ماذا يعني ازدراء الأديان؟

إهانة العدالة

نشر الكاتب الأردني ناهض حتر كاريكاتيراً على صفحته في «فيسبوك» يحمل عنوان «ربّ الدواعش»، ثم حذفه بعد الهجوم عليه، موضحاً أن الرسم يسخر من تصوّر الإرهابيين للرب وللجنة، ولا يمس الذات الإلهية، بل ينزهه عما يتخيله العقل الإرهابي، ومع هذا، وجهت إليه تهم تتعلق بازدراء الأديان، وأثناء توجهه لحضور جلسة محاكمته، أطلق النار عليه وأردي قتيلاً أمام مبنى المحكمة.

قبل حتر، اغتيل فرج فودة، وتعرض نجيب محفوظ لمحاولة اغتيال، وقائمة الذين تعرضوا للمحاكمة وصدرت بحقهم أحكام إدانة بتلك التهم تضم عشرات الصحفيين والكتاب والمثقفين وغيرهم، إذ أغلب الدول العربية لديها قوانين تعاقب على ازدراء الأديان.. والسؤال هو: ما الحق الواجب حمايته بتجريم ازدراء الأديان؟

ففي كل جريمة ثمة حق واجب الحماية، فالقتل مجرم لأنه اعتداء على حق الإنسان في حياته، والسرقة مجرّمة لأنها اعتداء على حق الإنسان في ماله، والقذف مجرم لأنه اعتداء على حق الإنسان في سمعته، أما في ازدراء الأديان، فإن الحق يتجلى في المقدسات الدينية التي يعتنقها ويدين بها المجتمع، وهي واحدة من المقومات التي تقوم عليها دساتير الدول العربية.

وإذا لم يكن ثمة خلاف كبير حول تجريم ازدراء الأديان، فإن ما هو دين ومقدس يحتاج إلى نقاش حقيقي، إذ القضية ليست في أن المقدسات واجبة الحماية، وإنما في مفهوم تلك المقدسات، لأنه من الواضح أن المجتمع الذي يحمي القانون مقدساته، قد يختلف أفراده في تعريفهم لتلك المقدسات.

هذا الاختلاف ليس طارئاً على المجتمع، بل وُلد مع ظهور المقدسات نفسها، سواء في العهد الراشدي من الإسلام، أم في العهود التالية، وإلى يومنا هذا، وإلا ما كانت كل هذه الفرق والمذاهب والتيارات والاتجاهات المختلفة فيما بينها على الصغيرة والكبيرة، حتى داخل التيار الواحد، سواء في العقائد، والفقه، والحديث، والتفسير، والتاريخ.

وإذا كان تصوّر الذات الإلهية مثلاً كذا لدى هذا التيار، فهو لدى تيار آخر مختلف تماماً، وكلا التيارين يرى أن تصور الآخر فيه انتقاص من الكمال الإلهي. فأي التصورين واجب الحماية؟! قد نقول إن تصورات التيار الغالب على المجتمع أولى بالحماية، وهو ما يعني أن الأقلية ليس لديها حق في حماية ما تعتبره مقدساً!

وكيف يمكن فهم أن أتباع هذا النهج يرون كفر أو فسق أو بدعة أتباع نهج آخر، لأنهم يخالفونهم في اعتقادهم في صفات الله، أو لا يوافقونهم في تصورهم لشخصية نبي من الأنبياء، أو يردون عليهم في تأويلهم للآيات.. إلخ، لكن لا يجوز انتقاد اعتقاد هذه الفئة، كأنّ الانتقاد أكثر خطورة وضرراً على المجتمع من التكفير والتفسيق والتبديع؟

وناهض حتر مثلاً، أعاد نشر رسم كاريكاتير يجسد فيه الرسام تصوّرات من يقتلون أنفسهم والآخرين ليعانقوا حور الجنان، وهذا التصوّر عن الجنة يؤذي مشاعر كل من ينزهون الله عن مكافأة القتلة، أو الذين يعتقدون أن النعيم الموصوف مجرد أمثلة حسّية ضربها القرآن للناس، وأن النعيم هو القرب من الله سبحانه وتعالى. فلم تضفى الحماية على تصوّر ولا تضفى على التصورات الأخرى؟

أحمد أميري

كاتب إماراتي