ماذا وراء انفتاح القاهرة على تل ابيب؟

القاهرة - من منى سالم
حقبة جديدة من التعاون؟

تتجه مصر نحو تطبيع شامل لعلاقاتها مع اسرائيل في محاولة للحفاظ على دورها الاقليمي كطرف مساعد رئيسي في عملية السلام في وقت يبدو فيه ان القيادة الفلسطينية الجديدة تمتلك جسورا مباشرة مع اسرائيل ومع الولايات المتحدة من شانها تقليص الحاجة الى وساطات اقليمية.
فقد اعلنت وكالة انباء الشرق الاوسط الرسمية المصرية الثلاثاء، ان "روحا جديدة" دبت في العلاقات المصرية-الاسرائيلية "تفتح الطريق امام عودة السفير المصري" الى تل ابيب كما اكدت ان مصر ستوقع في 14 كانون الاول/ديسمبر الجاري اتفاق "الكويز" مع اسرائيل والولايات المتحدة (وهو اتفاق لانشاء مناطق تبادل حر في مجال المنسوجات) فضلا عن ان القاهرة ستوقع قريبا اتفاقا لمد خط الغاز المصري الى اسرائيل.
وجاء الاعلان عن هذه التطورات المتسارعة في العلاقات المصرية-الاسرائيلية بعد اقل من 48 ساعة من عملية تبادل هامة للسجناء تم بموجبها الافراج عن عزام عزام وهو درزي اسرائيلي دين بالتجسس في مصر وحكم عليه بالسجن 15 عاما مقابل اطلاق سراح ستة طلاب مصريين كانوا محتجزين من اب/اغسطس الماضي لدى الدولية العبرية.
وكانت المفاوضات حول اتفاقية "الكويز" وحول تصدير الغاز المصري الى اسرائيل مستمرة منذ قرابة عامين ولكن الاتفاقات كانت معلقة بانتظار قرار سياسي من الحكومة المصرية، وفقا للمحللين.
ويقول عماد جاد الخبير في شؤون النزاع العربي-الاسرائيلي في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام ان "اوراق مصر الاقليمية الاساسية وجزءا من علاقاتها بالولايات المتحدة كانت قائمة على دورها في المسالة الفلسطينية وكانت علاقاتها (بالزعيم الفلسطيني الراحل) ياسر عرفات تتيح لها القيام بدور رئيسي في هذا السياق ولكن مع مجئ (الرئيس الجديد لمنظمة التحرير محمود عباس) ابو مازن اوشك هذا الدور على التبخر خاصة بسبب علاقاته المباشرة مع واشنطن ومع اسرائيل".
ويضيف "التحسن الضخم الذي تم بشكل مفاجئ ومن دون مقدمات في العلاقات مع اسرائيل بدا وكأن مصر تريد من خلاله ان تبلغ رسالة للولايات المتحدة بالذات مفادها انها مازالت الرقم الصعب وانها تمتلك مفاتيح الاستقرار الاقليمي من خلال تسخين او تبريد العلاقات مع اسرائيل".
وتابع "ان القاهرة تريد ان تقول +نحو البوابة+ نحو اي تطور اقليمي" مشيرا في هذا السياق الى ان "الاسرائيليين ادركوا مغزى الرسالة لذلك اعربوا عن توقعاتهم بعودة تبادل التمثيل الدبلوماسي والتجاري مع عدد من الدول العربية".
وكان وزير الخارجية الاسرائيلي سيلفان شالوم اكد الاثنين ان السفير المصري ربما يعود الى تل ابيب بعد الانتخابات الفلسطينية المقرر اجراؤها في 9 كانون الثاني/يناير المقبل مؤكدا انها "قد تكون مؤشرا على عودة الممثلين الدبلوماسيين لدول اخرى من شمال افريقيا والخليج" في اشارة الى المغرب وتونس وسلطنة عمان التي اغلقت ممثلياتها في تل ابيب.
ويقول المسؤولون المصريون ان التوقيع القريب لاتفاقات اقتصادية مع اسرائيل هو لاسباب تتعلق اساسا بالمصالح الاقتصادية البحتة وبحسابات قائمة فقط على الربح والخسارة ولكن محللين اقتصاديين يشككون في ذلك ويعتقدون ان القرار سياسي في المقام الاول.
وقال مجلس الوزراء المصري في بيان نشرته الصحف المصرية اليوم ان اتفاقية الكويز، التي تسمح لمصر باعفاء صادرات النسيج المصري الى الولايات المتحدة من الجمارك بشرط ان يكون 7،11% من مكونات هذه المنتجات مصنوع في اسرائيل، ستؤدي الى "عدة مكاسب اهمها جذب استثمارات اجنبية بنحو 5 مليارات دولار وزيادة كبيرة في صادرات النسيج المصري الى الولايات المتحدة لتصل قيمتها الى 4 مليارات دولار خلال عامين".
وتقول اميمة كمال عضو مجلس ادارة شعبة المحررين الاقتصاديين بنقابة الصحافيين المصرية ان هناك "مبالغة كبيرة في الارقام والتقديرات التي اعلنها مجلس الوزراء فالاستثمارات المباشرة في 2001-2002 لم تتجاوز 428 مليون دولار طبقا لتقرير البنك المركزي" وتتساءل "هل يمكن ان يقفز فجاة حجم الاستثمارات لمجرد وجود اتفاقية تسمح باستمرار تصدير منسوجات معفاة من التعريفة الجمركية الى الولايات المتحدة". وتشير الى ان "المؤسسات الدولية تعزو تراجع الاستثمارات في مصر الى سوء مناخ الاستثمار والى بعض القوانين والاجراءات التي تعوق تدفقها وليس الى عدم وجود اسواق للتصدير".
وتضيف المحللة الاقتصادية "ربما تنطبق هذه المبالغة ايضا على الزيادة المقدرة في الصادرات لان حجم صادرات النسيج والملابس الجاهزة الى السوق الاميركية لا يتجاوز 400 مليون دولار".
وتوضح ان "اتفاقيات منظمة التجارة العالمية كانت تسمح لمصر ولعدد من الدول النامية ان تصدر حصصا معينة من النسيج والملابس الجاهزة الى السوق الاميركية بدون رسوم جمركية حتى نهاية 2004 ولم تكن مصر قادرة على تصدير كل حصتها فكيف ستتسع فجاة طاقتها الانتاجية بهذا الحجم".
وتتابع اميمة كمال "ان الارقام التي اعلنتها الحكومة لاضفاء اهمية اقتصادية كبرى على توقيع هذه الاتفاقية ولتبدو كانها المنقذ للصادرات المصرية غير معقولة خاصة ان مصر باتت تتمتع الان بسوق اوروبية مفتوحة بالكامل امام كافة سلعها التي تدخل معفاة تماما من اي تعريفات جمركية طبقا لاتفاقية الشراكة مع الاتحاد الاوروبي التي دخلت حيز التنفيذ في حزيران/يونيو الماضي".