ماذا يجري في العراق؟

هل أن ما يجري في العراق تجاوز حد المعقول ووصل الى اللاعودة في عقل ووجدان العراقيين؟
ألا يُحرك مقتل 202 عراقي دفعة واحدة في حرائق مدينة الصدر والمئات من القتلى الآخرين في مدينة الحرية والأعظمية وغيرها من المدن والحياء في بغداد وباقي مدن العراق ضمير الانسانية الذي ذهب في اجازة مدفوعة الأجر مع دخول قوات الاحتلال الى العراق باسم التحرير ونشر ديمقراطية نموذجية في العراق، ليتوقف نزف الدماء وهي تجري أنهار في عراق الرافدين الخالدين دجلة والفرات، بدلا من أنهار العسل واللبن التي بشر بها المحتل الأميركي شعب العراق؟
المفخخات والانتحاريون الذين يقتلون العراقيين لأنهم وُعدوا بوجبة غداء مع الرسول الأكرم محمد"ص"، أو هكذا تقول أدبياتهم، لم يكتفوا بالتفجير الانتحاري، أو بالريموت كونترول، لأن من يريد للعراق أن يغرق في بحر الحرب الأهلية والطائفية، لجأ مؤخرا الى "حرب تقليدية" قديمة بهجمات يجري تنفيذها بمدافع الهاون وبصواريخ الكاتيوشا، ربما لتكريس مقولة العراق المُقسّم الى كانتونات، والذي دمرت أحداثه القاسية، الانسان العراقي من الداخل وحولته الى كومة لحم سريع الاشتعال والانفجار حتى على أهله.
الموت، والخطف ثم القتل الجماعي لأسر كاملة على الهوية ينتشر هذه الأيام برعب يملأ ضجيجه كل أركان العراق خصوصا بغداد... من مدينة الصدر الشيعية بسكانها الفقراء المهمشين على الدوام، الى حي الأعظمية السني بأهله الطيبين الذين حاول "عثمانهم " الشاب انقاذ العراق من أتون الحرب الطائفية عندما غرق ومات أثناء محاولاته انقاذ أبناء وطنه الشيعة ومن غرق منهم الكثير في حادث جسر الأئمة قبل اكثر من عام.
هل هو هذا قدر العراق أن يصبح الدم العراقي رخيصا جدا بحيث يُقتل على جسر الأئمة بين الكاظمية الشيعية والأعظمية السنية أكثر من الف ومئتين عراقي مرة واحدة باشاعة عن وجود سيارة مفخخة، وليس بالرصاص او بالمدافع كما يجري هذه الأيام؟
بعد كل عملية قتل للعراقيين، يخرج الساسة الجدد ببيانات استنكار وادانة، ودعوات لضبط النفس، وكأنهم يضغطون على "أزرار" تفجير اخرى، أو أنهم يقرأون بيانات مشفرة يحمل تعليمات جديدة للانتقام والانتقام المتبادل الذي يشمل حرق مساجد ونسخ من القرآن الكريم لهذه الطائفة أو تلك.
خطابات متشنجة ومتوترة، واحتقان طائفي يغلف حقيقة الأطماع السياسية لرجالات العهد الجديد، وأهداف اقليمية ودولية ينفذها عراقيون، بعضهم يظن أنه يعمل لوجه الله، وآخرون للوطن، والأكثرية يتحركون بأجندة غيرهمـ ويحسبون أنهم مهتدون.
اليوم فان العراقيين يتبادلون الاتهام بأصل عراقيتهم لأن الشيعة برأي اخوانهم "الأعداء" صفويون، والسنة من وجهة نظر خصومهم يتحدرون من اصول تركية ومن الدولة العثمانية، والأكراد لا يختلف عليهم اثنان انهم ليسوا عربا فاذن هم ليسوا عراقيين!
من وجهة نظر الدين حيث كثرت المرجعيات والفتاوى المكفرة لهذا المذهب أو ذاك، فان الشيعة روافض كفرة يستحقون القتل، وهم أشد كفرا وخطرا من الصليبيين واليهود، وهذا ما ينتشر علنا في البيانات والخطابات ولا يخفي الترويج له عدد من رجالات القوم.
كذلك فان فتاوى أخرى، لكنها في الاتجاه المضاد تضع السنة في خانة النواصب، أو تصنفهم وهابيين! وتبيح قتلهم لأنهم غير مسلمين!
الأكراد طبعا خونة وهم مارقون ومتعاونون مع الصليبي الكافر ويجب قتلهم والحبل على الجرار كما يقول المثل العراقي.
وليس الأمر داخل الطائفة الواحدة، أو حتى بين مكونات القومية الواحدة بافضل منه خارجها.
السنة بانوا منقسمين أكثر من أي وقت مضى، والقتل فيهم يؤشر عليه عدد الاغتيالات التي تتكرر في محافظة الأنبار المغلقة تماما عليهم، بما يجعل أي اتهام للشيعة بانهم يقفون وراء تلك الاغتيالات، يتهافت بسهولة.
ونفس الحال داخل الطائفة الشيعية مع فارق واحد وهو أن المناطق الشيعية غير مغلقة وأن الصراع اذا اندلع بين فصائل شيعية، كما حصل بين منظمة بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الاسلامية، وجيش المهدي وهو الذراع العسكري للتيار الصدري، فان الدم يسيل فيه الى "الرُكَب"... علانية دون استحياء.
الأكراد والتركمان وباقي القوميات ليسوا في وضع يحسد عليه، فالجميع في العراق يريد قضم ما يمكن، من العراق الذي هو مجرد كعكة... وإن تلطخت بدماء وأشلاء الأهل والأحبة، وحطام السيارات المفخخة وشظايا قنابل الهاون التي لا تفرق بين العراقيين. فشل اميركا يستمر كلُّ هذا الموت رغم أن الجميع في العراق وخارجه من دعاة الحل الأميركي اعترف أن المشروع الأنجلو - الأميركي للعراق، فشل فشلا ذريعا، وهذا ما كانت بعض القوى العراقية المخلصة تحذر منه قبل سقوط النظام العراقي السابق.
صحيح أن حجم القمع الذي كان رأس النظام السابق يمارسه والذي لم يستثن حتى البعثيين، دفع بالكثير من العراقيين الى الاعتقاد أن تغيير النظام السابق لن يتم له النجاح الا عن طريق الاستعانة بأميركا وبمشروعها.
كان العراقيون في معظمهم يتمنون أن يحكمهم شارون، رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق والذي لا يُعرف عنه الا القسوة والاجرام، بدلا من البقاء تحت هيمنة نظام صدام وجمهورية الخوف التي أسسها بواسطة عدد غير قليل من مؤسساته الأمنية والاستخبارية.
وفي المناظرات التلفزيونية التي كانت قناة سحر (كوثر) الايرانية تجريها ضمن برنامج قضية ساخنة قبل سقوط نظام صدام، لم يكن يتردد متداخلون أو مشاركون، في التعبير عن هذه الامنية التي تعكس نجاح الادارة الأميركية في خططها التمهيدية "آنذاك" لاسقاط صدام، والتي أوصلت غالبية العراقيين، الى استنتاج يعكس الانهزامية وحجم الاحباط الشديد الذي كان الشعب العراقي يعيشه وهو أن أوراق اللعبة كلها بيد واشنطن.
ولا يمكن أن يتجاهل أي مراقب ذلك الدعم الذي حصل عليه نظام صدام من واشنطن، في الكشف عن العديد من محاولات الانقلاب عليه، ودعمه والسماح له باستخدام طائراته ومروحياته وصواريخه للقضاء على الانتفاضة الشيعية (مارس 1990) في ظل الحظر الذي كان مفروضا على الطيران العراقي، ما جعل معظم الشيعة يقتنعون أن لا حلَّ للعراق الا بالتوجه صوب واشنطن.
هذه الصورة، وبعد شهور قليلة من سقوط النظام، غابت وما عادت موجودة بعد أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة.. بعد أن رحل صدام عن الحكم وبقي نهجه الانفرادي الاقصائي في العراق الجديد، بل وظهر عدد لا حصر له من رجال على شاكلة صدام (مع الفارق) انتشرت صورهم في أرجاء العراق بل وأن احدهم وهو مدير مؤسسة ليس الا، علق صورة كبيرة له عند مدخل المؤسسة، وهو يتحدث كغيره من "المسؤولين" الجدد بنفس نبرة الرئيس السابق.
وبعد أن حلّ الحاكمُ المدني السابق للعراق بول بريمر الجيشَ العراقيَّ، وكافة مؤسساته الأمنية والاعلامية وجد مئات الآلاف من العسكريين أنفسهم فجأة في الشارع. وانتشرت الجريمةُ المنظمة في ظل غياب أجهزة الدولة، وتحول العراق الذي كان جمهورية الخوف في العهد السابق الى جمهورية الرعب، وصار الأحياء من العراقيين، يصفون عراق صدام بأنه الأكثر أمنا واستقرارا، وأتخذ من حالفه الحظ، منهم سبيله الى الهجرة خارج البلاد هربا من الموت المنتشر في كل مكان، بحثا عن الأمن الشخصي. أسلاك شائكة! والزائر لبغداد يجد هذه المدينة قد تأخرت كثيرا عن المدنية وأن عجلة الزمن توقفت فيها منذ أمد بعيد، وتحولت الى جدارية للشعارات المتصارعة المتناقضة بين العلمانيين والاسلاميين، والاسلاميين أنفسهم ليشمل الأمر طائفة واحدة أو حتى جماعة واحدة، وهي محاطة بجدران كونكريتيّة وأسلاك شائكة ترسم حدودا لها مغزى بين الأحياء والمناطق، وهذه تحولت الى كانتونات انعزالية في أغلب الأحيان.
وليس غريبا أن يُكشف النقاب عن هوية الشركة الأميركية التي تصنّع الجدران الكونكريتيّة العازلة في بغداد، ليجد العراقي أنها نفس الشركة الأميركية التي أقامت الجدار العازل في فلسطين.
وفي باقي المدن العراقية فان الوضع ربما يكون مختلفا من حيث الشكل لأن المدن العراقية أكثر تخلفا من العاصمة، ولكنها تشترك مع بغداد في طبيعة الأسوار التي تحيط بالمؤسسات الحكومية وبشكل خاص في المواقع القريبة من قواعد قوات الاحتلال.
والمصيبة أن هذه الأسوار لم تبعد شبح الموت المتمثل في التفجيرات وغارات القصف...الجوية! الشيعة الشيعة... في العراق وخارجه لم يكونوا متفقين على مشروع التعاون مع أميركا لاسقاط صدام، وأصدر كبار مراجعهم الدينيين...في قم والنجف والكاظمية ولبنان فتاوى حرمت الاستعانة بالأجنبي. ومنهم من صرح بذلك مثل آيات الله حسين علي منتظري ومحمد حسين فضل الله وطبعا السيد السيستاني وحسين اسماعيل الصدر وعدد آخر من المراجع المؤيدين للجمهورية الاسلامية الايرانية.
بعض الشيعة العراقيين كالحاج كاظم (مهدي عبد مهدي) المعروف بـ "أبو زينب " والذي كان يقود منظمة مجاهدي الثورة الاسلامية في العراق ومقرها الأهوار جنوب العراق، دفع ثمن معارضته المشروع الاميركي، واعتقل من قبل القوات الأميركية فور دخوله العراق بعد "التحرير"!
وتعرض آخرون ممن كان في ايران وعارض بقوة الاستعانة بالأجنبي لاسقاط صدام، الى قمع مباشر واضطهاد من قبل أجهزة الأمن الايرانية، لاستمراره بعد "التحرير" في معارضة المشروع الأميركي، أن كان كشفه قبل الاعلان عنه عبر وسائل الاعلام، فايران كانت تريد دعم حلفائها العراقيين في العراق الجديد.
الشيعة العراقيون ومن ورائهم ايران، الذين انخرطوا في العملية التي قادتها الولايات المتحدة في العراق، كانوا يعتقدون، أن شهر العسل بينهم والأميركيين، لن يدوم طويلا. وكانوا يخططون للسيطرة على الشارع وعلى مؤسسات الدولة الجديدة، وفرض رؤيتهم كأمر واقع باعتبارهم يمتلكون الأغلبية الأعددية، وهو ما صرح به بشكل واضح السيد محمد باقر الحكيم والذي ما انفك يعبئ العراقيين للانقلاب بطريقة أو بأخرى على الاحتلال من خلال خطب الجمعة التي كان يلقيها في الصحن الحيدري بالنجف حيث مرقد الامام علي بن أبي طالب علبه السلام.
الحكيم وهو مرجع ديني وزعيم سياسي يحترمه العراقيون بمختلف انتماءاتهم الدينية، تمت تصفيته في أغسطس 2003، وقُتل في تفجير مروع لم يُكشف عن خيوطه، كما لم يعرف أحد لماذا استهدفت الاغتيالات المعتدلين من زعماء الشيعة والسنة وعلى رأسهم الحكيم الذي كان أمين عام مجمع التقريب بين المذاهب، ورئيس مجلس الحكم عبد الزهراء عثمان (لاحظوا الاسم الذي يشير الى التسامح الديني الذي كان سائدا في العراق)، والاستاذ الجامعي المعروف عصام الراوي عضو هيئة علماء المسلمين السنية، وغيرهم من دعاة المصالحة والتسامح كالشيخ السني الراحل يوسف الحسان في البصرة العضو البارز في هيئة علماء المسلمين، والدكتور علي العضاض من المجلس الأعلى للثورة الاسلامية..والقائمة تطول. السنّة أما السنّة فان العديد من زعمائهم تعاطا التغيير الجديد بطريقة جعلتهم يصطفون طوعا أم كرها خلف النظام السابق وتحديدا خلف صدام حسين، وهذا أيضا كرّس الطائفية بشكلها المقيت، بعد أن زُرعت بذرتُها في مؤتمر المعارضة العراقية بلندن منتصف ديسمبر 2002 برعاية السفير الأميركي الحالي... زلماي خليل زادة.
السنة في العراق ينادون بمشروع وطني، ولكنهم وقعوا في شرك الطائفية بشنهم الحرب الاعلامية على ايران، وهاجموا حلفاءها العراقيين واعتبروهم مخلب القوة الايرانية الصاعدة.. في العراق الجديد.
معظم قادة السنة من الذين عانوا كثيرا من نظام صدام، استعان برجال أمن وضباط مخابرات النظام السابق للعمل معهم كمرافقين ومستشارين، وهذا الأمر عزز في جدار الشك بينهم وبين الشيعة الذين أصروا على اجتثاث البعث، وتصفية رموزه، دون ان يمنعهم ذلك من الجلوس معهم جنبا الى جنب، تحت قبة مجلس النواب، وفي الحكومة أيضا...مادام...المُخرج عاوز كده!.
سنة العراق نادوا بحل وطني، الا أنهم وكالشيعة، مدوا اعناقهم الى خارج الحدود، ليكرسوا المعادلة الاقليمية التي تعبث بالعراق ولن تساعده للخروج من فم الموت المتواصل.
سنة العراق طالبوا بخروج قوات الاحتلال، ولكنهم اليوم رضخوا للأمر الواقع الجديد، وما كان يردده الشيعة الرسميون، وربط الانسحاب ببناء قوات الأمن العراقية.. بشرطها وشروطها. اسرائيل! المستفيد الاكبر من كل ما يجري في العراق هو اسرائيل، والذين كانوا يتمنون حكم شارون بدلا من صدام، لم ينتظروا كثيرا ليُصرح العديد منهم لمراسلي الفضائيات بعد أقل من شهرين من سقوط الرئيس السابق، أن حرب " تحرير" العراق ربما يكون شارون قادها، أو خطط لها من خلف الكواليس.
اليهود الأميركيون كانوا من مهندسي الحرب على العراق، ومنهم بول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع الذي زار بابل بعد "التحرير" مباشرة ليؤكد ايمانه بالمعتقدات التوراتية، شأنه في ذلك شأن المستشارين الأميركيين اليهود الذين وُضعوا في الوزارات العراقية في عهد الحكومة المؤقتة التي شكلها بريمر.
اسرائيل حضرت بقوة الى العراق عبر شركات متعددة الجنسية في كردستان وبغداد وكركوك وبابل والمدن الأخرى. واهتمت هذه الشركات بشراء الأراضي ونشر رجال الاستخبارات الموساد، ومافيات، تمارس التجسس ولعبة الموت والاصطياد والتفجير واغتيال المفكرين والعلماء واساتذة الجامعات والأطباء وباقي الأدمغة، كما تقوم باقتلاع الآثار ونهبها ليبقى العراق خاويا من أهله ومن تأريخه وحضارته.
وليس بخافٍ على أحد أن أحد أهم أهداف المشروع الأميركي في العراق، هو ضمان أمن اسرائيل والذي تحقق منه الكثير بتصريح رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت أن العالم أفضل بغياب نظام صدام، وهو يقصد طبعا حال العراق الذي لا يسر الصديق!
فتدمير الجيش العراقي وتفكيك الدولة وتقسيم العراق إلى أقاليم ومناطق غير متوازنة، يساعد في تحقيق الحلم الاسرائيلي القديم... من النيل الى الفرات!.
وفي خط مواز لقتل الأدمغة وسرقة الآثار، والاغتيالات والتفجيرات التي لا تميز بين دم وآخر، انتشرت في العراق عشرات المنظمات الماسونية تحت غطاء "منظمات المجتمع المدني" وخصوصا النسوية التي أخذت تروج بشكل علني للالحاد والاباحية والعلاقات بين المثلين والكفر بالأديان والتشكيك بها وبالكتب السماوية والى كره الحجاب الاسلامي.
فما بين قتل التأريخ ومسخ الحاضر، يراد للعراقي أن ينفتح على مستقبل جديد خال تماما من القيم الانسانية.
منذ اليوم الأول لسقوط الرئيس السابق في التاسع من أبريل 2003، شكّل الأمن المفقود في العراق معضلة كبيرة أخذت تزداد شدة يوما بعد آخر حتى أن وزير الدفاع المستقيل دونالد رامسفيلد كان يصرح على الدوام بأن الوضع في العراق لن يتوقف عن التفجر، ولمح أكثر من مرة مع الرئيس بوش وعدد غير محدد من القادة الأميركين السياسيين والعسكريين الى أن العراق، في ظل الاحتلال الأنجلو أميركي على وشك الدخول في مرحلة الحرب الأهلية اذا لم يكن قد دخلها فعلا.
وتحاول الولايات المتحدة ومعها حليفتها بريطانيا، ايجاد مخرج من المأزق العراقي باستمرار ارتكاب الأخطاء القاتلة، ونشر الفوضى "البناءة" التي حصدت أرواح أكثر من 650 ألف عراقي بحسب تقديرات نشرة لانسيت الطبية الدولية، وهجّرت مليونين داخل العراق وحده، ودمرت البنية التحية للدولة والانسان، وتحول العراق الى ساحة لتسوية الحسابات الاقليمية والدولية، وقبل ذلك الى غابة تتصارع فيها الوحوش.
واحدة من الأخطاء الأميركية و البريطانية المتواصلة تكمن في تسليم مسؤوليات الأمن في بعض المدن للحكومة العراقية غير القادرة على حفظ الأمن، والتي تتنازعها أهواء وولاءات لأحزاب العراق في عهده الجديد وهذا سيفنح الباب على مجهول لا يعرف منه الا الموت عندما تتصارع الأحزاب والجماعات على مراكز القوة والنفوذ. كل الطرق تؤدي الى ايران لكن صور الجثث ورائحة المنتشرة في كل مكان، وسياسة الاغتيال وأجواء الرعب هذه، ليست الا جزء من كل في سياسة عامة بدأت من عمليات النهب وفتح الحدود على مصراعيها لكلِّ من يبغي سوءا بالعراق من التسلل اليها في وضح النهار للانتقام!
معسكرات الجيش ومصانع عسكرية بأكملها منها مصنع محركات الدبابات في منطقة الكرخ ببغداد، ودبابات ومدافع، وخطوط نقل الطاقة الكهربائية، تم تفكيكها ونقلت بحسب شهود عيان، لتباع "خردة" في ايران. السيارات الحكومية ومعدات ثقيلة عسكرية ومدنية، تمّ تهريبها الى ايران. وهذه لم تتأخر في ارسال أجهزة استخباراتها الى بلد مفكك يعيش الرعب والفوضى، حالها في ذلك حال العديد من الدول خصوصا، المجاورة وحتى البعيدة.
في السياسة أيضا فان ايران أصبحت قبلة مهمة للسياسيين العراقيين لأنها اليوم لاعب مهم، ومستفيد أكبر مما يجري في العراق، ويجب أن لا تستدعيها الحكومات المتعاقبة!
بعض الجهات العراقية لم يخف رغبته في القيام بدور الوسيط بين ايران والولايات المتحدة، ونذكر هنا السيد عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الاسلامية، وهي محاولة لكي لا يتحول العراق الى ساحة منازلة ايرانية أميركية، ورغبة في تخفيف الاحتقان الدبلوماسي بين طهران وواشنطن على خلفية البرنامج النووي الايراني.
ايران اليوم قادرة على قلب الطاولة على الأميركيين والبريطانيين المتهمين بدعم جماعات عربية انفصالية في خوزستان، وهي لا تتوانى عن توسيع دائرة تحالفاتها لتشمل المعارضين للعملية السياسية من السنة والشيعة، وتنفتح في وقت واحد على الشيعة والسنة والعلمانيين والاسلاميين، وعلى القوميات المختلفة، ويتهمها أكثر من طرف بايواء (أو اعتقال) عناصر بارزة من تنظيم القاعدة كانوا لجأوا الى ايران بعد سقوط حكومة طالبان.
في هذا السياق، لا بد من التوقف عند الأساليب التي اتبعتها ايران في الموضوع العراقي، وآثارها على طبيعة الاصطفافات السياسية حيث لا تركز ايران اهتمامها على الشيعة الاسلاميين، وربما تعتمد عليهم فقط في تمرير برنامجها النووي، وتتخلى عنهم اذا دخلت في صفقة جدية مع الولايات المتحدة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بحماية كيانها السياسي من التفكك والانهيار على غرار ما حصل للاتحاد السوفيتي السابق عام 1991.
ولا نأت بجديد إذا قلنا إن السجال السياسي في ايران بين الاصلاحيين والمحافظين، وبين أقطاب الحكم وأركان النظام، يترك تداعيات مباشرة على الملف العراقي، بل أن العراق هو واحد من أهم الموضوعات التي يحتدم حولها النقاش داخل الجمهورية الاسلامية. فرق الموت تُتهم ايران من قبل أقطاب السنة، وزعماء حزب البعث المختلفين في أقطار الأرض، بأنها تقف خلف العديد من فرق الموت، وهذا ما لم يثبت أو يتأكد لدى السياسيين اللآخرين من الشيعة والأكراد.وعلى العكس فان كل الدلائل، أيدتها تقارير لصحفيين أميركيين مستقلين، أشارت الى قوات الاحتلال التي قامت بتشكيل قوات الأمن الداخلي والشرطة، واعتبرتها مسؤولة عن تأسيسي فرق الموت، التي لا تفرق بين عراقي وآخر مادامت مهتمة بتنفيذ مهمة محددة وهي جر العراقيين الى الحرب الأهلية الشاملة.
ونشهد هذه الأيام جرأة لدى بعض المسؤولين العراقيين وهم يتحدثون أمام الملأ عن أميركيين وبريطانيين، بل وحتى اسرائيليين، يجري اعتقالهم خصوصا البصرة متلبسين في عمليات اطلاق نار على مدنيين أو على الشرطة العراقية.
فالبصرة التي توصف على الدوام بأنها الأكثر أمنا واستقرارا، تشهد هذه الأيام تطورات مثيرة على الصعيد الأمني، ودشنت أيضا ما يمكن وصفها بميزانية انفجارية لتفعيل قانون الاستثمار.
قبل أيام تم خطف خمسة غربيين وهم أربعة أميركيين ونمساوي يعملون في شركة أمنية.كما احتجز خمسة بريطانيين يعملون في شركة حماية أهلية، وهو ما ألقى بتداعياته على مجمل التطورات الأمنية والسياسية في هذه المدينة الغارقة في ظلال النخيل.
وبينما يستمر البحث عن الأميركيين والنمساوي من قبل القوات الأميركية والبريطانية، وكانوا خطفوا على الخط العسكري الذي يخضع لسيطرة القوات الأميركية والبريطانية، فان البريطانيين الخمسة فان مسؤول اللجنة الأمنية في البصرة اللواء علي حمادي، يقول لـ سوس انفو إنهم احتجزوا من قبل شرطة الجمارك العراقية لعدم حيازتهم وثائق اصولية، وحصل تبادل اطلاق نار معهم، جرح على اثرها شرطي من الجمارك وبريطانيان توفي احدهما اثناء نقله الى المستشفى. سوريا بعد ما أخفق العراقيون في الداخل في لملمة شعثهم وغسل جراحهم، هاهم اليوم يممون طرفهم صوب ايران وسوريا.
وبالنسبة لسوريا فان زيارة وزير خارجيتها وليد المعلم الى بغداد، وهي الاولى منذ سقوط نظام صدام حسين، اعتبرها العراقيون نقلة نوعية في العلاقات العراقية السورية، وأنها جاءت على وقع اتهامات لدمشق بمساعدة من تسميهم الحكومة العراقية بـ الارهابيين وايوائهم في سوريا، وقد تزامنت مع تفجير مروع استهدف المدنيين في مدينة الحلة نفذه انتحاري سوري.
طبعا هذه الزيارة يجب ان تُترجم الى واقع عملي بعد تصريح المعلم الذي اكد دعم دمشق للعملية السياسية في العراق، وللحكومة العراقية.
كما أن الزيارة سبقها حوار هاتفي بين أمين عام الامم المتحدة كوفي عنان، أجراه مع الرئيسين السوري بشار الاسد والايراني محمود احمدي نجاد، وقد ركز على الملفين اللبناني والعراقي.
فسوريا تلعب دورا مفصليا في العراق، وهي مع ايران على تنسيق إستراتيجي في معظم الملفات من فلسطين إلى العراق إلى العلاقات العربية الإيرانية. وكلا البلدين له من التأثير الواسع في البنية الاجتماعية العراقية أكثر بكثير مما لأميركا وحلفائها. وسوريا تستفيد اليوم من التعثر الأميركي المكشوف في العراق، ومتحفزة لقطف ثمار الأخطاء الأميركية.
سوريا التي يقيم فيها نحو مليوني عراقي مهاجر، تأوي أيضا قيادات في حزب البعث العراقي، وقد التقى مسؤولون فيها وزير الخارجية الاميركي الاسبق جيمس بيكر الذي يرأس مجموعة دراسات اميركية عن العراق، واذن فان زيارة المعلم الى بغداد ستعزز دور جهات عراقية نادت بفتح حوار سوري ايراني أميركي لصالح العراق، وعقد قمة ثنائية بين العراق وسوريا، أو ثلاثية بين العراق وسوريا وايران....بمباركة أميركية.
فهل ستصبح سوريا وايران أيضا جزءا من الحل في قضية العراق وليس جزءا من المشكلة، وهو ما تردد باستمرار واشنطن ولندن...منذ سقوط نظام صدام؟
وهل سيستعيد العراقيون عافيتهم فيما تتواجد في العراق أعداد من الميليشيات، ومثلها من الفضائيات العراقية المتصارعة، في ظل التحريض الذي تمارسه أجهزة معروفة، دون أن ننسى بالطبع دور حزب البعث العراقي الذي ما يزال على نهجه الاقصائي، مزاوجا بين الحزب الواحد والقائد، وهو المسؤول برأي العارفين، عن الكثير مما يجري في العراق، والذي تعرفه أدبيات البعث في كراسة لم تنتقد ابدا بـ"العنف الثوري ليس ارهابا بل نقيضه"؟ نجاح محمد علي- دبي