ما الذي يجمع بين الفورمولا واحد وسباقات الهجن؟

القاهرة - من محمد نبيل نعيم
رياضة لها مهووسوها

تلعب الرياضة منذ زمن بعيد دورا بارزا في الدورة الاقتصادية لمجتمعات عدة والامثلة على ذلك كثيرة خصوصا بعدما بات الاحتراف وتهافت شركات الاعلانات الكبرى على رعاية أحداثها من بين أهم سماتها.
لكن ما هي العلاقة بين فيراري ومرسيدس وبي ام دبليو وهوندا من جهة.. والزمول والجذاع والجذاع بيكار والثنايا والثنايا بيكار والسودانيات من جهة اخرى؟
وما هو الرابط الذي يجمع بين آل شوماخر وهاكينن وباريكيللو وفيلنوف وكولثارد وباتون وبين المركبية؟
الاجابة عن السؤال الاول تؤكد أن العلاقة وطيدة جدا لان كلا منهم يتنافس على إحراز لقب مهم من ألقاب رياضة السباقات حتى لو اختلفت أنواعها .. والاجابة عن الثاني توضح أن جميعهم يقود وسيلة تجري من أج ل تحقيق الانتصارات وإن اختلف الزمان والمكان والوسيلة ذاتها. لكن الاكيد أن ما يجمع بين كل هؤلاء هي ملايين الدولارات التي ت نفق ببذخ ما بين سباقات الهجن والسيارات.
وإذا كانت سباقات السيارات بمختلف أنواعها تجذب ملايين المشاهدين لمتابعتها كل عام وتصب في فعالياتها ملايين الدولارات فان س باقات الهجن باتت هي الاخرى محط الانظار إن على الصعيد الجماهيري أو الدعائي.
ففي إطار حرص العرب الدائم على إحياء تراث الاجداد والحفاظ علي التقاليد العربية العريقة والاصيلة تولي الدول العربية عموما والخليجية خصوصا اهتماما بالغا وملموسا برياضة سباقات الهجن لأنها تحمل في طياتها تراث الاباء والاجداد.
ولذا فأن هذه الرياضة تحظى حاليا برعاية كبيرة وإهتمام خاص من قبل كبار المسئولين والقائمين على الاجهزة الرياضية المعنية من الناحيتين المالية والمعنوية. ومع هذا الاهتمام اكتسبت سباقات الهجن رونقا خاصا جعلها تضيف إلى رصيدها التاريخي المزيد من الشعبية والعشق فشقت طريقه ا مهددة مباريات كرة القدم ومنافسات الراليات وهما أكثر الرياضات شعبية في منطقة الخليج.
ولم يعد غريبا أبدا أن تجد الجماهير تتسابق من أجل الوصول إلى منطقة إقامة ال سباقات لتستمع بأحداثها. ولعل أبرز مظاهر هذا الاهتمام هو تركيز السلطات الرياضية في مختلف الدول العربية وخصوصا في منطقة الخليج على إنشاء لجان خاصة وأندية متخصصة في هذه الرياضة وهي تقوم بتنظيم المهرجانات وإقامة السباقات التي يحرص على حضورها كبار رجالات الدولة. وكشأن عالم سباقات السيارات لا يخلوا عالم سباقات الهجن من الغ رابة وله أعرافه وتقاليده وحكاياته التي لا تخلوا من طرافة بدءا من شراء الهجن واختيار الانسب منها إلى متابعتها وتدريبها وإعدادها لخوض المنافسات.
وكما تنقسم سباقات السيارات الى أنواع وفئات تتنوع سباقات الهجن ما بين المسافات الطويلة والمتوسطة والقصيرة وقوة التحمل وما بين كبار السن وصغارها.
وكما ان هناك سيارات من طراز فيراري ومرسيدس وبي ام دبليو وهوندا وتويوتا ورينو وغيرها تتنازع المراكز الاولى في عالم فورمولا واحد فان الهجن موزعة أيضا إلى أنواع أشهرها الزمول والجذاع والجذاع بيكار والثنايا والثنايا بيكار والسودانيات وتصل اسعار بعضها الى ملايين الدولارات. ومن ضمن غرائب عالم الهجن أن هناك هجينا لا يتعدى دورها تحفيز زميلاتها المتسابقات إلى الانطلاق وقيادتها إلى السرعة المطلوب ة قبل أن تتركها لتكملة السباق ويطلق على هذا النوع اسم القلايص.
وهناك أيضا الهجن الحلابة وتقتصر مهمتها على إرضاع الهجن ال صغيرة التي ستخصص لخوض السباقات وتزويدها بالحليب الطبيعي لتغذيتها. وتوجد في كل دولة خليجية منطقة خاصة تمثل المعقل الرئيسي للهجن.
وفي المملكة العربية السعودية توجد الجنادرية وفي قطر الشحانية وفي الامارات الوثبة وهكذا.. في حين تشتهر منطقة شمال سيناء في مصر بتنظيم هذه السباقات التي تستقطب عددا كبير من السياح الاوروبيين واليابانيين لمتابعتها إلى جانب العرب.
ولا يزال للهجن وقع خاص عند سكان الصحراء إذ حافظت على مكانتها المميزة عبر العصور في قلوب أبناء الجزيرة العربية تماما مثلما حافظت على تراثها عبر صفحات التاريخ بل إنها راحت إلى أبعد من ذلك الان إذ أصبح اقتناؤها دليلا على الوجاهة والمكانة الاجتماعية العالية لدى الاسر العربية العريقة.
ويكفي أن نعرف أن هناك انواعا منها يصل ثمن الواحدة الى نحو عشرة ملايين دولار لنتأكد من أن هذه الرياضة من بين الرياضات التي تضخ فيها الاموال بلا حساب.
وكما يبرز السؤال المطروح دائما على بساط رياضة السيارات أيهما أهم السيارة أم السائق.. يبرز أيضا في عالم الهجن السؤال ذاته أيهما أهم الناقة أم المركبي؟ ويرى المراقبون والمتابعون للرياضتين أن الاثنين مهمان معا إذ لا يمكن للسائق مهما كانت براعته أن يتفوق من دون سيارة قوية مزودة بأحدث المعدات والاجهزة المتطورة.. ولا يمكن لسيارة بها كل الصفات السابقة ان تحقق الانتصارات بلا سائق متميز. وينطبق الامر ذاته على رياضة الهجن.
وعادة ما تبدأ رحلة تدريب الهجن وإعدادها للسباقات منذ شرائها حديثة الولادة إذ يقوم المولعون بهذه الرياضة بشرائها من السودان و مصر وبمجرد وصولها الى منطقة الخليج يعهدون بها الى مدربين إختصاصيين يقومون بتدريبها لمدة ثلاثة أسابيع لاعدادها مبدئيا ولترغيبها في الجري لانها لا تحبه بطبيعتها.
وفي المرحلة الثانية من الاعداد التي تأتي عادة بعد فترة راحة تكو ن التدريبات ولمدة شهرين أكثر مشقة وتصبح الهجن بعدها مؤهلة ل خوض السباقات للمرة الاولى ولا ينتظر منها نتائج جيدة في سباقاتها الاولى إذ أنها تكتسب الخبرة بالمشاركة في السباقات شأنها في ذلك شأن أي رياضي في اي لعبة اخرى.
وكما تدلل شركات السيارات الاخوان شوماخر ورروبنز باريكيللو وميكا هاكينن وديفيد كولثارد وجنسون باتون وخوان بابلو مونتويا وتاكوياما ساتو وغيرهم من أبطال فورمولا واحد وتغدق عليهم بالاموال يدلل المهتمون برياضة الهجن التراثية هجنهم أيضا ويكون ذلك عبر توفير غذاء خاص جدا ومسيل للعاب يحتوي على التمر والعسل والحليب والدهن إضافة إلى البرسيم ولا شيء غيره.
وأكثر ما يبرز في هذه الرياضة أن أبطالها الى جانب الهجن طبعا هم من الاطفال المدربين جيدا على قيادة الهجن. وعادة ما تتراوح أعمارهم ما بين 9 و11 سنة فقط والسبب في ذلك يرجع إلى أن سرعة الناقة تزيد كلما خف وزن الحمولة ف وق ظهرها ويسمى الواحد منهم المركبي.
ويتم اختيار هؤلاء الصبية بمعرفة "المضمر" وهو اللقب الذي يطلق على المدرب في هذه الرياضة وعادة ما ينتقيهم من بين أولاده أو ابناء المحيطين به.
واللافت أن هؤلاء الاطفال يرتبطون ارتباطا وثيقا بالهجن التي يمتطونها لانهم يقضون وقتا طويلا معها ويقيمون بالقرب منها لمدة شهرين على الاقل قبل بدء موسم السباقات الذي يستمر لمدة ستة اشهر.
وفي قطر استخدمت اللجنة المنظمة لسباقات الهجن أخيرا نوعا من الانسان الآلي (روبوت) بدلا من هؤلاء الاطفال الذين كثيرا ما يتعرضون لاصابات خطيرة أثناء السباقات.
ويبدأ موسم السباقات عادة في تشرين الاول/أكتوبر وينتهي في نيسان/ أبريل من كل عام وتخصص جوائز مالية ضخمة جدا للفائزين تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات الى جانب جوائز عينية قيمة تتمثل غالبا في سيارات من ذوات الدفع الرباعي القادرة على السير في الصحراء ومن أحدث الطرازات وأشهر الماركات العالمية.
وخلال السباق يتابع المضمر الناقة التي يشرف على تدريبها من خلال سيارة تسير إلى جانبها خارج المضمار ويقوم بتوجيه المركبي ويزوده بما يجب ان يفعله تماما كما يحدث في أي رياضة أخرى بين اللاعب ومدربه.
ولا يغيب أصحاب الهجن المشاركة في السباقات عن المنافسات أبدا وهم عادة من أصحاب الجاه والمال ويتواجدون دوما في المنصات الشرفية يتابعون ملايين الدولارات التي أنفقوها على الهجن وهي تجري على الارض.
ومع انتشار اللعبة في منطقة الخليج وتزايد شعبيتها في الفترة الاخيرة فضلا عن الاهتمام التلفزيوني بنقل وقائعها على الهواء مباشرة سعت شركات الدعاية والاعلان الى الدخول بقوة في هذا المجال.
وباتت الشركات الاعلانية الكبرى في عالم السيارات والدخان والادو ات الكهربائية والمواد الغذائية وغيرها من أشهر الرعاة لهذه المنافسات وقدمت ملايين إضافية من الدولارات إلى هذه الرياضة التي باتت تمثل ميدانا للحفاظ على تراث العرب ومرآة يطل منها وجهاؤهم وأثرياؤهم.