ماراثون العنف في سوريا في لحظته الأخيرة

لا تزال الأطراف الدولية غير متفاهمة على الكيفية التي يتم من خلالها إنهاء الصراع المسلح في سوريا.

أعادتنا حرب تركيا في عفرين إلى تفاهمات أميركية ــ روسية اعتقدنا إنها صارت من ماضي الصراع.

الولايات المتحدة وروسيا ومن ورائهما الاتحاد الأوروبي دافعتا عن حق تركيا في الدفاع عن نفسها على أراض سورية، ضد مواطنين سوريين.

هناك خرائط حاول الأكراد أن يعبثوا بها إذن.

ولكن شيئا من اللامعقول يقع هناك.

لقد سعى الروس إلى أن يجعلوا من الأكراد جزء من الحل. وهو ما كانت الولايات المتحدة متحمسة له من خلال تقديمها الدعم لقوات سوريا الديمقراطية. ما الذي تغير لكي تسمح روسيا بالهجوم التركي على الأكراد في الوقت الذي تتخلى فيه الولايات المتحدة عنهم؟

لم يتعلم أكراد سوريا من الدرس الذي تلقاه أقرانهم أكراد العراق قبل وقت قصير. فجأة تخلى العالم عن أكراد العراق بعد ما كان يدعم وجودهم المستقل بعيدا عن حكومة بغداد لربع قرن.

في لحظة من لحظات الصراع كان الأكراد مفيدين من أجل القضاء على داعش وسواه من التنظيمات الإرهابية في سوريا وهو ما كان موضع اتفاق أميركي ــ روسي. اما أن ينتقلوا إلى الحالة التي قد تتحول إلى نقطة خلاف بين الطرفين فذلك ما لا يرغب الطرفان في حصوله، وبالأخص في ظل استياء تركيا وهي حليف لكليهما.

وإذا ما كان الضغط التركي على الأكراد مفيدا لروسيا من جهة ما يشكله من وسيلة لدفع الأكراد إلى القبول بسيادة حكومية على مناطقهم فإن ذلك الضغط مفيد أيضا للولايات المتحدة من جهة ما ينطوي عليه من تخفيف لمسؤوليتها عن قيام دولة فاشلة جديدة في المنطقة، ستكون موقع خلاف دائم.

ما لم تكن الولايات المتحدة مقتنعة به في أوقات سابقة صار عليها اليوم أن تقبل به بعد أن تحولت حليفتها تركيا إلى جزء من التحالف الضامن للمفاوضات في سوريا.

وكما يبدو فإن التطورات المفاجئة التي شهدها موقف المجتمع الدولي (الاتحاد الأوروبي بشكل خاص) من المسألة السورية قد لفت المشروع الكردي بغلالة من الاهمال. لقد تراجع الاهتمام بالمسألة الكردية واعتبرت مسألة ثانوية مقارنة يما يمكن أن يثمر عن المساعي الدولية التي توحي بالاقتراب من لحظة فاصلة في تاريخ الحرب السورية.

قد يكون توقيت التدخل التركي سيئا، غير أنه ضروري من أجل وضع الأكراد في حجمهم الحقيقي الذي يناسب حضورهم في سوتشي باعتبارهم مكونا اجتماعيا سوريا وليس قوة قتالية، تتمكن من خلالها أطراف دولية من تحقيق بعض المكتسبات على الأرض.

وقائع كثيرة تؤكد أن الروس والأميركان متفاهمون. لكن ما لا يُفهم من ذلك التفاهم يكمن في طريقة النظر إلى صورة سوريا في المستقبل. فهل هي الجثة التي يتقاسمها الغرباء أم هي الجسد المعطوب الذي ستعاد إليه الحياة؟

يبدو المشروع الأوروبي متقدما في طابعه العملي على الكثير من الأفكار التي طرحت من أجل وضع حد للمأساة السورية.

ففي الوقت الذي ينخفض فيه سقف المطالب بالنسبة للمعارضة فإن النظام سيتغير، لكن من خلال آلية تغلب عليها الرغبة في الحفاظ على الدولة السورية بعيدا عن انهيار مفاجئ يُذكر بحالة العراق.

وبالرغم من تعنتها النظري فإن المعارضة ستكون ممتنة لإفساح المجال لها للالتحاق بذلك المتغير الذي سيضمن لها المشاركة في الوصول إلى صيغة حكم، تكون مقبولة بالنسبة للجميع.

في حقيقتها فإن المعارضة السورية لا تملك أوراق ضغط من أجل فرض شروط بعينها، بالرغم من أن خطابها لا يزال انقلابياً.

أما الحكومة السورية فإنها ليست في وضع أفضل، بالرغم من كل ما حققه حلفاؤها على الأرض من انتصارات. الواقع يقول إنها في أضعف حالاتها.

وكما هو متوقع بالنسبة لمصممي الحل السوري فإن الخروج من المتاهة وإنهاء مارثون العنف صارا مطلبين بالنسبة لطرفي الصراع.