ماليزيا.. إضفاء البيروقراطية على الدِّين

العلمانية بثياب دينية

صيغ الدستور الماليزي باعتباره دستوراً علمانياً، لكنه راعى الأبعاد الثقافية والدينية للمجتمع الإسلامي. فالمادّة (160) من الدستور الماليزي تربط العرق والدين ارتباطاً لا انفصام له، إذ لا يعتبر المرء "ملايوياً" إلا إذا كان مسلماً. وعندما يرتدّ هذا المرء عن الإسلام، فإنه لا يعتبر "ملايوياً". وتتضح أهمية الإسلام لماليزيا من المادة (3) التي تنصّ على أن الدين الرسمي "للاتحاد" هو الإسلام، لكن يمكن ممارسة الأديان بسلام في أي جزء من أجزاء "الاتحاد".

البيروقراطيات الدينية الوحيدة في ماليزيا هي البيروقراطيات الإسلامية، وبالتالي يسيطر عليها الملايويون. وقد أدخل تعديل إضافي على الفقرة بالتعديل الذي ينصّ على أن المادة (3) لا تُبطل أي حكم آخر من أحكام الدستور. وفي تقرير مصاحب للدستور، كرّرت لجنة ريد الفكرة بأن ماليزيا دولة علمانية على الرغم من أن المادّة (3) تعلن أن الإسلام هو الدين الرسمي للاتحاد، لذا فإن المادّة (3) والتعديل يتعارضان ويظهران الطبيعة المحيّرة للنظام القانوني الماليزي.

ولإضافة المزيد إلى المأزق القانوني، فإن المادّة (11) فقرة (1) تضمن لكل شخص ممارسة دينه. لكن من الواضح أن هذا الحقّ الدستوري غير متّبع. فقد أظهرت قضية لينا جوي كيف لا يطبّق هذا الحقّ الدستوري على الذين يرتدّون عن الإسلام. فقد سعت لينا جوي، وهي مسلمة بالمولد، إلى الحصول على إقرار من المحاكم الماليزية يعترف بتركها الإسلام واعتناق المسيحية. كما أن معاملة الشيعة، أتباع أحد المذهبين الرئيسين في الإسلام، في ماليزيا مثال آخر على كيفية التفاف البيروقراطية الدينية على الحقوق الدستورية، ووسم الشيعة بأنهم "منحرفون". وتشير الفقرة (4) من المادّة (11) إلى حقّ الفرد في الدعوة إلى دينه، لكنها تمنح الحكومة سلطة مراقبة الدعوة إلى هذه الأديان في أوساط من يعتنقون الإسلام.

في المادة (121) فقرة (1أ)، ينصّ تعديل دستوري أضيف سنة 1988 على استبعاد الولاية القضائية للمحكمة العليا في مسائل الشريعة. فللمحاكم الشرعية سلطة قضائية حصرية على مسائل الشريعة، والمسائل التي تخصّ المسلمين. ويعني ذلك –ضمناً- أن القرارات التي تتخذها المحكمة الشرعية محمية من التماسات العمليات القضائية المدنية ومراجعاتها. كما يُسمح للولايات ومجالسها التشريعية بوضع قوانينها الخاصة المتعلّقة بمسائل الشريعة المدرجة في البند (1) من قائمة الولاية. ونتيجة لذلك، تفسَّر الشريعة الإسلامية تفسيراً مختلفاً في كل ولاية، مما يؤدّي إلى عدم توافق الأحكام. ويظهر ذلك في الأحكام المتباينة في الولايات على عقوبة الارتداد. وبناء على هذه المادّة، قضت المحكمة العليا بأن السلطة القضائية على مسائل اعتناق دين آخر تعود للمحاكم الشرعية في قضية لينا جوي.

فهم البيروقراطيات الدينية المعقّدة

قبل سنة 1968، كان يوجد في الولايات في الملايو مجالس لتنسيق الشؤون الإسلامية والإشراف عليها. وكانت هذه مجالس فردية للولايات (جاباتان أغاما إسلام) لا تتدخّل في الحكومة الاتحادية إلا قليلاً. وكان يوجد في الولايات -أيضاً- محاكم (شرعية) تصدر أحكاماً قضائية. غير أن تونكو عبدالرحمن (أول رئيس للوزراء في ماليزيا) غيّر ذلك عندما شكل المجلس الوطني الماليزي للشؤون القانونية سنة 1968. وكانت هذه الخطوة ترمي إلى إضفاء المركزية على إدارة الشؤون الإسلامية في ماليزيا.

سعت حركات الانبعاث بقيادة أنور إبراهيم إلى أسلمة النظام من داخل الحكومة. فانضمّ عدد من الناشطين الحداثيين الرئيسين إلى الحكومة. وكان ضمّ المنظمة الوطنية الملايوية المتحدة للحركة الحداثية يهدف إلى إضعاف المعارضة، بالإضافة إلى تعزيز شرعيتها في أعين المسلمين الملايويين. ومن نتائج هذا الانضمام تعزيز سلطات البيروقراطيات الدينية التي منحت قدراً متزايداً من السلطة والصلاحية. وقد سُنّت المادة (121) فقرة (1أ) -كما ذكر أعلاه- التي تنصّ على منح المحاكم الشرعية الاستقلالية في الولاية القضائية على مسائل الشريعة؛ نتيجة استيعاب مهاتير وجهات النظر الحداثية. ومع تزايد سلطة المجلس الوطني الإسلامي ونفوذه، وسّعت الحكومة دوره وأعادت تسمية هذه الهيئة لتصبح إدارة التنمية الإسلامية في ماليزيا (جاكيم) سنة 1997.

غالباً ما قدّمت سياسة الأسلمة باعتبارها تتوجّه إلى غرس القيم المستقيمة والأخلاقية المتوافقة مع خطط الحكومة لحكم كل الماليزيين. ولتحقيق ذلك، أدخل مهاتير سياسة "استيعاب القيم الإسلامية في إدارة البلد". وقد وصفت هذه السياسة بأنها تعزّز العدالة، والاحترام، واليقظة، والنظافة، والثقة، والكفاءة، والتسامح والقيم الأخرى المماثلة في الإدارة. وخلافاً للتنازلات الرمزية في العقود السابقة، بدا أن مهاتير قد حسب ضرورات اتباع استراتيجية هجومية لمواجهة الحزب الإسلامي الماليزي في الجوّ السائد. ومن الطرق الأخرى لإرضاء الجماعات الإحيائية واستيعابها تكثيف البرامج الإسلامية في كل أنحاء البلاد.

شرع مهاتير -أيضاً- في توسيع البيروقراطية الدينية على نطاق واسع. وأثناء ذلك أضفى المركزية على كل المبادرات الإسلامية تحت إدارة الشؤون الدينية التابعة لمكتب رئيس الوزراء. وتعكس الإحصاءات مقدار الأهمية التي أولتها إدارة مهاتير لهذه الإدارة. ففي سنة 1982 كانت الإدارة تضمّ (100) موظف، وبحلول سنة 1987 ارتفع هذا العدد إلى (608). وازدادت مؤسسة الدعوة الإسلامية في ماليزيا (ياديم) قوة ومنحت دوراً مركزياً في نشر رسالة الإسلام. ولم يقتصر توسّع البيروقراطية الدينية على المستوى الاتحادي، بل استمرّت الإدارات الدينية على مستوى الولايات في التوسّع، مع تزايد كبير في عدد الموظفين المستخدمين في الإدارة الدينية للولايات ومكتب المفتي.

كان لتزايد بيروقراطية العلماء دور حيوي في دمج الإسلام في المؤسسة الوطنية. وقد أتاح ذلك سيطرة أكبر للجماعات الدينية. وللتكيّف أكثر مع مطالب المجتمع والعلماء، أدخلت الإدارة –أيضاً- المالية الإسلامية والجامعات الإسلامية. وقاد العلماء معظم هذه المؤسسات، وبالتالي توسّع دورهم ووظيفتهم في المجتمع الماليزي.

تنشيط الدين

أدّت إجراءات الحكومة الماليزية لتنشيط الصورة الإسلامية إلى تصوّر بأن الحكومة متجاوبة ومتعاطفة مع قضيّة الإسلام السياسي. من ناحية أخرى، انتهز كثيرون من خارج المنظمة الوطنية الملايوية المتحدة ومن داخلها –أيضاً- فرصة استخدام الإسلام، لا بمثابة ذريعة سياسية فحسب، وإنما أجندة لكسب التأييد الملايوي أيضاً.

بدأ السياسيون الملايويون ذوو الآراء العلمانية استخدام اللغة السياسية للإسلام؛ من أجل كسب الشعبية السياسية والبقاء. وفي محاولة لتعزيز هذه الصورة الإسلامية أكثر، أدخل مهاتير العلماء في السياسة. فقد عرف تأثير العلماء ورأى حاجة إلى إشراكهم في مسائل تتجاوز الدين. ومن بين هؤلاء العلماء: د. يوسف نور، وأستاذ أوانغ جبّار، وزين العابدين قدير، وعبدالحميد عثمان، وغيرهم من الشخصيات الدينية. ويرتبط هؤلاء الأفراد بالمؤسسة السياسية باعتبارهم أعضاء في المنظمة الوطنية الملايوية المتحدة.