ماهر مقلد يروي فتنة القصور في لبنان

لبنان يصحو وينام على وقع التراشق السياسي

عاش الكاتب الصحفى والروائي ماهر مقلد في لبنان 4 سنوات (2006 ـ 2010) عاصر فيها أحداثاً جساماً، وتابع عن قرب كيف عجز اللبنانيون عن انتخاب رئيس للجمهورية طوال 182 يومًا بعد أن دبت الخلافات بين القوى السياسية، وتلكأت الأطراف الخارجية التي تملك تأثيرًا في المشهد اللبناني في رسائل التوجيه بالحل، وظل قصر الرئيس شاغرًا، ولبنان بدون رئيس، حيث تم تأجيل جلسة البرلمان لانتخاب الرئيس 19 مرة.

ولم تحل الأزمة وقتها إلا بعد انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان ليصبح الرئيس الثاني عشر في تاريخ لبنان، وشاهد دعوات حسن نصر الله في ديسمبر/كانون الأول 2006 لإسقاط حكومة فؤاد السنيورة وتعثر محاولات جامعة الدول العربية بقيادة عمرو موسى للم الشمل وتحقيق التوافق بين الفرقاء، ثم كيف دارت رحى الحرب فى شوارع بيروت ومناطق الجبل وطرابلس في شهر مايو/ أيار2008 بعد أن نفّذ حزب الله تهديده واجتاح بيروت العاصمة لأيام. وتابع مسلسل الاغتيالات المرير للسياسيين والنواب والوزراء والعسكريين وضباط الشرطة، دون دليل على من يقف وراء هذه العمليات الإرهابية، التي جعلت شخصية في وزن تأثير سعد الحريري يغادر لبنان ويقيم في المملكة العربية السعودية خشية الاغتيال طيلة ثلاثة أعوام متواصلة.

يسرد مقلد تجربته في لبنان في كتابه الصادر عن مركز الأهرام للنشر "لبنان.. فتنة القصور" كاشفا عن محركات الأحداث والتصلب والتعنت في المواقف خاصة من حزب الله وحلفائه، والدور السوري في تحرك الأحداث والمواقف، داعما ذلك بمقابلات مع الزعماء اللبنانيين وأبرزهم وليد جنبلاط وسعد الحريرى وميشال عون وسمير جعجع والشيخ نعيم قاسم والسيدة نائلة معوض ود. أحمد فتفت وزير الداخلية بالوكالة، كما أن هناك شهادات لعمرو موسى عن علاقته بالحريرى وقصة مقابلته الرئيس السورى بشار الأسد.

يقول مقلد "يصحو لبنان وينام على وقع التراشق السياسي، والاتهامات المتبادلة بين القوى والتيارات والطوائف وتشكل القنوات الفضائية التي تبث برامجها في فترة الصباح منصات لإطلاق القذائف الكلامية على الخصوم السياسيين، ومنابرَ لتوجيه الاتهامات وتشكيل الرأي العام، وفي المساء يتكرر السيناريو حيث تبدع هذه البرامج في تسليط الضوء على تناقضات الطوائف وإبرازها.

فلا يتصور أبدا أن يتعرض حسن نصر الله لنقد من مناصري حزب الله أو من قناة المنار لسان حال الحزب وينطبق الأمر على وليد جنبلاط بين أنصاره في الطائفة الدرزية والحال نفسه مع الجنرال ميشال عون وسعد الحريري. ويظهر حجم الحلاف الذى نشب بين حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله ووليد جنبلاط الزعيم الذرى واتهام كل منهما للآخر بالعمل ضد الدولة اللبنانية".

ويصف ماهر مقلد فى كتابه المكون من سبعة فصول تبدأ بـ "الحريري الأب" وتنتهي بـ "قطر تملك المفتاح" بدايات دراما الإعتصام القياسى الذي استمر 18 شهرا، فيقول فى نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2006 نفذت المعارضة اللبنانية تهديدها بالاعتصام وسط العاصمة بيروت بعد مطالبة حسن نصر الله جميع اللبنانيين بالمشاركة بكثافة فى هذا الاعتصام لإسقاط الحكومة التي وصفها بالعجز والفشل. بعد دعوة نصر الله للتظاهر زحف مئات الآلاف من اللبنانيين إلى ساحة رياض الصلح بوسط بيروت، مطالبين برحيل حكومة السنيورة، ومؤكدين استمرار المظاهرات والاعتصامات حتى تستقيل، بينما انطلق أنصار تيار المستقبل ـ الذى يتزعم الأغلبية النيابيةـ في مسيرات بشوارع بيروت تأييدا للسنيورة، الذي تحدى المعارضة، وأعلن تمسك الحكومة بموقعها الشرعي. يومها كانت النية لاقتحام السراي أو على الأقل سد جميع منافذه بالخيام التي نصبت، لكن اتصالات عليا جرت مع الرئيس المصرى حسني مبارك من ناحية ومع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز منعت اقتحام السراي.

وقد أجرى السفير المصرى في لبنان اتصالاً مع نبيه برى رئيس مجلس النواب لإبلاغ حزب الله أن السراي الحكومي خط أحمر، وكذلك شخص رئيس الحكومة. ونجحت مساعي بري وتم فتح الطريق أمام مدخل السراي ورفع الخيام بعيداً. وتبادلت القيادات السياسية اللبنانية الاتهامات والتهديدات، حيث دعا العماد ميشال عون زعيم التيار الوطنى الحر المعارض، السنيورة إلى الاستقالة فوراً، مشيراً ـ أمام حشود المتظاهرين ـ إلى أن هذه الاستقالة هي المخرج الوحيد للأزمة.

ووصف وليد جنبلاط مظاهرات المعارضة بأنها محاولة انقلاب لاستعادة الوصاية السورية مجدداً، مؤكدا أن حل الأزمة لا يكون إلا بالحوار. وقال في مؤتمر صحفي: سنصمد ونلتزم منازلنا ونعلق الأعلام اللبنانية على الشرفات، مشيراً إلى أنه يمثل تياراً لبنانياً في مواجهة تيار يريد عودة نظام الوصاية وربط لبنان بالحلف السوري الإيراني. وقد حشد الجيش اللبناني نحو20 ألف جندي مدججين بالسلاح، بالإضافة إلى عشرات من ناقلات الجند المدرعة في بيروت، وذلك لمنع أي احتكاك بين أنصار الحكومة والمعارضة.

ويضيف مقلد "انتشر في وسط بيروت آلاف من عناصر حزب الله الذين يشرفون على تنظيم الحركة الاحتجاجية وقد ارتدوا فوق رؤوسهم قبعات رمادية وعلى صدورهم عبارة انضباط. وعكفت عناصر الانضباط على نصب خيم بيضاء في وسط بيروت لإقامة المشاركين في الاعتصام المفتوح.

وكتبت جريدة المستقبل المملوكة للحريري في عناوين صفحتها الأولى: محاولة الانقلاب السياسي بدأت، في حين كتبت صحيفة الديار المعارضة في عناوين صفحتها الأولى: دقت ساعة الحقيقة ولبنان السيد الحر سيولد. وأعلنت واشنطن تأييدها للسنيورة، وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية توم ك إليسي: إن المظاهرات هدفها الإطاحة بحكومة ديمقراطية، تم انتخابها بطريقة ديمقراطية".

ويكشف الكتاب عن الساعات العصيبة التي عاشها سعد الحريري خلال اجتياح بيروت وماذا فعل بعد سقوط قذيفة في حديقة قصره وكيف تم انتخاب قائد الجيش رئيسًا دون تغيير للدستور ومدى إصرار نبيه بري رئيس مجلس النواب على انتخابه دون تعديل للدستور.

كما يكشف قصة اللقاء الذي أجراه مع وزير الداخلية في مكتب الوزير بالوزارة في منطقة الصنايع ببيروت ويقول: "طلبت موعدا من وزير الداخلية بالوكالة د. أحمد فتفت لطرح تساؤلاتي عن الوضع والاحتمالات التي تنتظر لبنان كان يشغل المنصب بعد اعتكاف وزير الداخلية حسن السبع الذي رفض إطلاق النار على المتظاهرين الغاضبين أمام سفارة الدنمارك بعد نشر صحيفة دنماركية رسوما مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، ومنذ تقديم استقالته لم يقبل رئيس الجمهورية العماد أميل لحود التصديق على اسم وزير آخر، فكان البديل هو أن يكلف رئيس الوزراء وزيرا بالوكالة.

كان اسم وزير الداخلية بالوكالة مثار جدل كبير في الشارع اللبناني ويواجه هجوما من المعارضة بسبب ملف قضية 'ثكنة مرجعيون' وهو الملف المثير حيث وجهت له المعارضة اتهاما بانه سمح بدخول وخروج جنود إسرائيليين للثكنة ولم يعاقب قائد الثكنة وهو برتبة عميد علي تصرفه بتقديم أكوابا من الشاي للجنود الإسرائيليين.

لكن القصة من وجهة نظر فتفت جاءت مختلفة، وقال إن لا شبهة خيانة في هذه القضية ولا تعاون مع العدو لأن العميد عدنان داوود قائد الثكنة والقوة الأمنية المشتركة كانوا مأسورين من قبل القوات الإسرائيلية التي دخلت الثكنة في ذلك الوقت.

وقال فتفت: تبين للمفتش العام في وزارة الداخلية أنه لم يكن هناك أي خطأ مسلكي كبير من قبل العميد عدنان داوود، وأن تصرفه كان ضمن مسئوليته وبكفاءة مقبولة في الظروف القاهرة التي وجد فيها.

وعن الصور التي تم التقاطها للقوة الإسرائيلية داخل الثكنة والجنود اللبنانيين وهم يحملون الشاي قال: تبين أن ما حصل هو بناء علي طلب قوات 'اليونيفيل' لأن هذه القوات كانت موجودة أيضا وقد تم اجتزاء جزء من الصورة التي نشرها التليفزيون الإسرائيلي، فهم الذين طلبوا هذا الموضوع وهو موضوع محصور جدا واذا اعتبرنا أن هناك خطأ فقد تم توقيف فوري للعميد داوود واعتبر ذلك بأنه يكفي علي صعيد قرار المفتش العام.

هذه الواقعة ظلت تطارد أحمد فتفت طويلا خصوصا بعد أن بث التلفزيون الإسرائيلي تقريرا مصورا عن دخول الجنود الإسرائيليين إلي الثكنة ولحظة تقديم الشاي لهم وتسليم القوة اللبنانية لأسلحتها، وتعرض للهجوم على اعتبار أنه الوزير المسئول عن الثكنة وتواصل هاتفيا مع العميد داود.

ويكمل مقلد "اتصلت من هاتفي على رقم الوزير مباشرة ووجدته على الطرف الآخر مرحبا لم يغير رقم تليفونه بعد أن صار وزيرا للشباب ثم الداخلية وهذه هي عادة غالبية السياسيين في لبنان وحدد موعدا في مكتبه بوزارة الداخلية بمنطقة الصنائع الساعة الثالثة عصرا، كان لا ينام في هذه الظروف الصعبة التي تواجه لبنان، وربما من شدة الأرق والترقب بعد أن هددت القوى السياسية بالنزول للشارع والتظاهر، وفي ظل الوضع الأمني الخطير الذي يعيشه الشارع بعد توتر العلاقات السياسية ـ وربما الشعبية ـ بين طوائف المجتمع. ذهبت في الموعد المحدد لم أنتظر طويلا في مكتبه قبل أن يسمح لي مدير المكتب بالدخول".