ماذا يجري داخل حماس؟

التوزع بين خيارات قد تعصف بوجود الحركة

لا يدّعي مُنشئ هذه الكلمات أنه يعرف ما يجري داخل حركة حماس، ولا يدري كغيره من خصوم الحركة الاسلامية وأصدقائها، ما إذا كانت هناك انقسامات مستجدة تتكتم عليها سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة، وتتجنب السجال العلني حولها، خصوصا اذا كانت هذه الخلافات المفترضة ما تزال تحت السيطرة وقابلة للمعالجات، على قاعدة درء مخاطر الانكشاف، وجبّ شماتة الشامتين بالحركة الأصولية.

ولعل المقترح الذي طرحته كتائب القسام مؤخراً، بإحداث فراغ أمني وسياسي في غزة (حقاً؟) وما أثاره هذا الطرح من إشارات تنم عن حالة يأس معلنة، إزاء عبثية الاستمرار في حمل جمرات القطاع المليء بالبأس والبؤس، وتواصل المكابرة حيال استحقاقات إدارة حياة نحو مليوني انسان، دون مقومات ذاتية أو مساعدات سخية، هو ما سوّغ بناء سؤال غير العارف أعلاه، وبرر التساؤلات حول ما يجري داخل الحركة.

لم ينشأ مقترح خلق فراغ محسوب في غزة فجأة، من غير مقدمات كانت تشي أن وراء أكمة حماس ما وراءها، على ضوء خلافات داخلية بين القيادات السياسية والأمنية أخذت تطفو على السطح مؤخراً، على خلفية استدراج الحركة المحاصرة من حيز تحالفاتها التقليدية إلى ارضية تفاهمات رخوة، تعد بحل أزمات زادت وطأتها في السنوات العشر الماضية، بما قد يؤدي إلى المد في عمر سلطة الانقلاب وفك عزلتها.

ففي غضون الفترة القليلة الماضية، بدت حركة حماس في حيرة من أمرها، متوزعة بين خيارات أحلاها أشد مرارة من غيرها، أولها تلك الوثيقة السياسية المتماهية مع برنامج منظمة التحرير، وهي التي لم توسع هامشاً ولم تحقق عائداً، وثانيها الانفتاح على تيار محمد دحلان الذي قالت فيه الحركة أكثر مما قاله الامام مالك في الخمر، مع ما يمليه ذلك من تبديل في التحالفات الإقليمية، وثالثها خلق فراغ يفتح على انفجارات لا حصر لها.

وزاد الأمر تشوشاً حين بدت حماس بثلاثة أجنحة متمايزة؛ الأول جناح الضفة الغربية، الذي بادر الى فتح حوار علني ومفاجئ مع قيادة منظمة التحرير، (تجاهله إعلام حماس) وبدا أنه غير منسق مع قيادة الحركة في غزة، والثاني الجناح الوازن في القطاع المحاصر، الماضي في الرهان على عدد من العصافير الحذرة فوق الشجرة المصرية، أما الثالث فهو جناح القيادة السياسية المقيمة في قطر، الغارقة في صمت مطبق حيال المتغيرات المتتالية.

على هذه الخلفية، لا مفر من طرح بعض الاسئلة الاستفهامية، مثل هل هذه الاتصالات الجارية على خطوط متعاكسة، تعمل وفق لعبة توزيع أدوار، وعلى قاعدة تفاهمات داخلية مسبقة؟ أم أنه بات لدى كل فرع ظروفه الذاتية وأولوياته وحساباته الخاصة؟ أم أن حماس المعنية بسلطتها بكل ثمن بدأت بالتخلي عن الصفة التي استمدت منها الشرعية، كحركة مقاومة، لصالح معقلها الرئيس، بإقامة إدارة مدنية لتسيير مرافق المياه والكهرباء والرواتب والخدمات اليومية؟

وقد يكون السؤال الأكثر أهمية هو هل أدت الانتخابات الأخيرة إلى تغيير التوازنات الداخلية، انتزعت فيها قيادة حماس الغزية زمام المبادرة من بين أيدي القيادة التاريخية في الخارج، وفرضت رؤيتها على هذه القيادة التي تناور بالعودة إلى الحضن الإيراني، في ظل قلة الخيارات وسقوط الرهانات، وحالة الحيرة وانعدام اليقين وفقدان الثقة، التي يشي بها صمت رئيس المكتب السياسي الجديد الشيخ اسماعيل هنية، وغيابه الكلي عن المشهد الصاخب؟

إزاء ذلك كله، يمكن الاستنتاج أن ما يجري داخل حماس يشير إلى أن قرار الحركة المركزي قد انتقل بالكامل إلى غزة، وأن قائدها الأسير المحرر يحيى السنوار قد بات صاحب الكلمة العليا في ما يخص شؤون وشجون الفرع المهيمن على بقية الفروع الأخرى، وأن المصالحة بين الضفة والقطاع هي آخر الأولويات لدى الممسك بناصية الحل والعقد، في أول أرض وآخرها، تقع تحت سلطة الإسلام السياسي في هذه المنطقة.

يبقى أن آخر الاسئلة وأشدها إثارة للتحسب هو هل اسرائيل بعيدة عن عملية الاستدراج الجارية على قدم وساق، لجر حماس نحو فضاء سياسي جديد، من شأنه إضعاف الحركة وتشتيتها، وربما شقّ صفوفها، وتبديل أفضلياتها، وتحقيق ما عجز الاحتلال عن تحقيقه في حروبه العدوانية الثلاثة السابقة؟

عيسى الشعيبي

نُشر في الغد الأردنية