ما الذي يُضحك أسنانهم؟

بقلم: زياد العيساوي
وابتسم الجميع

1 ـ المقدمة (نصيحة لكل كاتب موهوب) أنْ تزهد غير أنْ تعجز، وأنْ تعجز غير أنْ تعزف، وإنْ تعزف فهنالك خلل لا بُدّ أنْ يُعرف، وإنْ تعرف فعليك أنْ تكتب، وإنْ تكتب فإياك ثم إياك أنْ تكذب، فأنت مسؤول أمام الله تعالى على هذه (الرسالة) بعد أنْ أودع فيك هذه الموهبة (الكتابة)، ولست آتي بجديد لو نصحتك بألاَّ تغترّ بنفسك، وهذا لا يعني أنْ لا تعتزّ بها. 2 ـ المضمون (حكاية حوار مسموع) بدأ البرنامج على وقع أغنية مُهداة من أسرته إلى المستمعين، هي للفنان العربي الكبير صباح فخري، يستجدي فيها أمه، على لسان حال كُلِّ شابٍ أعزب، مُترنِماً بهذه الكلمات: العزوبية طالت عليا
قومي اخطبيلي يا ماما أحلى صبية ...
ولأنني لا أستطيع أن أكتب لكم لحنها، كما كتبت لكم كلمات مطلعها، فسوف أحاول أن أذكركم به. فهذه الأغنية تعود إلى الموروث العربي السوري، وقد تغنت على لحنها السيدة فيروز، بأغنية "البنت الشلبية" بتوزيع موسيقي يُعدُّ في وقته حديثا على الأغنية العربية، وعلى وجه العموم، من إبداعات الأخوين رحباني (عاصي ومنصور) اللذين طعّماه بلون (التانجو).
وهذه الأغنية اعتبرها من أروع أغنياتها إلى وقتنا الراهن، وستبقى كذلك فيما يأتي من سنين أُخرى، فقد أصبحت من الخالدات.
أقول هذا الرأي، لأني نزَّاعٌ بذائقتي إلى أعمالها معهما، وكذلك مع المُلحِن الراحل فيلمون وهبة، أكثر منها إلى أعمالها مع نجلها الذي يحمل اسماً مثل اسمي، لأنه حتى بعد أنْ قدَّم لنا أغنياتها القديمة، بتوزيعات جديدة منطلقاً من رؤيته الموسيقية التي اعتمد فيها على توظيف موسيقا (الجاز) لم يُضفِ عليها رونقاً جديداً، بل أنه خلع عنها حُلتها القشيبة، وكساها برداءٍ غير ردائها الأول، ذلك أنّ موسيقاها السابقة، سابقة لعصرها ومُتجدِّدة الشباب دائماً، كما أنّ معمار نقشها في ذائقتنا لم تعترِه عوامل التعرية، ولن تُبليه وتمحوه السنون، كما أنّ سلالم حروفها الموسيقية (نوتاتها) ستبقى سليمة ومعافاة، كي نتوسلها للصعود والرُّقي إلى أسمى مراتب الفن.
لذا اهمس في أُذن ابنها زياد الرحباني قائلاً: حسبنا كمستمعين أنْ نرى هذه القامة الغنائية الشامخة، واقفة على ركح المسرح، ومن ورائها فرقتك الموسيقية الضخمة، التي هي بحجم (أوركسترا) عالمية، لتقدَّم لنا أغنياتها كما عهدناها، وبتوزيعاتها الموسيقية الأولى، مسجلةً، وبطريقة (البلاي باك*) فقد غدا ظهورها في الآونة الأخيرة من النادر أنْ يحدث، أن لم يكن نادراً بالمطلق.
ولكم أن تقارنوا بين التوزيع الموسيقي لأغنيات كثيرة لها، وبنسختيها (المعتقة) و(الحديثة) الأولى للأخوين رحباني، والثانية لابنها، لتستشعروا مدى الفرق بينها.
وأعطيكم أوجه المقارنة بين التوزيع في الأغاني التالية الذكر " نسم علينا الهوى" و"البنت الشلبية" التي نحن بصددها الآن وقصيدة "سنرجع يوماً" بل حتى استمعوا فقط إلى هذه الأغنيات في نسخها الأخيرة التي هي من توزيع نجلها، وتذكروا ما كانت عليه قبلاً، لتكتشفوا الفوارق السبعة، ولتتأكدوا من أنّ نسخها الأولى لم تبرح ناشبة في ذائقة كل واحد منّا.
أعود بكم الآن إلى البرنامج، وما دار فيه من حوار، عادت الإذاعية بعد انقضاء الأغنية، لترحب بالمستمعين والمستمعات، قائلة بفرح "مستمعي الأفاضل، مستمعاتي الفُضليات، أهلا بكم من جديد إلى هذه الحلقة الجديدة من هذا البرنامج الذي يُعنى بالقضايا الاجتماعية، ولعلَّكم من خلال النغم المهدى قد توصلتم بأنفسكم إلى معرفة موضوع الحلقة. وكلي أملٌ في أن تقضوا بصحبتنا، وقتاً ممتعاً (تقصد مفيداً)."
ثم مضت مسترسلة "أعزائي، دعوني باسمكم أرحب بضيوفي الكرام الذين تركوا كل ما يشغلهم لأجل أن يؤانسونا، وننهل من فيض علمهم وخبرتهم فيما يتعلَّق بالموضوع، في هذه السويعة المُخصَّصة لنا عبر هذه الفُسحة من الخارطة العامة لبرامج الإذاعة المسموعة، أحبتي، إنه لمن دواعي غبطتي، أنْ يتواجد معي في حُجرة البثِّ، كُلُّ من الأساتذة:
(س): دكتوراه في العلوم الاجتماعية.
(ص): باحث اقتصادي، وله العديد من المؤلفات.
(ع): أستاذ محاضر بكلية الآداب، قسم علم النفس.
أصدقائي، صديقاتي، استهلُّ حوارنا في هذه الأُمسية البهيَّة، بطرح هذا السؤال المُهم على ضيوفي: لماذا يعزف الشباب عن الزواج؟ وسنرجئ الإجابة عنه، إلى ما بعد الانتقال بكم إلى الزملاء بقسم الأخبار، ليقدموا لنا موجزاً لأهم وآخر الأنباء المحلية، فكونوا معنا."
كان من أبرز هذه الأخبار، الإعلانُ عن الاستعداد للقيام بعرس جماعي ترعاه إحدى المؤسسات الاجتماعية، لمساعدة الشباب على الزواج.
الإذاعيَّة بعد أن عاد إليها ناقل الصوت "إخوتي، أخواتي، ها نحن نعود إلى حلقتنا بعد هذه الوقفة الإخبارية، وما يزال معنا الأساتذة، للخوض في غمار الإجابة عن السؤال المُعلَّق قبل الحوصلة التي أعدها لنا الزملاء من قسم الأخبار، والمُتعلِّق بأمر جدّ حسَّاس، ويهمُّ شريحة عريضة في مجتمعنا ألا وهيّ، شريحة الشباب.
بدأ الضيوف بالإدلاء بآرائهم، كُلٌّ بحسب ما يرتأيه، ومجيبين عن سؤال الحلقة، كالتالي:
ـ الأول: بادئ ذي بدء، أودُّ في عُجالة، أنْ أُبارك هذه الخطوة الجبَّارة التي استمعنا إليها ضمن موجز الأنباء، فظاهرة عزوف الشباب عن الزواج، ظاهرة خطيرة، وتستدعي من الجميع وقفةً جادة، للحدِّ من استفحالها، بتوفير كُلِّ متطلبات الحياة الزوجية لهم، كالمسكن مثلاً.
ـ الثاني مُردِفاً: أشاطر أخي الدكتور (الأول) فيما تفضل به، بشأن ما ورد في المُلخَّص الإخباري، فأنا أُقدر عالياً وأُثمَّن غالياً جُهد هذه المؤسسة الاجتماعية الراعية لهذا المحفل الاجتماعي، فيما تزمع القيام به، فبصفتي خبير اقتصادي، فأنا أول من يدرك أهميته، ويرى فيه حلاً جذرياً لما يُعاني منه الشباب، ويقف أمامهم من معوقات للحؤول بينهم وبين رغبتهم في الزواج، فبهذه (الخطوة الجبَّارة) كما وصفها زميلي، سنكون قد أزحنا عن كاهل كل شاب حملاً ثقيلاً، يقف حائلاً دون مسعاه.
ثم عقَّب على كلمة الأول، حينما ذكر من بين متطلبات الزواج التي يجب تلبيتها للشباب، المسكن، قائلاً: ولا تنسى العمل أيضاً.
ـ الأول مُعلِقاً: نعم، نعم، هذا صحيح. وابتسم الجميع بما فيهم الإذاعيَّة.
ـ الثالث: في الحقيقة .......
ـ الإذاعَّية: نعتذر من الأستاذ (ع) فالظاهر أنّ ثمة مستمعاً ينتظر على سماعة الهاتف، كما يشير إليّ الزملاء. فالبرنامج يبثُّ على الهواء مباشرةٌ، كما تعلمون، لتفعيل النقاش حول هذا الأمر، بمشاركة المستمعين.
ـ الثالث: لا بأس.
ـ الإذاعية: من معي على الخطِّ؟
ـ معك المستمع (فلان).
ـ أهلاً بك، هل لديك أيّ استفسار يتعلَّق بالموضوع؟
ـ نعم، ولكن دعيني أولاً، أنْ أُشيد بمجهود أسرة البرنامج، مكتبةً إذاعيةً وإعداداً وتقديماً وتنفيذاً، لاختياركم لهذا الموضوع الحسَّاس، ولا يفوتني أنْ اشكركم على النغم الرائع الذي أهديتموه لنا في بداية الحلقة، ثم اسمحي ليّ أنْ أُرحّب بضيوفك الكرام.
ـ تفضل أخي المستمع وقُل ما لديك، فالبرنامج منكم وإليكم.
ـ حقيقةً، لدي سؤال واحد فقط.
ـ نعم، إلينا بسؤالك، فالوقت صار يداهمنا.
ـ أشكرك، وددت أنْ اسأل الأساتذة: (............... **).
ـ الإذاعيَّة: أوه، يا للأسف، لقد فقدنا الاتصال بالصديق المستمع، لذا سنحيل الكلمة من جديد إلى الأستاذ (ع) لنرى ماذا كان يودُّ أنْ يقول قبل الاتصال.
ـ الثالث مُبتسِماً: تقصدين قبل الانقطاع، فابتسم الجميع، ما عدا أنا، ومضى يقول: ما كنت ابتغي قوله، باعتباري مُختص في علم النفس، هو: إنّ لهذه الظاهرة السيئة (عزوف الشباب عن الزواج) أثراً بالغاً على مجتمعنا، فهي تنذر بتفشي أمراض اجتماعية، يصعب الشفاء منها والوصول بالمجتمع شيباً وشباباً إلى برِّ الأمان، إنْ استشرت فيه، لذا فإنني اتفق مع زميليّ بصدد تمكين الشباب من الزواج، بتحقيق مقتضياته، وأُضيف إلى ما ذكراه، المركوب أيضاً.
ـ الإذاعَّية ومعها الأول والثاني: صحيح، فالمركوب من الثالوث الذي يجب توافره وتوفيره، لأجل تقييض الحياة الزوجية الكريمة للشباب.
ـ الإذاعَّية: اعتذر، لقد أزف الوقت الممنوح لنا في هذه الحلقة، والحقيقة تُقال: إنّ موضوعنا اليوم يستلزم عديد الحلقات، حتى نُفرد له وقتاً كافياً وكفيلاً بتغطية جوانبه كافة (الاجتماعية والاقتصادية والنفسانية).
ـ الإذاعَّية مُختتمةً الحوار: أعزائي، عزيزاتي، لا يسعني في نهاية هذه الحلقة، إلا أنْ أشكر أصالةً عن نفسي ونيابةً عنكم، ضيوفي في هذه الحلقة، مع الوعد باستضافتهم في (الحلقة القادمة ***) لنعطي هذا الموضوع مساحة كبيرة من الاهتمام بالشرح والتحليل، ونترككم فيما تبقى من زمن هذه الحلقة مع (الأغنية الشجية النغم **** ) التي أهديناكم إياها في أولها، وإلى أن نلتقي بكم، دمتم بسلام آمنين. 3 ـ الخاتمة (استنتاجان) (أ) الأغنية قضَّية:
إنه لمن الغباء الفنّي، إن لم يكن من الجهل به، قولبة الغناء وقوقعته داخل صدفة التطريب ومخاطبة أعضاء الجسد به، كي تستجيب له بالرقص، فالغناء ما كان ليكون إلا لوناً إبداعياً يصنَّف مع الأدب الهادف الذي يُخاطب العقل والروح قبل الأعضاء، ليؤدب المتلقي ويهّذب نفسه، ويستقي منه الأخير المضمون مُموسَقاً، وبكيفية مُيسَّرة لا تكلفه عناء القراءة كما في أجناس الأدب المتنوعة المشارب، فبميسور المتلقي مهما كانت حصيلته العلمية وموسوعته الثقافية، أنْ يستسيغ فحواه المُحلّى بالأنغام المُصاحِبة لكلماته.
ومن دون هذه العفويَّة في طريقة طرح هذا اللون الإبداعي المهم في حياة الإنسان، من حيث المضمون الذي عادةً ما يكون حمّال أوجه في الألوان الإبداعية الأخرى، مثل: الشعر والرسم التشكيلي وما نحوهما، ما يجعلها جميعاً تخضع للتأويل بالأخذ والعطاء من المتلقين، فمن دون هذه العفويَّة، ما كان لهذا اللون الإبداعي (الغناء) لأنْ يكون الأقرب إلى ذائقة الإنسان من الفنون الأخرى.
لهذا فإنه من الغباء الإعلامي، أنْ تُوظَف الأغاني في غير مناسباتها المناسبة لها، مثلما حدث في هذا البرنامج الذي يلتف حوله المستمعون، عند تقديمه أغنية الفنان صباح فخري، لكون هذه الأغنية المنسوبة إلى الأدوار القدود الحلبية المعروفة في القطر العربي السوري، والمنتشرة على اتساع رقعة (خارطة) الوطن العربي الكبير، بفعل الأصوات المنتمية إلى هذا القطر العربي، التي استطاعت أنْ تصدرها إلينا بخصوصياتها، وبمجهودات الرواد الناهلين من هذا المعين العذب الأنغام، مثل الراحل سيد درويش، والرحابنة، وفريد الأطرش الذي ركَّز في أواخر أيام حياته وفنِّه على هذا الغناء السهل الانتشار، فأنتج لنا أغنيات كثيرة مثل: "فوق غصنك يالمونة" و"لكتب ع أوراق الشجر".
مثل هذا الغناء، وتأتي على رأسه الأغنية المُهداة في البرنامج، ليس له إلا وجه واحد، لم يتساوق مع النقاش المُحتدَم والحوار المُدار في هذا البرنامج المعني بالقضايا الاجتماعية، إلا إنْ كان اختيارها من باب الاستماع للاستمتاع فحسب، وهذا بيت القصيد، لكون الأغنية تحمل قضَّية، كما استمعت بنفسي إلى كلماتها، وهي قضيَّة اجتماعية لم تُعالج في هذا الحوار كما ينبغي، أو أُسيء طرحها.
(ب) بين عجز وعزوف الشباب عن الزواج:
في الكثير من الأحيان يحدث لغط ملحوظ وملفوظ بين مفهومي العجز والعزوف، وهذا اللغط عائدٌُ إلي الخلط بينهما، فالعزوف عن الشيء، هو الزهد فيه مع وجود القدرة عليه، وإذا ما شخّصنا حال الشباب الآن بالنسبة لموضوع الزواج على أنه عزوفٌ، فهذا من الغباء الاجتماعي والاقتصادي و النفساني، لأننا بهذا سنكون قد حكمنا عليهم ومن حيث لا نقصد، بأنهم غير أسوياء، أو على الأقل، بأنهم مرضى، وهذا ليس بحال شبابنا بكُلِّ تأكيد، فالأمر مُلقىً على جهات الاختصاص التي تملك الإمكانات التي يجب توفيرها للشباب، وليست بعاجزة عن تحقيقها لهم، لكنها ركنت إلى التقاعس، فهي من عزفت، وهم الذين عجزوا عن الزواج.
هذا ما خلصت إليه وقتما كان الضيوف يعدّدون متطلبات الشباب (مبتسمين) والحال هنا، تنفي كون موضوع الحلقة (جدّ حساس) كما صرَّحت الإذاعيَّة، فما الذي أضحك أسنانهم؟
فكأنني بهم لم يتفطنوا إلى أنهم قد كانوا يودّون الحدَّ من استفحال ظاهرة العزوف عن الزواج، آن تعدادهم لها، في حين أنهم بذلك كانوا يعدّدون مسببات ومخرجات القصور المؤدية إلى العجز عنه.
(*) طريقة (البلاي باك): هي أنْ يُحرك المطرب شفتيه وبتناغم مع كلمات الأغنية المُسجَلة.
(**) أموت وفي نفسي شيء من السؤال الذي كان المستمع المتصل ينوي طرحه.
(***) لا أظنني سوف أُتابعها لسبب بسيط، هو أنهم لم يفرقوا حتى بين مفهوم العجز والعزوف.
(****) كان عليها أنْ تقول في وصفها لها: الأغنية المُعبِِّرة عن حال الشباب. زياد العيساوي ـ بنغازي (ليبيا)