مارلين هاكر ترثي محمود درويش: مات الذي كنت أجرؤ أن أدعوه أخا

الدار البيضاء (المغرب) ـ نزار الفراوي
شعر الإنصات لأوجاع العالم

تقدم الشاعرة الأميركية مارلين هاكر نموذجا بارزا لتجربة شعرية تعتبر القصيدة شهادة على أوجاع العالم وانكسارات القيم الإنسانية٬ بقدر ما تكون توثيقا فنيا للتفاصيل اليومية التي يخرجها القول الشعري من حالتها البديهية لتكتسي دلالات وصورا جمالية خلاقة.

ورغم أن النقد العالمي يحتفي بتجربة مارلين هاكر بوصفها أحد أبرز الأصوات في الشعر الأميركي المعاصر٬ إلا أن الشاعرة بجائزة الأركانة التي يمنحها بيت الشعر في المغرب٬ في إطار معرض الدار البيضاء للكتاب٬ قصية عن موطن المتوجة بالجائزة٬ علما أن الشاعرة سبق أن زارت المغرب قبل ثماني سنوات للمشاركة في المهرجان العالمي للشعر.

وإذ تؤمن مارلين هاكر بالدور المحرض للشعر على فضح ألوان العنف والحيف سواء على الصعيد الفردي أو الجماعي وإعلاء شأن القيم الانسانية النبيلة للحرية والعدالة عبر تاريخ الأدب٬ فإن تجربتها هي الأخرى غدت مصدر إلهام لنخبة أدبية في الغرب٬ كونية الأفق ومنصتة لعذابات مناطق وشعوب تواجه الظلم والاحتلال والبؤس.

لم تنتظر الشاعرة الأميركية أن تأتيها الحكاية٬ بل بادرت الى فتح خطوط التواصل مع مختلف الجغرافيات الإقليمية٬ لا سيما من بوابة الشعر٬ لتصبح الروافد الثقافية المختلفة سبيلها لتوسيع عالمها الشعري المتفاعل مع انتظارات قرائها في سائر الأنحاء. وها هي تجد إقامة ثانية في الأدب الأوروبي٬ وخصوصا الانجليزي والفرنسي٬ بل تسعى منذ ثلاث سنوات الى تعلم العربية من أجل تغلغل أعمق في أسرار قارة ثقافية تراها جديرة بالاستكشاف والتملك.

تحدثت مارلين بلغات ثلاث. قرأت نخبة من قصائدها بالانجليزية. قدمت لتجربتها وتصورها للشعر٬ كوظيفة وكأفق٬ بفرنسية رفيعة٬ غير أنها أصرت على أن تتجشم بين الحين والآخر كلمات بلغة الضاد٬ وإن جاء نطقها عسيرا٬ فإنها كشفت عن الوجه الإنساني النبيل لهذه الأديبة التي صدحت بانفعال هادر٬ توارى أمامه وهن الجسم المعتل بداء السرطان المتثاقل بتعب عقوده السبع: "حمص هي غزة. وغزة هي حمص.. سأكون معهم.. سواء خرجوا من الكنيسة أو الكنيس.. من الجامعة أو الجامع"٬ في إشارة الى تضامنها المطلق مع الشعب السوري في مسعاه الى الحرية.

إلى روح الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش٬ أهدت مارلين هاكر قصيدتها "جديلة ثوم"٬ حيث تقول "ماذا يأتي مع تغير الفصول سوى الخسارة. مات الذي كنت أجرؤ أن أدعوه أخا٬ بتلك البقية من الحياة الجاثمة على كتفه٬ كغراب بين. ألقى رمية النرد الأخيرة. التقى محاوره الأفضل والأخير أياما قبل أن يضطجع على سرير الجراح الذي قد وقد لا يطيل عمر المقامرة".

وفضلا عن علاقتها بالراحل الذي تقول إنه "منح العالم رائحة قهوة أمه"٬ كونت الشاعرة الأميركية صداقات واسعة مع رموز الأدب العربي٬ من عيار الشاعر العراقي سعدي يوسف٬ ومن زخم عبورها الباريسي المطل على ساحة الأدب المغاربي٬ تشكل لها تقدير كبير لأسماء من قبيل كاتب ياسين ومحمد خير الدين ومصطفى النيسابوري٬ وأساسا عبداللطيف اللعبي.

"التجديد في اللغة والأساليب. الإنصات لأنين البشر وعذاباتهم. الكثافة الغنائية المثيرة" بضع سمات تصنع فرادة وعمق التجربة الشعرية لمارلين هاكر٬ حسب ناشرة مجلة بانيبال الشهيرة ورئيسة لجنة تحكيم الأركانة٬ مارغريت أوبانك٬ رغم الظلال السوداء التي تخيم على قصائد يعد الموت٬ المتأتي من المرض والعنف والحرب٬ أبرز تيماتها.

فحضور الموت - كما جاء في تقرير لجنة تحكيم الجائزة - "ظل مسيجا بما يضعف الهلع المتولد منه٬ إذ ظلت قصائد الشاعرة مضمرة لمحبة الحياة والاقبال عليها٬ وهو ما شكل رؤية ثاوية وراء كتابتها الشعرية".

في قصيدة "أنباء صباحية" (ترجمة أحمد أحمد) التي نشرت في كتاب "قصائد لفلسطين" (بالانجليزية)٬ تقول مارلين هاكر: "هل قوطع الدرس بسبب نيران البنادق / أكان هناك ذعر. صمت / ألا تزال ثمة صورة ممزقة تضم أولادا في مطبخ المدرسين / أهم هناك يتلقون بانتباه دروس زمن الحرب٬ مستعينين برموز بديلة للبيت. للكتاب. للخبز." (ماب)