ما الذي يعيق رفع الصوت ضد جرائم الاحتلال

بقلم: ناصر السهلي

تثير حالة اللامبالاة الدولية تجاه الحصار المفروض على الملايين من ابناء الشعب الفلسطيني الكثير من علامات الاستفهام والتعجب.
ففي الوقت الذي يستمر فيه الخطاب الاميركي في دورانه حول ضرورة التغيير المطلوب في القيادة الفلسطينية وفي النهج السياسي الفلسطيني فإن هذه الكارثة الانسانية التي تعيشها المدن والقرى الفلسطينية من جميع النواحي الصحية والتعليمية والاقتصادية بفعل سياسة الحصار ومنع التجول اللذين تمارسهما سلطة الاحتلال في مخالفة واضحة لاتفاقيات دولية معروفة للجميع بما فيها معاهدة جنيف لا يبدو أن اميركا تعيرها الكثير من الانتباه الا بما يتوافق مع سياسة بوش وشارون الهادفة الى ايصال الشعب الفلسطيني الى حالة من الرضوخ الكلي لما يمكن ان يعرضاه عليه.
ويبدو من مقدمات الاشارة الباهتة حول الاوضاع الكارثية التي وصلت اليها المدن الفلسطينية و التي اثارها السفير الاميركي لدى تل ابيب بأن الهدف الحقيقي من تلك الاشارة هو حماية الاحتلال من انفجار الوضع برمته وليس للايحاء بأن دولة الاحتلال تمارس سياسة لا مثيل لها على وجه المعمورة وبالتالي يتوجب التوقف عنها.
الادارة الاميركية وحتى الاتحاد الاوربي والدول العربية وكوفي عنان يدركون جميعا بأن حظر التجول المفروض على الملايين من ابناء الشعب الفلسطيني أمر لا يمارس في أي مكان من هذا العالم بكل ما يحمله من حرمان البشر من أبسط حقوق البشر في الطبابة والتعلم والتغذية والعمل، وبالرغم من ذلك فإن هؤلاء جميعا يتعاملون مع الامر بطريقة مثيرة ومريبة وكأن تلك الاطراف جميعا قد اتفقت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على توظيف هذا الحرمان لمزيد الضغط على الشعب الفلسطيني وقواه المقاتلة للتنازل والتراجع عن مشروع الاستقلال.
من المؤسف القول، وباجتهاد شخصي، بأن بعض الاطراف الفلسطينية، نتيجة لمصالحها وقراءاتها الغير سوية لحالة الصمود الكبير التي أظهرها الشعب الفلسطيني، تتقاطع مواقفها مع مواقف تلك الاطراف التي تنشغل في خطة واحدة ممثلة في "إعادة الهدوء" الى الاراضي الفلسطينية بما يعنيه الخضوع الكلي لقراءات شارون ومتطرفي الكيان الصهيوني الذين لا يجدون حرجا في الدعوة علنا لمحو قرى فلسطينية عن الوجود، كما فعل ما يسمى "مجلس المستوطنات" في دعوته لتدمير قرية حارة المية وتهجير أهالي يطا. يتم هذا في القرن الواحد والعشرون وبشهادة كل تلك الاطراف المشغلة في أجندة النتائج وليس المقدمات.
دعونا نفترض بأن قراءتنا تلك غير صائبة، فما هو إذا الذي يقف عائقا أمام رفع الصوت عاليا بوجه هذه الممارسات البشعة لاحتلال لا يعترف ولا يحترم ايا من مواثيق ومعاهدات توافقت عليها البشرية؟ ولماذا يُسمح دائما البحث عن نتائج المقاومة الفلسطينية بدل البحث عن أسبابها.
ألا تساهم تلك النقاشات التي تقبل التفاوض على تخفيف هنا وهناك بالتوازي مع ما يسمونه" هدوء" في جعل مشهد الاذلال والحصار أمرا بسيطا مقارنة مع "عنف" الفلسطينيين.
إن نابلس التي تعيش حالة الكارثة الانسانية الحقيقية تعبر عن الحالة العامة لبقية المدن والقرى، ولا نعتقد بأن شارون وأركان حربه الذين يأمرون بقصف أحياء المدنيين وقتلهم بدم بارد يهتمون كثيرا لما ألت اليه الاوضاع، التي يخلقها الاحتلال عن سابق اصرار في إطار مشروع كبير لعزل المقاومة وجعل الفلسطينيين يصلون الى قناعات النأي بالذات عن هذه المقاومة.
هذه التكتيكات مارسها شارون بنفسه في لبنان، إذ كان يدك القرى والمدن الجنوبية ويضرب البنية التحتية بعد كل عملية للمقاومة بهدف الايحاء للشعب الذي يحتضن المقاومة بأن الثمن لذلك سيكون باهظا. والفرق بين الحالتين اللبنانية والفلسطينية من ناحية التكتيك الصهيوني تمثل في الحالة الرسمية والشعبية اللبنانية التي تماسكت ووقفت في السنوات الاخيرة لعمر الاحتلال مع المقاومة بينما في الساحة الفلسطينية هناك من الانتهازية السياسية لأصحاب المصالح ما يشكل خطرا على صمود هذا الشعب ومقاومته، والامر الاشد خطورة هنا يتمثل في إدعاء هذه الانتهازية لصفة تمثيلية مزورة للتفاوض حول هذه وتلك من مشاريع التهدئة واستغلال الحصار والقمع الصهيوني لتمرير رؤيتها للتهدئة بدل مقاومة وفضح هذه الكارثة التي يسببها الاحتلال.
لقد كان الانفصام دوما بين مشروع المقاومة ومستوى الخطاب السياسي الرسمي نقطة الضعف الكبرى في العمل الوطني الفلسطيني، وفيما يبدو من التركيز الشديد على مشاريع العودة الى طاولة التفاوض الذي يمارسه المستوى السياسي الفلسطيني بأن الثمن بات التخفيف عن هذه المدينة او تلك عوض التركيز على لا شرعية الممارسات الصهيونية وعلى مجمل الاحتلال المسبب لهذه الكوارث الانسانية التي باتت تتهدد الاراضي الفلسطينية المحتلة بما يتطلبه من وضع العالم، وبخطاب ومشروع سياسي وإعلامي واضح المعالم، امام مسؤولياته الاخلاقية والقانونية.
لن نكرر ما قاله غيرنا عن التردي الذي أمعنت السياسة الرسمية الفلسطينية في ممارسته حين تعلق الامر بالحوار الوطني لصياغة استراتيجية سياسية مشتركة تواكب في مستواها حالة الصمود والنضال الوطني فبدا الامر سائرا باتجاه المجهول.. لا بل في اتجاهات الارتهان لاي فتات يلقيه بوش او شارون، لكننا نستغرب هذا الامعان في اللعب على مآسي وتضحيات شعبنا باختراع مشاريع هزيلة وبسقف منخفض جدا بحجة العودة الى الهدوء وطاولة التفاوض لأجل انتخابات مطلوبة أميركيا في ظل الاحتلال.
وبالرغم من أن الأميركان لم يتكرموا علينا بعد ليخبرونا عن نوع الانتخابات التي يريدونها، فهل هي انتخابات بلدية ام تشريعية ام رئاسية وهل من المسموح للشعب الفلسطيني التصويت لمن لا ترضى عنه اميركا؟
والى حين أن تفصح اميركا عن رغباتها الخاصة بنا وبانتخاباتنا يبقى القرار الفلسطيني محصورا في ايد حفنة صغيرة تحدد الاستراتيجية والمخرج دون ان يكون هناك دورا حقيقيا للمؤسسات الوطنية او قوى الشعب المناضلة التي تعيش حالة هذا الحصار في كانتونات مقطعة الاوصال.
لقد عاشت الاراضي الفلسطينية المحتلة في الانتفاضة الاولى حالة شبيهة بما تعيشه الان، وان بمستويات اقل من دموية آلة حرب الاحتلال، واستطاعت عبر قيادة وطنية موحدة ايجاد الكثير من مقومات الصمود والتكافل الوطني لمواجهة مشاريع الاحتلال حتى بدون وجود السلطة ومؤسساتها ويكفي النظر الى مظاهرات عمال غزة لنفهم السلبية التي اتسمت بها السياسة المترددة التي لم تعرف قرارا واضحا في استراتيجية الانتفاضة من عدمها، بالرغم من اتهامات دولة الاحتلال للسلطة بأنها هي التي فجرت الانتفاضة.
لكن الفرق بين الحالة الاولى والثانية، وبقراءة متواضعة، أن الحالة الاولى خلقت آلياتها وادواتها وبرنامجها الوطني المشترك الذي اربك الاحتلال ودفعه الى البحث عن مخارج سياسية كادت تقترب من المطالب الوطنية الفلسطينية لولا اتفاقات اوسلو التي اوهمت الناس بأن الاحتلال في طريقه للزوال، الا ان الحالة الثانية وجد فيها الشعب الفلسطيني نفسه عرضة لمجموعة من الضغوطات ولي الذراع عبر الضغط على السلطة نتيجة التزاماتها التي وقعت عليها.. بالرغم من ان هذه الالتزامات لم تعد في الاصل سارية المفعول في ظل اعادة احتلال الطرف الاخر لكل الاراضي التي اعاد انتشار قواته فيها داخل الضفة الفلسطينية، وهو ما لم تستغله السلطة الفلسطينية او لم تحسن توظيفه للتخلص من الضغوطات المسلطة من خلالها على الشعب الفلسطيني.
لم يكن المعلقين الصهاينة على مجزرة غزة، من سياسيين وموظفين في الوزارات او اعضاء كنيست، يكذبون حين قالوا بأن : ليس هناك مدنيين طالما أن هؤلاء المدنيين يقدمون الحماية " للارهابيين"! فهؤلاء يهدفون لضرب المدنيين الفلسطينيين ضمن استراتيجية ارهاق المجتمع الفلسطيني لينأى بنفسه عن المقاومة، وهو ما ينسحب على كل هذا الحصار وكل هذا الإذلال والارهاب اليومي الممارس بحق القرى والمدن الفلسطينية.
نحن نعرف من تاريخ الشعوب جميعها بأنه ليس هناك من شعب تخلى عن مقاومته او نأى بنفسه عنها، ولكننا نعرف من التجارب التاريخية ايضا بأنه هناك دوما قوى صاحبة نفس قصير تحاول دائما حماية امتيازاتها ولو عن طريق التوافق الغير مباشر مع مشاريع الاحتلال، وهنا تكمن خطورة افتقاد الحالة الفلسطينية لاستراتيجية وطنية موحدة والاكتفاء بالاعتماد على نيات هذا الوسيط الدولي او العربي.
ليست من الشعارات بشيء لو طالب الناس بوجود برنامج سياسي و استراتيجية واحدة تكون قادرة على اخراج الوضع الفلسطيني من حالة الحصار الذي يجد نفسه فيه، اذ ليس من المعقول ان يبقى المجتمع الفلسطيني عرضة لأهواء رؤى مجموعة واحدة تصوغ وتخطط وتقود استراتيجية ليست نابعة من حجم تضحياته.
وليس من المعقول ان يكون المخطط للعودة الى طاولة التفاوض هؤلاء الذين تستدعيهم واشنطن بوساطة عربية مشبوهة. فالسلطة الفلسطينية التي هي جزأ من، وليست كل، الحالة الفلسطينية العامة لا يجب وفق ذلك ان تكون المقياس لمدى قوة او هشاشة الوضع الفلسطيني فهذه السلطة التي دمرها الاحتلال لا يجب ان تبقى الذراع التي يلوي بها البيت الابيض وشارون والوسطاء العرب ارادة الشعب الفلسطيني، وعليه فإذا كان الصمت المريب الذي يغلف مواقف الاطراف الضاغطة على الفلسطينيين اتجاه حالة الحصار والاذلال الممارس على الشعب المقاوم يهدف الى اركاعه واخضاعه فعلى السلطة ان تكون صريحة وواضحة مع شعبها من خلال ايجاد تلك الاستراتيجية الموحدة التي تصوغ مستقبل التحرر الوطني بدل حصر الامر في انقاذ اتفاقات باتت في حكم المنتهي. ناصر السهلي- كاتب فلسطيني مقيم في الدانمارك