مافيا الخطف تضرب بغداد مع انتشار الميليشيات الشيعية

هكذا تتم حماية بغداد من خطر الدولة الاسلامية!

بغداد - انتشرت في الأسبوعين الماضيين بشكل واسع ظاهرة الاختطاف في بغداد، إذ يرتدي غالبية من يقوم بالخطف الزي العسكري التابع للقوات الأمنية، أما السكان فيتهمون عناصر من الفصائل الشيعية التي تطوّعت لمحاربة تنظيم الدولة الاسلامية.

أثناء تواجد نوار محسن في محله لبيع المصوغات والحلي الذهبية في منطقة الكاظمية شمال بغداد دخل ثلاثة أشخاص يرتدون ملابس عسكرية وقالوا له بأنه مطلوب للقضاء، ولم يكن أمامه سوى الذهاب معهم، وبعدها بدقائق اكتشف انه تعرض للاختطاف.

تحدث نوّار لموقع "نقاش" الاخباري عن الأوقات الصعبة التي قضاها وهو برفقة العصابة التي اختطفته وأبقته معها ثلاثة أيام بعدما وافقت عائلته على دفع فدية قدرها نصف مليون دولار أميركي، حيث تم إطلاق سراحه ورميه على قارعة الطريق بعدما صادروا نقوده وهاتفه المحمول.

نوار اختار عدم إقحام القوات الأمنية وإبلاغهم عن اختطافه لخوفه من أن يكون الخاطفون هم حقاً عناصر في القوات الأمنية، ويقول إن "العصابة التي اختطفته هي من نفس المنطقة التي أسكنها وبقيت ثلاثة أيام داخل أحد المنازل في منطقتي لأن السيارة التي اختطفتني سارت حوالي خمس دقائق فقط قبل أن يدخلوني في المنزل الذي قضيت فيه أيامي الثلاثة معهم".

بعد الحادثة اختار نوار الانتقال من مكان سكنه إلى منطقة جديدة بعيداً عن الأنظار، وقدم أوراقه الرسمية إلى الأمم المتحدة التي تتضمن طلب الهجرة، ويقول إن "الأموال التي أعطيتها إلى الخاطفين كان بإمكانها إيصالي وعائلتي للسكن في أوروبا والعيش لسنوات بشكل جيد".

العشرات من عمليات خطف مشابهة تتم حاليا في بغداد، حيث إن الحكومة منشغلة بالحرب الدائرة مع تنظيم الدولة الاسلامية على خطوط تماس تمتد من الموصل وصلاح الدين شمالاً الى ديالى شرقاً والأنبار غرباً، خصوصاً بعد نجاح التنظيم في السيطرة على أجزاء واسعة من المناطق والمدن بعد العاشر من حزيران/يونيو الماضي.

وبسبب ازدياد الاختطاف قرر رئيس الوزراء حيدر العبادي تشكيل لجنة لمتابعة الظاهرة الجديدة التي انتشرت وبدأت تثير الرعب بين البغداديين.

أما النتائج التي توصلت إليها اللجنة فكانت مفزعة، إذ تبيّن إن غالبية حالات الاختطاف تتم من قبل أشخاص يرتدون الزي العسكري ويمتلكون سيارات باهظة الثمن تشبه تلك التي يمتلكها المسؤولون الكبار وذات نوافذ زجاجية معتمة.

الجميع في بغداد يعلم جيداً إن هذه المواصفات تنطبق على ثلاث فئات فقط، عناصر القوات الأمنية الحكومية، وعناصر الحمايات الخاصة بالمسؤولين والسياسيين الكبار في الدولة، وعناصر الفصائل الشيعية التي تشكلت لمواجهة تنظيم الدولة الاسلامية او ما اصطلح هلى تسميته بـ"داعش".

المتحدث باسم وزارة الداخلية العميد سعد معن قال لـ"نقاش" إن "قوات الأمن اعتقلت خلال الأيام القليلة الماضية عصابات مختصة بعمليات الاختطاف استغلّت أسماء مسؤولين في الحشد الشعبي ضمن (الفصائل الشيعية) وهويات أمنية مزورة لتنفيذ عملياتها".

وأضاف "في إحدى عمليات إلقاء القبض على عصابة للاختطاف في منطقة الأعظمية شرق بغداد تبيّن إن عناصر العصابة المكونة من تسعة أشخاص يمتلكون سيارات دفع رباعي ويرتدون الزي العسكري أثناء قيامهم بالاختطاف".

ولكن السكان المحليين لا يثقون بتصريحات المسؤولين الأمنيين، ويتناقلون فيما بينهم أحاديث سرية عن قيام عناصر من "الفصائل الشيعية" بعمليات الاختطاف ويخشون إبلاغ القوات الأمنية الرسمية خوفاً من بطش هذه الفصائل التي تمتلك نفوذاً وسلطة على القوات الأمنية الرسمية.

أركان مجيد الذي يسكن حي البياع ويعمل في معرض سيارات في نفس المنطقة، تفاجأ الأسبوع الماضي باتصال هاتفي من رقم مجهول وما إن أجاب حتى أبلغه شخص عبر الهاتف إن ولده الصغير تم خطفه وطلب فدية قدرها 100 ألف دولار لإطلاق سراحه.

أركان قال إنه دفع الفدية وعاد ابنه إليه سالماً، وقال أيضا انه تعرّف على الخاطفين من خلال خطأ ارتكبوه، وهو الاتصال الهاتفي من رقم هاتف لشريحة موبايل من شركة اتصالات معروفة في العراق وليس من خلال اتصال عبر شبكة الانترنت مثلما تفعل معظم العصابات.

صديق أركان الذي يعمل في نفس شركة الهاتف استطاع الوصول إلى صاحب شريحة الاتصال وتبيّن إنه يعود لأحد أبناء جيرانه الذي تطوع للعمل مع الفصائل الشيعية لمحاربة "داعش".

ولكن أركان فضل السكوت أيضاً وعدم إبلاغ القوات الأمنية خوفاً من انقلاب الشكوى عليه، واتهامه بالتحريض وتشويه سمعة الفصائل الشيعية التي تقاتل تنظيم "داعش" منذ شهور.

وكان خطر "داعش" واقترابه من العاصمة بغداد دفع بالمرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني الدعوة الى "الجهاد"، وكانت هذه الدعوة فرصة للعديد من الأفراد العاطلين عن العمل بالتطوع دون مراقبة أي جهة، باعتبارهم متطوعون لمحاربة "داعش".

وكما كان متوقعاً فإن أفراد العصابات الذين تطوعوا مع الحشد ارتكبوا مخالفات كبيرة مثل القتل الطائفي في المناطق السنية التي يدخلون إليها في محافظتي ديالى وصلاح الدين، أما في بغداد فيمارس بعضهم الاختطاف، وهو أمر اعترف به السيستاني نفسه، وطالب أكثر من مرة من الحكومة بطرد هؤلاء المخالفين ومعاقبتهم.

ولا يستغرب الخبير الأمني رشيد السامرائي من حصول هذه الخروقات من قبل عناصر الفصائل الشيعية التي تطوعت لمحاربة "داعش"، ويقول إن "عملية تجنيد هؤلاء تمت بشكل متسرع وخارج الضوابط القانونية".

السامرائي أضاف إن "التطوع في القوات الأمنية الرسمية يتطلّب إن يكون الشخص غير مذنب بقضية جنائية كما يتم سؤال جيرانه في منطقته عن سمعته ولكن عناصر الفصائل الشيعية تم تطويعهم بشكل فوضوي دون التأكد من سيرتهم الذاتية".

قادة الفصائل الشيعية التي تحارب داعش ليس لديهم الوقت للتأكد من سلوك عناصرهم، أما السكان فيدفعون ثمن ذلك وهم اليوم محاصرون بأوضاع أمنية مزرية تتضمن السيارات المفخخة وخطر داعش والاختطاف.