ما الذي يحتاجه العراقيون من أدلة؟

لو تبرع من يطلق عليهم اصحاب الخدمة الجهادية المتوزعون داخل العراق وخارجه بخُمسِ ما استلموه من رواتب دسمة بعد العام 2003 من خزينة الدولة العراقية وحتى الان لما اضطر العبادي أن يبتكر فكرة سلم رواتب جديد يستهدف به بالدرجة الاساس الموظف العراقي الصغير، ليبقي ذوو العاهات العقلية، من رجال دجالين ومدعي نضال ولصوص مرفهين متنعمين بما يهطل عليهم من اموال السحت الحرام!

"ايها المجاهدون..اعيدوا لنا خمس ما سرقتموه وخذوا ما تبقى"...هذه الجملة ليست لي بل هي واحدة من عشرات التعليقات ازدحمت بها صفحات الفيس بوك تعليقا وسخرية من سلم الرواتب الجديد الذي اثار لغطا كبيرا في الشارع العراقي، والذي اراد من خلاله السيد العبادي ان يغطي العجز الفاضح الذي اصبحت عليه خزينة الدولة.

سلم الرواتب الجديد لم ولن يجد نفعا لحل هذه المشكلة الكبيرة، ولن يكون هذا الخيار سوى حل ترقيعي مخجل خرجت علينا به حكومة العبادي.

فما معنى ان تلجأ الى تخفيض رواتب الموظفين إذا كان النواب العراقيون والطاقم السياسي يستهلكون ثلث الميزانية العامة؟

لقد اصبح لدينا في الجهاز الحكومي جيش جرار من المتقاعدين السياسيين والبرلمانيين والمناضلين ممن يدعون اصحاب الخدمة الجهادية، كل هؤلاء يتقاضون رواتب تستنزف اي ميزانية كبيرة تقرها الحكومة العراقية، وسيكون لنا موعد دائم بعد كل دورة برلمانية سنضيف فيه الى قائمة المتقاعدين البرلمانيين عشرات الاسماء الجديدة، وهكذا سنستمر في الاضافة الى ان يأتي يوم ليس ببعيد ستكون الميزانية العامة بارقامها المليارية بالكاد تكفي لسد رواتب الساسة والبرلمانيين وحماياتهم وخدمهم اضافة الى اصحاب الخدمة الجهادية المتنعمين بالعيش في اوروبا واميركا واستراليا، وهنا ليس مهما في نظر هؤلاء ان يذهب شعب العراق بعيدا جدا في منزلق التهلكة، هذا الشعب الذي يتلظى كل يوم بالمخخات وكل اشكال الارهاب.

العراقيون على هذا الحال اصبحوا خدما يعملون عند الساسة والنواب وابنائهم وحشمهم وحماياتهم من اجل ان يعيشوا حياة لا ينافسهم فيها سوى السلاطين.

لا بد أن يكون أخرق من يراهن على حزب يحمل هوية ايدلوجية طائفية -مثلما هو حزب الدعوة- في ان يبني وطنا آمنا تحكمه قيم العدالة والعيش الكريم، بينما الشعب الذي يحكمه عبارة عن خليط من اديان وطوائف وقوميات متنوعة ومختلفة، يعيش اسوأ ظروف العيش لا ينافسه فيها الا شعوب البلدان الفقيرة جدا، تلك التي لا تملك ثروات طبيعبية هائلة ولا طاقات بشرية مبدعة ومفكرة مثلما هو الحال مع شعب العراق.

حزب الدعوة منحاز ومتورط في سياساته وقرارته بالطائفية التي تكرس الانعزال والكراهية والفرقة بين مكونات المجتمع على حساب تدمير قيم المواطنة والانسانية التي دائما ما تكون عامل تقارب ووحدة وتعاون ومشاركة بين الجميع، هذا اضافة الى هاجس اللصوصية الذي يشترك به معظم قادة الحزب وعناصره القيادية ويتضح هذا في الثراء السريع والكبير الذي باتوا عليه خلال فترة وجيزة بعد أن كانوا يتاجرون طيلة فترة مايسمى بنضالهم الجهادي ضد النظام السابق بقيم العفة التي كان عليها آل بيت الرسول محمد.

هذا الوضع يتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية تفاقمه غياب قوى معارضة سياسية تمارس دورها في مراقبة عمل الحكومة وكشف انتهاكاتها وخروقاتها وتلاعبها بالمال العام، وقد استبشر الناس خيرا عندما بدأ الحراك المدني في شباط عام 2011 والذي انطلقت شرارته عبر صفحات الفيس بوك تأثرا بما كان يجري انذاك من تحرك شعبي في مصر وتونس، إلا أن غياب التنظيم والافتقار الى القيادة القادرة على تطوير عمل الحراك، اضافة الى مارتكبته السلطة من اعمال وحشية بحق عدد من رموزه كما هو الحال عندما اغتالت هادي المهدي الذي كان ابرز الاسماء فيه، كل هذا ادى الى تراجع دوره تماما في ان يكون قوة مؤثرة وضاغطة على السلطة.

وعندما عاد الحراك المدني مرة اخرى الى واجهة المشهد الاحتجاجي في نهاية تموز/يوليو 2015 لم يستطع ايضا ان يتبلور الى حراك فاعل ومؤثر رغم اتساع حركته التي امتدت الى معظم مدن الوسط وجنوب العراق، وهذا يعود ايضا الى عامل رئيس يتمحور بالعناصر التي تقود هذا الحراك وهي نفس العناصر التي كانت في عام 2011.

فالملاحظ عليها انها في السياق العام لا تتقاطع مع نهج النظام القائم خاصة وانها لم يصدر عنها اية ردود افعال واضحة ازاء ماترتكبه الميليشيات والاجهزة الامنية الحكومية من تجاوزات وانتهاكات طائفية ضد ابناءالمدن العربية السنية، وإنْ كان قد صدر عنهم رد فعل رافض هنا او هناك فعادة مايكون خجولا حتى لكأنه يبدو جزءاً من تمثيلية متفق عليه مع عناصر كبيرة متحكمة في النظام القائم، وإلا مامعنى ان يلتقي مايدعى بقادة الحراك في نهاية شهر اكتوبر 2015 برئيس الوزراء حيدر العبادي وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي هو الآخر يمثل جزءا اساسيا من الحكومة ومن التحالف الوطني الشيعي الذي يمسك بيده عصا السلطة؟

فهل يمكن ان يتم التغيير بنفس ادواة السلطة؟

وهل يمكن المراهنة على قوة سياسية دينية ـ كما هي الحال مع التيار الصدري ــ دائما كانت تمثل وتشكل العصا السحرية التي يتم الارتكاز عليها من قبل التحالف الوطني الشيعي في تشكيل اية حكومة؟

على هذا الاساس يتوجب على جماهير الحراك المدني فيما لو ارادت أن يصبح الحراك قوة شعبية تملك قدرة ضاغطة على عمل الحكومة ان تتحرك لازاحة قيادته واستبدالها بعناصر جديدة، قبل ان يتحول الحراك الى خداع مدني، هذا فيما لو آمنّا بأمكانية قيام حراك مدني في العراق بعد ان اجتاح طوفان الطائفية ـ قبل طوفان البلاد بسبب الامطار ـ جميع القوى السياسية المشاركة وغير المشاركة في الحكم، الدينية منها وغير الدينية.

ويكفي هنا بهذا السياق مراهنة قوى اليسار والليبرالية والشيوعية، على قوى دينية (التيار الصدري) بإمكانية مشاركتها في التغيير والاصلاح رغم ماعليها من شبهات وادانات بالفساد والتورط في الاقتتال الطائفي طيلة الاعوام الماضية، هذا اضافة الى قصور رؤيتهم التي تجعلهم يعتقدون بجدوى الجلوس مع العبادي رغم ممارسته كل اساليب الخداع لتفريغ دعوات المطالبة بالاصلاح من محتواها.

فماالذي يحتاجه العراقيون من ادلة بعد هذا لكي يدركوا في اي مأزق قد وضعوا مستقبل وطنهم؟

كل هذه الملاحظات تكفي لنزع الثقة عن قيادة الحراك وازاحتها عن الواجهة تماماً، ولتكن خطوته الجوهرية البدء بمحاربة فساد قادته قبل محاربة فساد الحكومة.