويلة، بل لصعود لغة الكراهية التي تسعى إلى إزاحة لغة الحب التي تألق من خلالها حسين جاسم وجيله من الكويتيين الانقياء عربيا.