ما بعد إعلان وزارة العدل الأميركية عن نيتها تجنيد 11 مليون أميركي كمخبرين؟

بقلم: أسامة أبو ارشيد

مرة أخرى تعود قضية الحريات المدنية والدستورية للجالية الأميركية العربية والمسلمة إلى الواجهة..وحقيقة أنها لم تغب أصلا عن الواجهة منذ سنوات تسبق الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر العام الماضي.
وكي نكون واقعيين فإن الخطة الجديدة التي أعلنتها وزارة العدل الأميركية على موقعها على الإنترنت تحت مسمى "تيبس"-وهي اختصار لعبارة "نظام تقديم المعلومات ومنع الإرهاب" والهادفة إلى تحويل تدريجي لنحو 11 مليون أميركي إلى مخبرين وجواسيس داخليين، يبلغون فورا عن أي شئ يريبهم بواسطة رقم هاتفي مجاني-ستكون الجالية العربية والمسلة الأميركية أولى ضحاياها. فهذه الخطة تقضي بتجنيد سائقي الشاحنات، وعمال الكهرباء والغاز والبريد وغيرهم كمخبرين للحكومة حيث أنهم الأكثر تماسا مع الناس. وحيث أن أغلبهم لديهم ميزة الدخول إلى المنازل تلقائيا لإصلاح أي عطل طبيعي وروتيني من الممكن أن يحدث لأي شخص فينا، فإنهم حسب وزارة العدل سيكونون الأكثر قدرة على التبليغ عن أي شيء يعتبرونه مريبا.
المشكلة في هذا القانون الجديد، ليس أنه فقط يحوّل "دولة حماية الديمقراطية" عالميا، فضلا عن حمايتها داخليا، إلى دولة من المخبرين كما كانت ألمانيا الشرقية أو الدول السوفييتية الاشتراكية البائدة، أو دولنا العربية العتيدة، التي تنتقدها الولايات المتحدة صباح مساء.. بل إن آثارها تذهب أبعد من ذلك، حيث أن العرب والمسلمين الأميركيين محل استهداف واضح بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر المأساوية، بحيث يصبح من المشروع الاعتقاد أن المستهدف الرئيسي من مثل هذه التغييرات "البوليسية" ستكون هي هذه الجالية.
وإذا كان عامل الغاز أو الكهرباء أو التدفئة أو البريد الذين هم أصلا غير مدربين على العمل التجسسي، فضلا عن أنهم قد يكونون ضحايا الصورة النمطية السلبية التي يبثها الإعلام الأميركي عن الإسلام والمسلمين في هذه المرحلة، سيدخل منزل أي إنسان فينا، فإنه من غير المستبعد في ظل جهل معظمهم بالإسلام أن يعتبر صورة للكعبة أو القدس معلقة على الحائط أو نسخة من القرآن الكريم أو امرأة محجبة أو رجلا يرتدي الثوب العربي أو الهندي أو أنه يصلي أمرا مريبا ومثيرا للشكوك. صحيح أن هذا العامل لن يكون هو الحكم في تحديد ما هو مثير للشك أم لا، ولكن مجرد أن يعيش الإنسان الخوف من كل زائر لا مجال للاستغناء عنه أمر مثير للتحسس، فضلا عن أن أي زيارة من قبل الأجهزة الأمنية بناء على أي شكوك غير ذات قيمة سيكون أمرا مزعجا، خصوصا وأن أغلبنا جاء لهذه البلد طلبا للأمن والأمان والحرية والكرامة الإنسانية التي افتقدها كثير منا في بلاده.
صحيح أن وزارة العدل الأميركية أعلنت تراجعها عن مراقبة المنازل والأماكن الخاصة، مؤكدة أن هذه الخطة ستشمل فقط الأماكن العامة، وذلك بعد انتقادات حادة من جمعية الدفاع عن الحقوق المدنية الأميركية، لكن المشكلة تبقى في تعريف وزارة العدل الأميركية للأماكن العامة، فضلا عن أن الخطة تنص على تعيين خط مجاني يمكن الاتصال عليه وترك المعلومات التي يعتبرها صاحبها محل شك، ومن ثمّ فإن أي عامل يدخل منزل أي شخص فينا تبقى له المقدرة على التبليغ على ما اعتبره مثيرا للشكوك في أحد المنازل التي دخلها.
وعلى الرغم من حجم التحدي الجديد المطروح على جاليتنا الآن، إلا أننا للأسف لم نسمع من مؤسسة واحدة من مؤسساتنا العربية والإسلامية تدين هذه الخطة الجديدة إلى لحظة كتابة هذه السطور (الخميس18-7)، وكأن الأمر لا يعنينا نحن بالذات.
يجب أن نقولها بصراحة: نحن كجالية بحاجة إلى أن نفرز مؤسسة تعنى بالحقوق والحريات المدنية للمسلمين. التحديات المطروحة الآن على الجالية أكبر من أن تحملها مؤسسة واحدة أو مؤسسات عدة. نعم، نحن لدينا مؤسسات تعنى بالحقوق المدنية للمسلمين، وهي تقوم بدور مشكور ومقدر وتستحق الدعم عليه، لكنها لم تستطع إلى الآن مجاراة حجم التحديات المطروحة علينا، والأخطار التي تتهدد حقوقنا المدنية والدستورية. منذ سنوات ونحن نعاني من قانون الأدلة السرية الذي لم يستهدف إلا العرب والمسلمين، منذ سنوات ونحن نعيش حملة إعلامية شرسة علينا وعلى ديننا، ومنذ أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الأليمة ونحن نعيش نمطا جديدا من التشويه، ونحن لا نملك له دفعا..وللأسف أقول أننا لم نحاول أن نقدم له دفعا جديا.
قبل أكثر من شهر أطلق عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي والأجهزة الأمنية وبعض وسائل الإعلام الأميركية حملة تطالب بتشريع الاستهداف (PROFILING) على أسس عرقية ودينية. ولا زال هؤلاء يطالبون بأن يتم علنا استهداف كل من يحمل ملامح شرق أوسطية بالتفتيش والتدقيق في المطارات والأماكن العامة، بل وحتى في المخالفات المرورية البسيطة. أيضا منذ سنوات ونحن نعاني من قانون الأدلة السرية، وبعد أن استبشرنا خيرا بقرب إلغائه فإذا هو يطل علينا من جديد، ولكن هذه المرة بشكل أكثر قساوة، حيث لا حاجة للأدلة اليوم إذا كان المستهدف عربيا أو مسلما. أيضا نشهد كجالية عمليات تشويه لنا ولديننا وقيمنا ومعاييرنا، كما لا زلنا نعاني من سجن المئات من أبناء جاليتنا ولا نستطيع حتى أن نتحصل على حكم واحد لنعرف من هم هؤلاء المحتجزون وعلى أي خلفية تمّ احتجازهم؟. ولحد الآن لا أحد يعرف لماذا تصر الحكومة على الإبقاء على الدكتور مازن النجار في سجونها، والرجل قد تعاون مع الحكومة إلى أقصى حد، وهو يبحث عن بلد يستضيفه مبعدا إليه، ولكنه لم يجده بعد، والحكومة تصر على إبقاءه في السجن حتى يجد البلد الذي يستضيفه، ضاربة عرض الحائط بكل القوانين والتشريعات المعمول بها في مثل هذه الحالات. كذلك لا أحد يعرف سبب الحملة على شخص كالدكتور سامي العريان أو عبد الرحمن العامودي، وما يظهر إلى الآن أن دوافع الحملة عليهما تعود إلى إيمانهما بأن من حقهما التعبير القانوني الذي يضمنه لهما الدستور الأميركي. كل ذلك يحدث وغيره الكثير، ونحن لا زلنا نتحرك على استحياء..بل إن الخوف الحقيقي الآن هو من القادم الأسوأ –لا سمح الله-الذي تتولد إرهاصاته كل يوم.
باختصار نحن بحاجة إلى مؤسسة تعنى بالحريات المدنية والدستورية للجالية الأميركية العربية والمسلمة.. مؤسسة تفرز لها كل الإمكانات التي تحتاجها سواء المادية أم البشرية، ويعمل بها محامون متخصصون ومتخصصو علاقات عامة..مؤسسة تعمل إلى جانب شقيقاتها من مؤسساتنا الأخرى القائمة التي تعمل بجهد وفاعلية كبيرة في مثل هذا الحقل، ولكنها محاصرة بكثرة الأعباء وتشعباتها..مؤسسة لا تنشغل إلا بهذه الحقوق والحريات، وتنسق مع مؤسساتنا الأخرى والمؤسسات الأميركية العاملة لذات الهدف. أسامة أبو ارشيد-رئيس تحرير صحيفة الزيتونة-واشنطن alzaitonah@aol.com