ما أحوجنا إلى جيش الجنوب

بقلم: فيصل الصفواني

التشظي المخزي الذي تعيشه الوحدات العسكرية حاليا على اساس ولآتها الشخصية للقادة، جعلنا ندرك الأهمية التي كان يمثلها جيش الجنوب، ومدى حاجتنا له. بل ويجعلنا نتساءل أين ذهب ذلك الجيش ولماذا تم اقصاء قادته من المشهد العسكري بعد حرب 94، رغم كفاءتهم العالية، وما الفرق بين جيش الشمال والجنوب قبل الوحدة؟

معرفتي بالنظام العسكري لجمهورية اليمن الديمقراطية بدأت مطلع عام 1991م، عندما التحقت بمعسكر العند لاداء خدمة الدفاع الوطني ضمن اول دفعة من خريجي الثانوية العامة في محافظة تعز يتم توزيعها على معسكر جنوبي.

وهناك تعرفت عن قرب على الية النظام العسكري الذي كان متبعا في اليمن الجنوبي قبل الوحدة. واهم ما لمسته من خلال تعاملي مع ضباط وافراد الجنوب هناك هو دماثة اخلاقهم وتواضع قيادتهم العسكرية الى حد ان قائد معسكر العند كان يقف معنا في الطابور ذات يوم امام ثلاجة مياه الشرب ينتظر قدوم دور.ه ولما افسح له الطلاب المجندين الطابور مندهشين بوجوده بينهم رفض وابى الا ان يبقى كل مجند في مكانه. المثير الاخر للدهشة في معسكر العند درجة الانضباط العسكري وتكريس ثقافة الولاء لليمن لدى الكل.

شيء أخر ما زال مرسوما في مخيلتي عن معسكر العند هو الفة الافراد والضباط فيما بينهم ودرجة انتظامهم في واجباتهم العسكرية كانهم خلايا انتاجية في مصنع وليس في معسكر.

بعد انقضاء فترة الاستقبال في العند ومدتها شهرين ونصف انتقلت الى معسكر يمثل النظام العسكري لليمن الشمالي، معسكر العمري في منطقة باب المندب محافظة تعز. وهناك تبين لي اهم الفوارق بين النظام العسكري المعمول به في الشمال والمعمول به في الجنوب، علما بان معرفتي بكلا النظامين لم تقتصر فقط على نموذجي العند والعمري، بل هناك نموذجان اخران عايشتهما عن قرب، وهما معسكر خالد بن الوليد في محافظة تعز اثناء تأدية المعسكرات الصيفية الاجبارية على طلاب ثانوية جامعة تعز في عطلة1987، وبالتأكيد كان النظام في معسكر خالد هو ذات النظام لمعسكر العمري، واثناء اداء الخدمة في باب المندب كانت لنا زيارات شبه اسبوعية لزملاء لنا في معسكر خرز منطقة رأس العارة وهو معسكر جنوبي حينها، والنظام المتبع فيه لا يختلف تماما عن نظام معسكر العند باستثناء معدل الجاهزية القتالية فيه اكبر، وهنا يكمن باعث المقارنة ومبرر اهميتها بالنسبة لي وللقراء وهيا كالتالي: اولا الشعار المجسد لمفهوم العسكرية والتعريفي بها، في معسكر العند لاحظت شعارا جميلا مكتوبا في اكثر من مكان مفاده "الانضباط العسكري يمثل قمة الالتزام السياسي والايدلوجي للجيش حيال الوطن."

في معسكر المندب الشعار المكتوب والمتداول "العسكرة ضبط وربط وطاعة عمياء" يا للهول ما هذه الالفاظ الدهماوية.

في معسكري الجنوب لاحظت تحقق الهوية الوطنية للافراد، وأن الضباط يمثلون كل محافظات الجنوب. في معسكري الشمال كل الضباط من ابناء منطقة واحدة، خصوصا في معسكر المندب حيث كل الضباط من محافظة صنعاء باستثناء ضابطين من ابناء محافظة اب منطقة يريم.

في معسكري الجنوب لاحظت انضباطا عسكريا مستمرا وفي نظيريهما الشماليين توجد فوضى عارمة وتمزق يوحي بالأسى والحسرة، والاهم من هذا كله ان الأفراد والضباط في معسكر باب المندب يسكنون في مساكن انفرادية متباعدة تعرف بـــ"الدشمة"، المفاجأة الثانية في باب المندب ان قائد المعسكر ضابط امي برتبة مقدم لا يجيد القراة ولا الكتابة.

وهناك مفارقة اخرى مازالت حاضرة في ذاكرتي، ان قائد معسكر العند القى فينا محاضرة واحدة على مدى شهرين ونصف استمرت ثلاث ساعات كنا نتمنى ان تستمر اكثر رغم شدة الحر، كانت المحاضرة بعنوان استراتيجية حرب الخليج الثانية وموقف اليمن الجنوبي.

في معسكر العمري باب المندب وقف القائد محاضراً امام طابور الصباح اكثر من عشرين مرة خلال شهرين فقط، وكانت معظم محاضراته تتحدث عن عذاب القبر وعقوبة تارك الصلاة وأهمية الطاعة العمياء من الافراد لقائدهم الفذ، وأتذكر ان خطاب القائد غالبا ما كان يهيج اجهزتنا الهضمية للتقيؤ المباشر في الطابور.

فيصل الصفواني

Alsfwany29@yahoo.com