ما أدخلته الصَّفوية على عاشوراء

يُعد الشيخ آية الله مرتضى المطهري (قُتل 1979) أحد أعمدة الثورة الإيرانية، ولو ظل على قيد الحياة، ومنسجماً مع خط الإمام، لغابت وجوه من على الساحة، ولعلَّ في مقدمتها آية الله خامنئي. إلا أن رصاصات "جماعة فرقان" أصابت منه مقتلاً بعد ثلاثة أشهر من انتصار الثورة الإسلامية، وذلك في الثاني من مايو (أيار) 1979.

كان مطهري أحد أبرز العلماء في الفقه والفلسفة الدينية، ومن مؤسسي حسينية الإرشاد الشهيرة، إلى جانب المفكر الإيراني المعروف علي شريعتي (ت 1977)، تلك الحسينية التي قُدمت من على منبرها محاضرات في الفكر والتجديد الديني، أيام الحكم الشاهنشاهي، ويغلب على الظن أن تلك المحاضرات لو استمرت لصطدمت بالسلطات الحالية أيضاً، لأنها ستتعارض مع التشيع الرسمي. وعلمياً يعد الشيخ من تلاميذ المرجع الأعلى الإيراني في زمنه السيد آية الله حسين البروجردي (ت 1961)، وكان الأخير من أبرز المراجع الدينية وأوسعهم انتشاراً.

الكتاب عبارة عن ثلاثة أجزاء صدرت طبعته العربية في مجلد واحد: أحتوى الجزء الأول، ويضم ثلاثة أقسام، تدور حول عنوان: "التحريف في واقعة كربلاء"، من أصل أربع عشرة محاضرة. الجزء الثاني، ويضم أربعة أقسام: "عامل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشعارات عاشوراء، وتحليل واقعة عاشوراء، وجوهر النهضة الحسينية، من أصل سبع محاضرات، وتعليقات أخرى. الجزء الثالث، ويضم عشرة أقسام، وأهمها: الجذور التاريخية لواقعة كربلاء، وفلسفة النهضة الحسينية، والإمام الحسين وعيسى المسيح. وبمجمله يقع الكتاب بحوالى ألف صفحة.

ليس كتاب "الملحمة الحسينية"، الذي صدر قبل قيام الثورة الإسلامية باللغة الفارسية، هو الأول في نقد ما دخل مراسم أو طقوس عاشوراء في العهد الصفوي، عندما تبنت الدولة رسمياً المذهب الشيعي، وأن المجلس الحسيني هو الطريق الأخصب لنشر المذهب، وبما أن الدولة الصفوية، ممثلة بمؤسسها إسماعيل الصفوي (ت 1524 ميلادية) لاتريد النوعية بقدر ما تريد الكمية لمحاربة الطرف الآخر من الإسلام الرسمي، والمتمثل بالدولة العثمانية، لذا سمحت، بل عمدت، إلى إدخال الخرافات والتهويلات المحركة لمشاعر الجهلاء من الناس في الطقس الحسيني. وبهذا تحول المذهب إلى غالبية من الحزانى والبكائين والهاضمين للأساطير القديمة، بعد استبدال المسميات.

أقول ليس "الملحمة الحسينية" الكتاب الناقد الأول، ذلك لاعتماده على كتاب سبقه صنفه الميرزا حسين النوري تحت عنوان "اللؤلؤ والمرجان"، والكتاب من عنوانه قصد التمييز بين الغث والسمين في الملحمة الحسينية، أو ملحمة عاشوراء. قال الميرزا النوري: "من الواجب أن نُقيم المآتم على الحسين (ع)، أما المآتم التي تُقام عليه اليوم فهي جديدة، ولم تكن هكذا في ما مضى، وذلك بسبب كل تلك الأكاذيب التي أُلصقت بحادثة كربلاء دون أن يفضحها أحد، إننا يجب أن نبكي الحسين (ع)، ولكن ليس بسبب السيوف والرماح، التي استهدفت جسده الطاهر الشريف في ذلك اليوم التاريخي، بل بسبب الأكاذيب التي أٌلصقت بالواقعة".

حدد آية مطهري زمن بداية التحريف، اللفظي والمعنوي، على حد عبارته، قبل خمسمئة سنة، من دون أن يذكر سلاطين ذلك الزمان، وهم الصفوية، فمنذ مطلع القرن الرابع عشر الميلادي (العاشر الهجري) بدأت الدولة الصفوية حملتها لتعميم المذهب الشيعي، لكن على طريقتها، ووفق تصوراتها. بل أن الميرزا النوري صريح بعبارته الآتية في تحديد مصدر التحريف، ذلك عندما كتب إليه عالم من علماء شيعة الهند، يشكو إليه الإرتزاق في المنبر الحسيني، والأكاذيب التي حُشرت في قضية الحسين، ومصرعه بكربلاء (61 هـ).

قال: "إن هذا العالم الهندي يتصور أن قُراء التعزية الحسينية يبدأون بنشر الأكاذيب بعد أن يصلوا إلى الهند، ولا يدري أن المياه ملَّوثة من رأس النبع، وأن مصدر المآتم الكاذبة هي كربلاء والنجف وإيران، أي مراكز التشيع الأساسية نفسها". ولغزارة التحريفات، التي سنأتي عليها وصفت بكربلاء ثانية، وليست كربلاء الحقيقية التي شهدت مقتل الإمام الحسين أو ثورته.

هناك حادثتان أتى بهما صاحب "الملحمة الحسينية" يشيران إلى إرتباط عاشوراء، بعد إشاعة التهويلات والقصص الخرافية منذ العهد الصفوي، بمزاج العوام المتدني وبالإرتزاق من قبل رجال الدين. الأولى أن عالماً دينياً كبيراً، في إحدى المحافظات الإيرانية، أعترض على ما يُلقى من خطب وأشعار وروايات من على منبره، ذلك لبعدها عن الإحساس الديني، حتى وصفها بالقول: "ما هذه السموم التي تُنفث فوق المنابر". فما كان من أحد قُراء المنبر إلا رد عليه بصريح العبارة: "أتعلم أننا لو تخلينا عن مثل هذه الحكايات لتوجب علينا إغلاق هذه الدَّكان". ومعلوم، ما تعنيه مفردة الدَّكان من وضاعة وتسويف عندما تكون بضاعتها طقوس عاشوراء أو الدعاية الدينية، وهي المرتبطة عادة بالتجارة والسوق لمختلف البضائع وما تجري عليها من مساومات!

أما الحادثة الثانية، وتتعلق بإصرار أصحاب المواكب أو التعزيات على أدائها، وهي التي لاتقل تعبيراً عن رداءة الحال، ومسايرة عقول الجهلاء من العوام في اختلاق الحوادث، وتحويل مصيبة الحسين إلى مايشبه الأضاحيك، لدى أصحاب العقول وهم يسمون ما يرد من على منابرها، هو ما أجاب به أصحاب تلك المواكب الحسينية المرجع الأعلى في زمانه آية الله حسين البروجردي عندما أفتاهم بتحريم مسرحة أو تمثيل واقعة كربلاء، وما يصاحب ذلك من سلوك منافي لقدسيتها.

كتب الشيخ مطهري: "دعا سماحته (البروجردي) في حينها جميع رؤساء الهيئات الحسينية إلى اجتماع في منزله، وسألهم يومها أيُّ المراجع تُقلدون؟ فقالوا له جميعاً: نُقلدك أنت. فقال لهم سماحته: إن فتواي بشأن هذه المسرحيات والتمثيلات، التي تقيومنها بالشكل الذي سمعت فيه حرام في حرام". إلا أن رد أصحاب المواكب، وتلك المسرحيات والعروض مصادر أرزاقهم، ردوا على البروجردي بالقول القاطع: "مولانا! نحن نُقلدك طوال العام ماعدا هذه الأيام الثلاثة أو الأربعة، فنحن لسنا من مًقلديك"! وعلق مطهري بالقول: "قالوا له ذلك، ولم يعتنوا بحديثه وفتواه، وفعلوا ما كانوا يُريدون فعله".

من أبرز التحرفيات، التي تعرض إليها كتاب "الملحمة الحسينية" وانتقدها بشدة، هو ما تجود به مخيلة قارئ المنبر الحسيني حول الشعر البكائي الذي تقوله وهي ناحبة شاكية أم علي الأكبر، ابن الإمام الحسين البِكر، عندما يدخل الحسين إليها ويقول لها أدعي الله أن يعيد علي سالماً من ميدان القتال، في العاشر من عاشوراء، ومنه قولها أو إنشادها:

نذرٌ عليَّ لئن عادوا وإن رجعوا

لأزرعنَّ طريق الطفِ ريحانا

ومن متابعته للرواية يجد الشيخ مطهري أن البيت هو بحق ليلى العامرية، حبيبة قيس بن الملوح العاشق الشهير، وتلك القصة أُحيكت أيضاً في العصر الأموي، كما قيل ورويَ. وأن البيت الأصلي ليس فيه مفردة الطف بل التفت، وهي منطقة غير منطقة كربلاء، وأن بيت الشعر لا صلة له بالواقعة، وأكثر من هذا أنه نذر ولابد للنذر أن يكون مقدوراً عليه، فمَنْ يتمكن من زراعة الطريق بين المدينة (يثرب)، حيث قِدم الحسين، وبين كربلاء! لقد أستبل المحرفون مفردة التفت بمفردة الطف، أي أحد أسماء كربلاء! وهذا لا يتناسب مع واقعية الحدث نفسه، وأكثر من هذا أن ليلى المزعومة بكربلاء لم تحضر الواقعة!

تعرض مطهري، في كتابه، إلى حكاية أخرى دخلت بقوة على طقوس عاشوراء، وشدت ومازالت، إلى يومنا هذا، العقول والنفوس إلى المنبر الحسني، ومنها ما يُعرف بعرس القاسم. والقاسم هو ابن الحسن بن علي، وكان في الواقعة الطف طفل، وقُبيل مقتله، مع عمَّه الحسين، يعقد له على ابنته سُكينة ليلبي أمنية طالما تمناها الإمام وهي زواج ابن أخيه من ابنته. ثم يبرز القاسم إلى القتال ويُقتل. في هذا اليوم، المخصص للقتيل العريس، تأتي النساء بأوانٍ فيها ما يُلزم للاحتفال بالعرس. وحسب الميرزا نوري في "اللؤلؤ والمرجان" أن أول مَنْ أدخل هذا الطقس، أو تلك الحكاية، في عاشوراء هو الملا حسين الكاشف في كتابه "روضة الشهداء"، والذي جمع فيه صاحبه مجموعة حكايات قالها ملالي ذلك الزمن، قبل خمسمئة سنةً، أي تزامناً مع بداية العهد الصفوي.

كذلك من أهم التزوير والاختلاق الذي أصاب قصة عاشوراء هو ما يُعرف بزيارة الأربعين، إلى مرقد الإمام الحسين بكربلاء. ومؤلف هذه الحكاية هو السيد ابن طاوس في كتابه "اللهوف على الطفوف"، والطفوف جمع الطف، وهو مقتلة الحسين وأصحابه بكربلاء في العاشر من عاشوراء، مثلما سلف. وموسم الزيارة الذي يصادف عادة الخامس عشر من شعبان، من كل عام، هو يوم زيارة أسرى معركة كربلاء لقبر الحسين، بعد عودتهم، وهم في طريقهم إلى الحجاز، إلا أن الشيخ مطهري، يتابع الحكاية ليجدها من الموضوعات أو المختلقات، لسبب بسيط أن طريق الشام- الحجاز لا يمر عبر العراق حيث قبر الحسين بكربلاء – وسط العراق- إنما يفترق من الشام نفسها إلى طريقين: العراق والحجاز.

ولا يفوت الشيخ المطهري الوقوف على حكاية العطش، وهي تكفي لهز المشاعر بعرض المأساة، عندما يقابل قارئ المنبر بين نهر الفرات الجاري ولسان الحسين الصادي، وهو يحمل طفله الرضيع طالباً له الماء، ثم يأتي سهم من حرملة الأسدي، أحد جنود أو قادة الجيش الأموي، ليذبحه من لوريد إلى الوريد، فيجمع الحسين دم رضيعه بيده ويرميه نحو السماء، ويضيف بعض قراء المنبر أن الحمرة التي تظهر عند الغسق هي من أثر حمرة ذلك الدم، ,اكثر من هذا أن السماء تمطر دماً غضباً لمقتل الحسين. ولا يُقتل الحسين ضعفاً أو لقة قوة إنما سيفه أحاط برقاب آلاف الجنود لكن إرادة الله تريد قتل الحسين لمهمة أو غاية أخرى ألا وهي" "إن لم يستقم دين محمد إلا بقتلي فيا سيوف خذيني"! وكم تشبه غاية قتله غاية قتل السيد المسيح!

إضافة إلى تلك المختلقات وتحويل عاشوراء إلى موسم للانكسار والحزن العميق، وما يصاحبها من تلاعب بمشاعر البسطاء، عبر رواية أحداث لا أصل لها، وقراءة شعر وجداني باللهجة العامية، والترنم به، يأتي دور المبالغات في الحوادث، فسيف الحسين كان يحصد الرؤوس بالآلاف حصداً، حتى أن عدد القتلى دفعت الشيخ مطهري إلى حساب الزمن المطلوب لقطف تلك الرؤوس فوجدها تحتاج إلى يوم أكثر ساعاته من اليوم العادي! وبالفعل لما وجد أصحاب تلك المبالغات أن ذلك اليوم، وهو العاشر من عاشوراء، لم تكف ساعاته لسيف الحسين في أن يقطع آلاف الرؤوس ابتدعوا حكاية أن الله مد بطول ذلك اليوم وجعله (72) ساعةً بدلاً من (24) ساعة!

عموماً، قصص التحريف التي أتى عليها الشيخ مطهري، وتحاول الدولة الإيرانية حالياً من الحد منها، وذلك بالسماح لمثل هذا الكتاب وسواه بالانتشار، وأنها منعت التسوط بالزناجيل على الظهور والتطبير بالقامات على الهامات، كان قصده من فضحاها هو إعادة قضية الحسين إلى موقعها المؤثر في العقل لا في المخيلة، فطالما استغلت من قبل السلاطين الصفويين لتمتين سلطتهم، وجمع الجموع تحت لواء الحسين ضد خصومهم العثمانيين، ونشر المذهب الشيعي بأدواتهم، فلا بد من عقلنة طقوس أو مراسم عاشوراء، وجعل منابرها للهداية الدينية، وتنقية الإسلام السياسي الشيعي، المعتمد عليها بالأساس، لتحل محل تلك الشوائب، التي تخلق بشراً منكسرين يسبحون في بحار من الوهم والخيال.

لذا يطلق الشيخ مطهري في كتابه الدعوة إلى "واجب مكافحة التحريف". قال: "نعم، فواجب العلماء في عصر خاتم النبوة هو مكافحة التحريف، ولحسن الحظ فإن وسائل هذا الكفاح وأدواته موجودة، كما أن هناك عدداً لا بأس به من العلماء، ممَنْ وقفوا هذا الموقف المشرف حتى الآن. وما كتاب اللؤلؤ والمرجان، الذي يتعرض مؤلفه إلى موضوعة واقعة عاشوراء التاريخية... إلا تطبيقاً عملياً ومصداقاً حياً لهذه الوظيفة المقدسة جداً جداً، والتي قام بها هذا الرجل العظيم على أحسن وجه، وهي المصداق الحي للقسم الأول من حديث الرسول (ص): إذا ظهرت البدع في أمتي فيظهر العالم علمه...".

لكن، الشيخ مطهري نسى أو تناسى، أو ليس له علم، بأن مرجع أهل الشام الشيعي، وخريج مدرسة النجف السيد محسن الأمين العاملي (ت 1954) بدأ حركته الإصلاحية من العام 1901 بدمشق، يوم أعلن مقاطعة الطقوس التي يؤديها الشيعة حول مقام السيد زينب بضواحي مدنية دمشق، وكتب كتاباً بعنوان "رسالة التنزيه" (1928)، وقد واجهه عدد من أصحاب المواكب الحسينية، المستفيدين من المتجارة عبر تلك الطقوس، بعداوة، حتى وصل بأحدهم أن يقول:

يـا راكباً إمَّـا مررت بجلق

فأبصق بوجهِ أمينها المتزندق

حرمت تلك الرسالة استخدام آلات اللهو في الموسم من طبول ودمامات، والمسرحيات التي تجري في الميادين، ومنها ما كان هدف كتاب الشيخ مطهري "الملحمة الحسينية: منع "الأمور المكذوبة، المعلوم كذبها، وعدم وجودها في خبر، ولا نقلها في كتاب، وهي تتلى على المنابر، وفي المحالفل بكرة وعشيا، ولا من منكر ولا من رادع...ومن المعلوم أن روايات التعزية من سنح الرخص...".

عموماً، الكتاب بمجمل فصوله كان حول "الملحمة الحسينية"، ونقد لما عَلق بها من الحِقبة الصفوية، التي وجدت في عاشوراء ما يخدمها، بمجرد أن تحول الحاكم إلى متبنٍ لقضية الحسين، وبهذا لم يبق من طابعها الثوري ما يحرك الجماهير ضده، بل على العكس قام يقود الجماهير عبرها لصالحه.