ما الذي تريده السلطة الفلسطينية من الفلسطينيين؟

بقلم: نضال حمد

يوما بعد يوم وساعة وراء ساعة توضح تصريحات قيادة السلطة الفلسطينية أنها في واد، وشعبها المقاوم الذي قدم لها كل إمكانيات الاستمرار والصمود والمواجهة ولحظات الثقة بالذات ونشوة الانتصارات الصغيرة والكبيرة على باراك وشارون وجيشهما الإرهابي في واد آخر.

فبعد الهجمة الشارونية الإرهابية الأخيرة على الضفة الغربية والخسائر البشرية والمادية الهائلة التي لحقت بالمدنيين والمدن والمخيمات الفلسطينية، وبعد تدمير قسم كبير من مخيم جنين وحي القصبة في نابلس، وبعد أعمالهم وأفعالهم الإجرامية في رام الله وبيت لحم وطولكرم وقلقيلية حيث سلبوا ونهبوا وقتلوا وذبحوا ومارسوا أبشع أنواع الإرهاب.
وحيث أنهم تفننوا في اختراع الأساليب التدميرية الفاشية بلا رادع وبلا حساب أو خوف من عالم أثبت عجزه عن ردعهم ووضعهم عند حدهم فقتلوا ومارسوا أجراما مثل الأجرام الذي شهدته البوسنة وكوسوفو على أيدي المتطرفين من الصرب والكروات.
بعد أن رأى الشعب الفلسطيني أن لا أحد مستعد لنصرته أو محاسبة الذين يحتلون أرضه ويقمعونه ويصادرون حريته وحياته, فيقتل الأطفال والنساء والعجزة والأبرياء في بيوتهم ومدنهم ومخيماتهم وقراهم, ويمارس الذبح والتنكيل على غرار صبرا وشاتيلا ودير ياسن ومثلما حصل في مخيم جنين والبلدة القديمة في نابلس خلال الهجمة الصهيونية الأخيرة حيث عجزت الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي المهيمن عليهما أمريكيا من إلزام اسرائيل بالموافقة على قبول استقبال والموافقة على إرسال لجنة تحقيق أو لجنة تقصي حقائق إلي مخيم جنين.
بعد كل هذا الذي حدث وعندما أعتقد الكثيرون أن الانتفاضة ومقاومتها الشجاعة قد ضربت وقضي عليها في عقر دارها خاصة أن صفقة إطلاق سراح الرئيس عرفات كانت مهينة بكل معنى الكلمة ولا تليق بالالتفاف الجماهيري الواسع الذي حظي به ابو عمار وهو محاصر في مكتبه في مقر المقاطعة المدمر كان شعبنا كله مستعد للدفاع عنه وعن السلطة الوطنية والأرض الفلسطينية.
لكن شعبنا لا يستطيع الدفاع عن اتفاقيات مشوهة ومذلة يسجن خلالها أبطالنا ويحاكمون محاكمة هزيلة من أجل إرضاء شارون وعدم إزعاج بوش ان حرية المقاومين الفلسطينيين عزيزة ومقدسة مثلما هي حرية الرئيس الفلسطيني, وألا ما معنى ترديد ابو عمار المهم الشعب وكنيسة المهد مش أنا، أين ذهب هذا الكلام؟
شعب فلسطين مستعد للدفاع والمقاومة والمواجهة,شارون بهجمته الأخيرة ومذابحه المروعة, جعل كل فلسطيني مشروع عملية استشهادية فهو وكل الإسرائيليين كان عليهم أن يتوقعوا فاتورة حسابهم في كل زمان ومكان وأنهم سوف يدفعون ثمن ما اقترفوا من مذابح في فلسطيننا المحتلة.
وأول الرد كان في عيون قارة تلك التي أزيلت عن الخارطة وتلك التي شهدت فيما بعد"1978" مذبحة مروعة من مذابح الإرهاب الأصولي اليهودي.
نعم كان الرد على قدر المصاب والحدث,جاء ليلبي مطالب أمهاتنا اللواتي فقدن أبناءهن وأزواجهن, بينما بعض الذين يدينونها من قادة السلطة وغيرهم كانوا يوم اجتاحت الدبابات المدن الفلسطينية يتمتعون بحرية الحركة ولم تشملهم التصفيات والاعتقالات والملاحقات بينما المجاهدين والمناضلين والمقاومين اما في سجون السلطة أو في معتقلات الاحتلال أو شهداء تحت أنقاض بيوتهم ومواقعهم المدمرة أو مشاريع مساومة ومحاكمة ومقايضة ومساومة.
أن الرد الفلسطيني كان يجب أن يحدث ليعيد التوازن المفقود في ميزان الهلع والرعب بيننا وبين عدونا الذي يتمتع بتأييد الغالبية المطلقة من المجتمع الصهيوني, كان لا بد من ضربة موجعة ليفهم الإسرائيليين أن الدماء الفلسطينية ليست بلا ثمن ولن تذهب هباء.
المحزن والمفجع والمؤلم والمرفوض في كل هذا هو قرارات الرئيس الفلسطيني التي لا تخدم فلسطين ولا الوحدة الوطنية ولا حتى السلطة الفلسطينية المنهارة والممزقة بفعل ضربات شارون. نحن لا نريد أن نعيد سماع كلمة الرئيس عرفات المتلفزة والتي وجهها الى ما تبقى من قوات الأمن الفلسطينية,بمنع أي عمليات "إرهابية" تستهدف المدنيين الإسرائيليين وقال عرفات : أنني بصفتي رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية " المغيبة منذ زمن اوسلو وأخواتها" والسلطة الوطنية " التي دمرت كافة مؤسساتها ومقراتها وأجهزتها وأستبيحت سلطتها" أكرر التزامي ومشاركتي الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي بحربهما ضد الإرهاب. لقد أعطيت أوامري لقوات الأمن الفلسطينية لمواجهة ولمنع أي عمليات إرهابية للتعدي على المدنيين الإسرائيليين من أي جهة فلسطينية كانت.
هل اعادة بناء أجهزة الأمن الفلسطينية وطلب التمويل والدعم الأمريكي والدولي لبناء ما هدمه شارون بمباركتهم أو بشهادتهم يأتي عبر وصم العمليات الفلسطينية بالإرهابية وعبر إعطاء الأوامر لما تبقى من أجهزة الأمن التي أصبحت تفتقد للمصداقية وللكادر الوطني الميداني باعتقال مجاهدي شعبنا, وهل هذه أيضا من مخلفات صفقة إطلاق سراح الرئيس, تلك الصفقة التي أقل ما يقال فيها أنها تسيء لدم شهدائنا ومناضلينا وأسرانا بصراحة وبكل وضوح.
نقول لمن لازال عاجزا عن فهم الواقع الفلسطيني الجديد والحالة الفلسطينية الجديدة ان الشعب الفلسطيني لن يرضى بالعودة لما قبل الانتفاضة والتغيير لن يكون على الطريقة الأمريكية والصهيونية وهكذا حلول مرفوضة وغير مقبولة وواجب على شعبنا مواجهتها وردها وقبرها حيث هي لأن الانتفاضة حتمت التغيير بالوسائل الفلسطينية وعلى الطريقة الوطنية طريقة الديمقراطية المتسلحة بالوحدة الوطنية الحقيقية هذه الوحدة التي هي سلاحنا بوجه من يريد العودة بقطار أمريكي يسير على سكة إسرائيلية ويرفع علم عالمي مزيف شعاره مكافحة الإرهاب, بينما هو يحمي الإرهابيين والمجرمين أمثال شارون وموفاز وبن أليعازر.
يجب على شعبنا منع الوصوليين والمتسلقين من التسلق على ظهر الانتفاضة بغية الوصول الى هرم القيادة ومن خلال تنظيف السلطة من بعض الوجوه التي احترقت بفعل فشلها أو تواطؤها أو دورها الموضوع في دائرة الشك وخدمة الغير.
أن وصم العمليات الفدائية بالإرهابية وصف غير دقيق وفارغ وبلا معنى, خاصة إذا جاء على لسان الضحية وعلى لسان الذين أرادوا الشهادة ورفضوا المذلة.
ما الذي تريده السلطة الفلسطينية من الشعب الفلسطيني؟
هل مطلوب من شعبنا الموافقة على مطالب شارون وبوش؟
هل علينا اعتبار أنفسنا إرهابيين ومحاكمة أرواحنا من أجل تشجيع الدول المانحة على مساعدتنا ماديا, مشكلتنا ليست مادية, مأساة جنين فوق كل الماديات, جنين بحاجة للدواء والغذاء لكنه بحاجة للعدالة وليد القانون الدولي المكبلة بحبال أمريكا وتلك الحبال هي نفس الحبال التي تكبل أيدي القادة العرب وتكمم أفواههم, وتلك هي أمريكا التي تريد سلطة فلسطينية على هواها, سلطة جهاز أمن مسير ومقاد من المخابرات الأمريكية والشاباك من أجل راحة اسرائيل وعدم راحة شعب فلسطين.
إذا كانت السلطة لازالت تراهن على دعم الشارع الفلسطيني لها في معركتها مع الإرهاب الشاروني وأسياده في البيت الأبيض عليها التخلي عن الأوهام وعن رضا امريكا وعن مساعدات امريكا, فأمريكا لا تعطي شيء دون مقابل ورأس المال الصهيوني الذي يحكم العالم لا يسمح لأحد بأن يعطينا دون مقابل. أذن لا مجال لمن يريد السباحة عكس التيار الأمريكي الصهيوني ألا التمسك بقارب النجاة وقارب نجاة السلطة هو شعب فلسطين ومقاومته الباسلة وانتفاضته التي لن ترضى بالبدائل الأمريكية والصهيونية ولن تقبل بغير قيادة وطنية تحترم عقول أبناء فلسطين وتضحيات شعب فلسطين وأهداف الشعب الفلسطيني في التحرير والاستقلال والعودة وتقرير المصير وطرد الاحتلال واجتثاث الاستيطان.