ماضي اليابان في الاسلحة البيولوجية لا يزال يطاردها

الجنرال ماك آرثر سعى لتكوين قنبلة بيولوجية معادلة للقنبلة النووية

طوكيو - في الثلاثينات من القرن الماضي كان العلماء اليابانيون يعملون بجد لتطوير أسلحة بيولوجية داخل الصين التي غزاها واحتلها الجيش الاستعماري الياباني.
ولذا كان مما يدور في معامل العلماء اليابانيين قيامهم مثلا بحقن رضيع صيني لا يتجاوز عمره ثلاثة أيام بمواد سامة ووضعه في مياه مثلجة لاجراء تجارب عليه. وكانوا يقومون بفتح جسد امرأة دون تخديرها لفحص أعضائها غير عابئين بصراخها.
وفي تلك المعامل أيضا كانت هناك الكثير من رؤوس البشر المقطوعة حديثا والموضوعة في قوارير زجاجية وقد بدت العيون جاحظة، وسط مئات من الاجزاء البشرية الاخرى التي وضعت في الفورمالين لحفظها.
وكان مركز برنامج الاسلحة البيولوجية الياباني السري، والذي كان الاكثر تقدما في ذلك الوقت، يقع بالقرب من هاربين في مانشوريا المحتلة في مجمع ضخم للتجارب على البشر يسمى "الوحدة 731".
وبينما يتعلم غالبية اليابانيين اليوم في المدارس ما تم في الحرب العالمية الثانية، فإن كتب التاريخ التي يدرسونها لم تذكر قط الفظائع التي ارتكبتها الوحدة 731 بالجيش الياباني إبان الحرب العالمية الثانية وقبلها. وحتى يومنا هذا ترفض الحكومة اليابانية الاعتراف بالانشطة البشعة لتلك الوحدة.
وقد بدأ برنامج الاسلحة البيولوجية اليابانية عام 1931 بعد عودة طبيب عسكري ياباني يدعى شيرو إيشيي من أوروبا وقد أثاره رؤية بلاد مثل ألمانيا تقوم بتطوير برامج للاسلحة البيولوجية.
وكان إيشيي هو المقابل الياباني للعالم الالماني جوزيف منجيله. وقد شكل الوحدة 731 بعد أن سيطر الجيش الاستعماري الياباني على الصين.
ويقول أحد أعضاء الوحدة السابقين ويدعى يوشيو شينوزوكا، الذي يبلغ من العمر 78 عاما، "كانت القاعدة الذهبية للوحدة هو لا ترى، لا تسمع، لا تتحدث".
وقد شارك شينوزوكا في إنتاج جراثيم التيفود والباراتيفود والكوليرا والطاعون والانثراكس (الجمرة الخبيثة) بداية من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1940.
وكان غالبية الاشخاص المستخدمين كفئران تجارب للاسلحة البيولوجية من الصينيين الذين يتم اعتقالهم بسبب مشاركتهم في مقاومة الاحتلال الياباني. ورغم ذلك كانت الوحدة 731 تقوم باختطاف أطفال ونساء ونقلهم إلى معسكرات الموت الطبية.
ويقول المؤرخون أن أكثر من 3.000 صيني قد استخدموا كفئران تجارب في الوحدة 731.
واستخدمت الكثير من النساء كمختبرات بكتيرية للعلاجات المضادة للامراض التناسلية - وهو الجهد الذي صار مطلوبا مع عمليات الاغتصاب الجماعية التي كان ينفذها الجنود اليابانيون على السكان المدنيين.
واستخدم الجيش الياباني المواد البيولوجية في أنحاء الصين بين عامي 1939 وحتى 1945.
وقال ناجون أنهم يتذكرون رؤية الطائرات اليابانية تطلق عصافير وطيور صغيرة فوق قريتهم. وكانت العصافير ملوثة بالانثراكس حيث يعمل ريشها على نشر البكتريا القاتلة في الهواء مما أدى إلى إبادة القرية، حيث كان ذلك المرض غير معروف في ذلك الوقت ولا يوجد مضاد له.
والآن في عام 2002، تنظر محكمة طوكيو الجزئية دعوى مدنية لـ180 من الضحايا الصينيين أو أقاربهم ممن قالوا أنهم تعرضوا لتجارب وهجمات الاسلحة البيولوجية اليابانية. وكان المدعون قد طالبوا باعتذار وتعويضات من الحكومة اليابانية.
وصدر أول حكم لمحكمة يابانية في القضية عن القاضي كوجي إيواتا بالرفض.
وأقر القاضي إيواتا بالحقائق التاريخية المذكورة في القضية، في سابقة لمحكمة يابانية، إذ لاول مرة أقرت محكمة يابانية بتفاصيل الفظائع التي ارتكبت. لكنه رفض طلب الضحايا قائلا أن القضية قد سويت بالفعل وفقا للقوانين الدولية.
وقال شينوزوكا "إنها أنباء طيبة أن تعترف محكمة يابانية بالحقائق لاول مرة على الاطلاق. لكن الامر الاكثر أهمية هو اعتذار الحكومة اليابانية للصين عما قمنا به".
وقد عاش معظم علماء الوحدة السابقين حياة هادئة بعد انتهاء الحرب، ولم يتحدثوا مطلقا عن أسرار عملهم. لكن شينوزوكا بدأ الاعلان عن تلك التفاصيل في أوائل الثمانينات بعد أن كتب الروائي الياباني الشهير سييتشي موريمورا كتابا عن الوحدة 731.
وكان لرواية "نهم الشيطان" أثر عميق على المجتمع الياباني خلال الثمانينات، حيث لم يكن غالبية الناس يعلمون شيئا عن الفظائع التي ارتكبتها بلادهم في ذلك الوقت.
وعندما انتهت الحرب زحف الجيش الاحمر السوفيتي واحتل مانشوريا وعاد بـ500.000 ياباني كأسرى حرب، كان بعضهم ممن عملوا في الوحدة 731.
وبخلاف محاكمات نورمبرج وطوكيو التي شهدت الحكم على كبار المسئولين من اليابانيين والالمان بالاعدام أو السجن مدى الحياة، فإن محاكمات خاباروفسك في الاتحاد السوفيتي السابق ضد الاسرى اليابانيين انتهت بأحكام مخففة.
فبعد سنوات قضوها في السجن، خرج أعضاء الوحدة 731 وتسللوا إلى اليابان وبدئوا يعيشون حياة طبيعية كمديرين لمستشفيات جامعية وأساتذة في كليات الطب، بل إن بعضهم أسس شركات أدوية.
وبحسب رواية "نهم الشيطان" - التي بنيت على أحاديث لاعضاء في الوحدة 731 ووثائق لم يتم التخلص منها، فإن سلطات الاحتلال الاميركي لليابان بعد انتهاء الحرب، بقيادة الجنرال دوجلاس ماكارثر، أخفت تلك المعلومات ومنحت سرا للعلماء المتورطين حصانة من العقاب.
وتقترح الكاتبة فويوكو نيشيساتو أن دافع ماكارثر من وراء ذلك كان الاستفادة من المعلومات التي توافرت عبر تجارب الوحدة 731 على البشر لاستخدام الولايات المتحدة لها.
وفي كتاب "الحرب البيولوجية: الوحدة 731" الذي نشر مؤخرا لنيشيساتو، تقول الكاتبة أن ماكارثر أراد أن يطور أسلحة معادلة للقنبلة النووية، حتى ينافس هاري إس. ترومان على الرئاسة الاميركية.
وقد فر إيشيي كبير علماء الوحدة 731 من القوات السوفيتية ولم يحاكم مطلقا. وعاش إيشيي في سلام حتى وفاته بسبب سرطان الحنجرة عام 1959.
ويقول شينوزوكا أنه سوف يسعى بكل طاقته للضغط على الحكومة اليابانية للاعتذار عن تجاربها وحربها البيولوجية.
وقال "عن طريق الاعتراف والكشف عما فعلناه في الصين، يمكننا ملاحقة جرائم الحرب ومسئوليات الحكومة اليابانية".