ما المطلوب من العراقيين اليوم..؟

بقلم: د. فهمي الفهداوي

لقد ثبت بما لا يقبل الجدال بأنَّ الساحة العراقية، كانت بحق مقبرة متواصلة للاحتلال الأميركي، بفعل ضربات المقاومة الباسلة، التي ضيقت الأنفاس على الغزاة، طيلة أربعة أعوام متواصلة، وجعلتهم مكبوسين في ملاجئهم ووراء متاريسهم ومصداتهم الحديدية والكونكريتية، وإذا ما خرجوا منها إلى الشوارع والأحياء، مروا سريعا ليس كما يمر الكرام، ليعودوا إلى مخابئهم، وثمة هستيريا وجراح وموت، لا يُمكن محوها من النفوس والذاكرة العدوانية، ولا من المذكرات اليومية للجنود الخائفين، مهما طال الزمن وتزوّرت الحقيقة بخصوص معادلات الشجن الأثيم.
فمن أي وجه، وحيثما حاول المحتلون التغطية على خسائرهم المادية والبشرية والمعنوية، فإنَّ الحقيقة لا يُمكن أن تكون بعيدة، عن ملامسة المواقف المترنّحة بخصوص الخانق المظلم، الذي حشرت فيه الإدارة الأميركية جنودها، فصارت تجني ثمار ذلك، توابيت وأمراضا وإعاقات ومظاهرات شعبية وجماهيرية من شتى بقاع العالم، تطالبها بالخروج من العراق، وسحب قواتها العسكرية، إنقاذا لماء الوجه من هزيمة متوقعة ستلحق بها، إنْ عاجلا أو آجلا.
وهذا حتما سيتحقق، ما إنْ يتم التوحيد المرتقب لجميع فصائل الجهد المقاوم، تحت مباركة كلّ أبناء المجتمع العراقي وعشائره الأمينة، التي تعي جيداً بأنَّ واجبها التاريخي ديناً وأمةً ووطناً وجماعةً وأفراداً، يحتّم عليها الوحدة دون الفرقة والتصادم، كما يحتّم عليها التلاحم والتداعم بين الجميع، في تحمٌّل أعباء المحنة والمسئولية الصادقة، وتكثيف الجهود من أجل التخلص من الاحتلال وتحرير البلاد من الغاصبين.
لم تحي الشعوب كما ينبغي أن تحيا، إلاّ من خلال إصرارها على صيانة اللحمة الجامعة، التي تجعلها في الكفاح وحيازة النصر المؤكد، كالجسد الواحد أمام أعدائها المهزومين وظالميها المخذولين، كما لم تقم الأوطان بنهضتها كما ينبغي أن تقوم، إلاّ من خلال كفاح أبنائها المتوحدين في الذود عن حرماتها وممتلكاتها والتضحية في سبيل صيانتها بكل نفيس وعزيز، واسترجاع حقّها المغتصب، عندما تتعرض حماها للعدوان والظلم ونوازع الشر، التي تُنذّر بالفجائع والسواد.
وهنا لا بُدَّ لأفعال أبنائها أن تكون بيض الوقائع في لجم الأعادي والغزاة، وأن لا يتم التذرع عن الواجب بعذر مندوب أخف، خاصة والمحتلون اليوم يحاولون زرع بذور الشقاق والنفاق والتقسيم بين العراقيين، عندما سعوا إلى تحويل المجتمع العراقي، بجميع فصائله المقاومة وأبنائه وعشائره، إلى أخوة أعداء يضرب بعضهم أبشار بعض، وينبذ فريق منهم فريقا آخر، ودفع الجميع إلى أتون الفرقة والتباعد، وإلى التقاتل وسفك الدماء فيما بينهم، فغامت الرؤية عند بعض وتبعثر الإصرار عند بعض، وتنصل بعض عن الدرب الصحيح، وآخرون تراجعوا بعد أن ساورت قلوبهم الهواجس الملعونة والشكوك الهزيلة، إنطلاقا من أفكار هزيلة وأحلام مريضة، راودت النفوس ذات العقلية الانتهازية والنوايا الانفصالية والتقسيمية، بحيث بتنا نسمع عن مشاريع إنشطارية وصاروخية سوداء مثل:
- مشروع إقليم الوسط والجنوب.
- مشروع فيدرالية الأنبار وترسيم الحدود مع كربلاء والجنوب العراقي الغربي. أو مشروع إقليم المنطقة الغربية
- مشروع إقليم كردستان الشائك.
- مشاريع أخرى متعددة على الطريق للتركمان وربما للأشوريين واليزيديين والصابئة في المستقبل.
ومن يدري؟ فمشهد سقوط الجمل يثير عقيرة كل السكاكين نحو اجتزاء نصيبها المفتعل، بطريقة عشوائية من جسد العراق الحميم، إلى الحدَّ الذي سيصل إلى المطالبة بفيدرالية الأسماء والعشائر والقبائل والشيوخ، وربما فيدرالية للنساء والشباب والعوانس ودواليك من فدراليات حسب الطلب الجاهز، ما لم ينتبه الجميع بأنَّهم في سفينة واحدة مهددة بالغرق ويواجهون مصيرا واحدا، يقتضي التآزر والتآخي، والترفع على منغصات الجراح البينية، من أجل هدف أوسع يتعلق ببلوغ شواطىء الأمان، لعراق يضم الجميع دون محتل لئيم ودخيل سقيم؟
لقد غدا العراقيون في عراق اليوم بفعل خبائث الاحتلال، غيوما متناثرة لا يُرتجى منها مطر ولا قطر ولا كلأ، يتناوشون أيامهم في حروب هامشية، راهن عليها الغزاة، فأدخلهم ذلك في جولة هذا التناحر المؤلم الحارق، وذاك التباغض المستديم الذي ترفع فيه السكاكين، بين الأخ وأخيه، والصاحب والخليل، والعزيز والكريم، والبادي والحاضر، والرائح والغادي، وهم الأحباب المظلومون بالاحتلال جميعهم، وممَّن يقولون حسبي الله ونعم الوكيل في السراء والضراء.
ها هي النبتة الخبيثة قد انكشفت للعيان، تلك النبتة الغريبة التي أُريدَ لها تسميم قلوب العراقيين بالبغضاء والعداوة إزاء بعضهم البعض، واتضح للناس كافة مدى اللعبة الشيطانية، التي وضعها المحتلون، لأجل تدميرهم وتبديد شملهم وإذلالهم، بعولمة الفساد والسرقة، وديموقراطية الدماء، وحرية الموت، وفضائح أبي غريب، وإقامة الشرخ الأوسخ البليد، بين ظهرانينا ومساجدنا وحرماتنا وبيوتنا، ومضائف محبّتنا وأخوّتنا ومصاهراتنا.
فلم يعُدْ أمرها ينطلي بعد اليوم عند أهل العقل والرأي من أبناء العراق والعروبة والإسلام، في الداخل والخارج، إذْ غدت اليوم الحقيقة أوضح من أي وقت مضى: وهي أنَّ الاحتلال جاء لغرض تحقيق مشروع: فرّق تسُدْ، بما يضمن تركيع المنطقة برمتها، وتقويض دينها ودنياها وتبديد لحمتها ومصادر قوتها وسرقة ثرواتها، والعمل على إشعال الفتنة بين أبنائها، وتأمين متطلبات الأمن الإستراتيجي لإسرائيل، والتحكم بالمصير المرسوم، لما ستكون عليه الشعوب العربية والإسلامية في المستقبل، بوصفها جزءا لا ينفك من التبعية والانكسار والتشظّى
إنَّ استحضار فعل المؤاخاة ودرسها النبوي العظيم، ليس ببعيد عن أهلنا وعزوتنا، ولا عن شيوخ عشائرنا الأوفياء، حماة الدار والذمار، في أن يكونوا صمام أمان يحمي دعاة الحق والعدل، ويجلّ من ساروا على درب الشهادة، ويكونوا الدثار النظيف الذي يسور أبناء الخير في جهدهم وعنائهم، وهم يسارعون إلى العمل الصالح في مقارعة الاحتلال، وتدمير نواياه المشؤومة وفخاخة المنصوبة لاستعبادنا والتسلط على أعمارنا وطريقنا.
فالجميع مطالبون بالوحدة والمؤاخاة، لكي يقفوا صفا واحدا كالبنيان المرصوص، صارخين بوجه إدارة أميركا وجنودها، لكي تغادر أرض العراق وسمائه ومياهه ونخيله وجباله، يقولها لهم شيخ العشيرة النبيل، وعالم الدين الشريف، ومعلم المدرسة الوفي، وأستاذ الجامعة المبجل، وكافة فصائل الناس عن بكرة أبيهم.

د. فهمي الفهداوي مدير مركز الحكم الصالح للدراسات الإستراتيجية