ما الذي نعرفه عن السودان

عسكر السودان المغادرون يضعونه على سكة العودة إلى أن يكون دولة مدنية.


سلة الغذاء التي أُفرغت وصارت خاوية تحولت لعقود إلى ملاذ للارهابيين


حسن الترابي لعب دورا خطيرا في إضفاء الشرعية الشعبية على انقلاب البشير


دولة حكمها العسكر نصف قرن لا يمكن أن تنتقل للحكم المدني ولكنها يمكنها التحرر من وصاية الاسلاميين

عبر العقود الماضية كان السودان دولة منسية. ما الذي يعنيه أن يُذكر اسمه مقرونا بمجازر دارفور أو يتم تداول اسم رئيسه في كواليس المحكمة الجنائية الدولية؟

لا شيء سوى أن سلة الغذاء التي أُفرغت وصارت خاوية تحولت لعقود إلى ملاذ للارهابيين. سيُقال أن بن لادن كان هناك وستُذكر عملية تفجير السفارة الأميركية في نايروبي التي انطلق منفذوها من الخرطوم.

كان السودان محاصرا بين كتلتين تتسابقان في ابراز عدائهما لقيم التطور والحداثة والعدالة الإنسانية. كتلة الحكم التي يتزعمها عمر حسن البشير وكتلة المعارضة التي يتزعمها الصادق المهدي. وكلاهما كتلتان اخوانيتان.

لقد لعب حسن الترابي دورا خطيرا في إضفاء الشرعية الشعبية على استيلاء البشير على السلطة بعد أن حاول عبدالرحمن سوار الذهب أن ينهي حقبة جعفر النميري التي تميزت بالاستبداد الأعمى القائم على مزاج شخصي، غير أن انقلاب البشير الذي باركه الترابي دفع بالأوضاع نحو الأسوأ.

رقص البشير بعصاه على جثث ضحايا دارفور وعددهم يفوق عدد من يسقطون في الحروب الكبرى. لم يدافع عن نفسه بل قدم جنوب البلاد فدى لبقائه في السلطة. وهو ما لم ينفعه بل أضاف إلى سجله جريمة وطنية جديدة. ولو لم يُعقد اتفاق جوبا بين الحكومة السودانية الجديدة وحكومة جنوب السودان لاستمرت الحرب بين الطرفين إلى ما لا نهاية لأسباب قد لا يفهمها أحد.

لقد بُح صوت البشير وهو يلقي خطاباته التهريجية أمام أعوانه مدافعا عن السيادة الوطنية التي كانت المحكمة الجنائية قد اخترقتها حين طلبت استدعائه باعتباره مجرم حرب وهو ما جعله محروما من السفر إلى الخارج خوفا من أن يتم تسليمه إلى تلك المحكمة.

الان يقيم البشير في السجن وكان الترابي قد سبقه إلى السجن ومن ثم المنفى في الدوحة حيث مات هناك. سقط البشير وانتهت حقبته غير أن العسكر ما زالوا مصرين على البقاء في الواجهة. ذلك لأنهم يعتقدون أن دولة حكمها العسكر نصف قرن لا يمكن أن تنتقل إلى الحكم المدني ولكنها يمكن أن تتحرر من وصاية الاسلاميين.

ذلك ما فعلته الحكومة الجديدة حين جرمت التكفير وألغت مادة الردة من القانون. كان ذلك في سياق منع التيار الديني من القيام بمهمات سياسية. وهو قرار لم يكن من اليسير اتخاذه في السودان لولا تطور الوعي المدني لدى عامة الشعب وامتناع المعارضة عن الاحتجاج بسبب ما يواجهه السودان من ضغوط دولية تحتم عليه التحول إلى دولة مدنية وإلا ستكون العقوبات أشد.

كانت المعارضة جزءا من القوى التي صنعت التغيير لذلك قررت أن لا تتخلف عن الركب. ولكن كم فاجئنا أن نعرف أن الدولة التي أدارها العسكر لعقود كانت في حقيقتها دولة دينية.

كان اسلاميو البشير يديرون دولته فيما كانت عصاباته ترتكب الجرائم التي ستقوده في ما بعد إلى المحكمة الجنائية الدولية التي لم تستلمه بعد.

كان السودان غائبا ومغيبا وراء نسيج عسكري إسلامي استطاع الإخوان المسلمون أن يصنعوا منه شبكة غيبت دولة كبيرة لتكون بؤرة تأوي إليها جماعاتهم الارهابية وينطلقون منها لتنفيذ عملياتهم الارهابية.

بدلا من الغذاء امتلأت سلة السودان ارهابيين.

أرى عبدالفتاح البرهان رئيس المجلس العسكري الانتقالي وهو يلقي خطابه فأشعر أن هناك شيئا مختلفا. فالرجل لا يرقص حاملا عصاه مذعورا وهو يخاطب جمهوره. إنه يقول كلاما في السياسة. وهو كلام واقعي يراهن على السلام ويدير ظهره للحرب.  

عسكر السودان المغادرون يضعونه على سكة العودة إلى أن يكون دولة مدنية. ذلك انجاز عظيم ينبغي الاحتفاء به والثناء عليه.