ماذا نفعل بالاخوان المسلمين؟

بقلم: فرانسوا باسيلي

يستخدم نظام الرئيس المصري حسني مبارك الاخوان المسلمين كفزاعة يخيف بها - في الداخل والخارج معا – كل من يطالبه بالتغيير الحقيقي والحرية والديمقراطية وتداول السلطة والحريات المدنيه، وقد نجح النظام في البقاء في السلطة ربع قرن من الزمان وهو يلوح بهذه الفزّاعة ويقوم بعمليات كر وفر- حقيقية حينا ووهمية حينا اخر- مع الاخوان المسلمين لكي يظل سحر الفزّاعة فاعلا في الجميع – وسبب نجاح النظام في هذا هو ان الاخوان المسلمين وحركات الاسلام السياسي المنبثقة منهم والمنشقة عنهم – كانوا دائما يشكلون خطرا حقيقيا – وليس وهميا – على الكثيرين داخل مصر وخارجها، فتاريخ الجماعة مليء بالنشاط السري المسلح، وعمليات الاغتيال ومحاولات الاغتيال.. لعل اشهرها محاولة اغتيال جمال عبدالناصر في ميدان المنشية بالاسكندرية عام 1954 والتي طاردهم على اثرها النظام المصري وصادر نشاطهم تماما في مصر ففروا الى السعودية، التي فتحت لهم ذراعيها نكاية في ناصر من ناحية ولتوافق افكارهم مع الفكر الوهابي السعودي من ناحية اخري. وهو فكر التشدد الديني والاهتمام بالمظهر الديني العام في المجتمع ـ دون الإلتفات الى الجوهر سواء في الوهابية او في الفكر الاخواني – فالاهتمام في الحالتين هو في المظاهر العامة كالصلاة والصوم وحجاب المراه والتحاء الرجل.. اما قيم العمل الجاد والتفاني في تاديته والامانه في التجارة والمعاملة الحسنه والرحمه والعدل وطلب العلم والصدق فلا تجد لها اثرا.
فشل ذلك الفكر في تقديم نموذج ناجح فعال كريم للمجتمع المتلفح بعباءته.. وحالة مصر والسعودية كدولة وكمجتمع وكثقافة لا تحتاج مني الى شرح فالجميع يلمس مدى التدهور الحضاري السائد بهما رغم الاوهام التي يقتاتها الاعلام الرسمي في البلدين.
ولكن ظهرت مؤشرات على ان فزاعة الاخوان المسلمين وما يمكن ان يفعلوه بمصر لو استلموا الحكم فيها لم تعد تكفي لإخراس الذين يطالبون بالتغيير والديمقراطية وتبادل السلطة.. وبدات حركات قوية داخل مصر وخارجها تطالب بالتغيير مهما كانت المخاطرة. ففي الداخل ظهرت حركة "كفاية" المصرية التي راحت لاول مرة في تاريخ مصر تطالب حاكماً مصرياً بألا يقوم بالتمديد لنفسه ولا للتوريث لنجله.
وكان لظهور هذه الجماعة اثرها في شحذ مخيلة الشباب والكبار على السواء في امكانية ان تتحرر مصر من لعنة توريث السلطة التي حكمتها منذ ايام الفراعنة.. ونفخت كفاية في الجسد المصري المتعب روحا جديدة شابة متوثبة متاججة فاذا بالقضاة يهبون هم ايضا رافضين لعب دور شاهد الزور على انتخابات كانت دائما تزور وتطبخ لصالح الحاكم الاوحد.

وإذا بأساتذة الجامعة يهبون بعد القضاة.. ثم المثقفون والكتاب.. ثم الفنانون ثم المرأة ثم الشباب ومع هؤلاء جميعا هب الاخوان المسلمون ايضا..
فخرجت مظاهرة اولى حملت فيها السيدات المصاحف ثم مظاهرة ثانية اختفت فيها المصاحف! وهكذا يبدو ان الاخوان مازالوا في حيرة من امرهم: هل عليهم الاستمرار في تقديم انفسهم كحركة دينيه سياسية معا بنفس الافكار والاطروحات القديمة التي لم تحقق لهم ولا لمجتمعاتهم سوى الضياع والتردي..ام يقدموا صورة جديدة يظهرون فيها وكانهم حركة دينية فقط – او سياسة فقط – او دينية سياسية معدلة ومخففة لا تخيف الاخرين؟
بدأت تظهر الفكرة التي تقول انه قد آن الاوان لاشراك الاسلام السياسي – والاخوان المسلمين في العملية السياسية في مصر – وقرانا لكاتب ليبرالي مرموق مثل د. سعد الدين ابراهيم مقالات بالعربية والانجليزية يدعو فيها لادخال الاخوان في الحركة السياسية المصرية ويقدم رؤية في ذلك لا تخلو من بعض المنطق مستندا الى نجاح حركات اسلامية في بلاد مثل تركيا واندونيسيا وغيرها في تطوير ذاتها والالتزام بقواعد العمل السياسي الديمقراطي. دون تطرف او لجوء الى العنف.
وفي المقابل ظهرت مقالات لعدد من الكتاب الليبراليين من المسلمين وغير المسلمين يبدون فيها مخاوفهم واعتراضاتهم الشديدة على ادخال الاخوان في العمل السياسي بما في ذلك من خلط الدين بالسياسة وهو ما تقف الليبرالية ضده.. مستندين على تاريخ الاخوان في اللجوء الى العنف والمراوغة وعدم الالتزام بالديمقراطية حتى داخل منظمتهم.. هذا بالاضافة الى فكرهم المتشدد المتزمت الذي هو حرّي بان يرجع بالمجتمع في مصر الى قرون مضت. فماذا نفعل مصر بالاخوان المسلمين؟ قبل تقديم افكاري الخاصة بذلك اريد اولا التأكيد على ان هذا هو احد اهم الاسئلة التي على مثقفي مصر والمثقفين العرب عموما – مواجهتها اليوم.. فعلاقة الاخوان المسلمين بالسياسة المصرية والعربية كانت عبر ثلاثة ارباع قرن هي الاشكالية الاساسية التي عرقلت حركة النهضة والتنوير وقدمت للانظمة العربية مبررات اللجوء الى حالات الطوارئ والحكم البوليسي الاستبدادي كما في مصر حتى يومنا هذا. وعلي ذلك فلا يمكن الحديث عن مستقبل عربي او نهضة عربية او حرية مدنية او ديمقراطية وتبادل السلطة الا مع الاجتهاد في مواجهه هذا السؤال: ماذا نفعل بالاخوان المسلمين؟
وللاسف فان معظم ما يكتب في هذا الشان ينقسم الى قسمين: اما مقالات تعارض اي مشاركة للاخوان ودليلها على ذلك تفاصيل تاريخهم في مصر وتفريخهم لجماعات اشد منهم تطرفا قامت باغتيال السادات وانتهت الى حركات العنف والارهاب في بقاع مختلفة من الارض اليوم.. واما مقالات اخرى تبدي تسامحا وعطفا وترحيبا بالاخوان في العمل السياسي استنادا على انهم القوة الشعبية الاوسع في الشارع المصري والعربي اليوم، وبالتالي يظل المعسكران المتخاصمان – المعارض والمتسامح – في حوار طرشان صارخ لا يؤدي الى اي حل لاشكالية علاقة الاخوان بالسياسة. وبذلك تظل النهضة العربية مؤجله الى اجل غير مسمى ويظل الحكم البوليسي وحالة الطوارئ قائمة بلا نهاية. والمطلوب الان هو كتابات وافكار من نوع اخر، فمطلوب من المتسامحين المرحبين بدخول الاخوان الى العمل السياسي ان يقدموا لنا افكارهم وابحاثهم المعمقة عما يمكن احداثه وتقديمه من متغيرات او ضمانات او اساليب تؤدي الى نجاح هذه الخطوة دون الاضرار بمستقبل الديمقراطية والحرية، عليهم التفكير وطرح ما على الاخوان تقديمه من ضمانات واحداثه من متغيرات واعلانه من مواثيق وما على الدولة والنظام تقديمه في المقابل.

والمطلوب من المتخوفين من الاخوان المطالبين بعدم خلط الدين بالسياسة ان يقولوا لنا في نفس الوقت ماذا نفعل بالملايين التي تؤمن بفكر الاخوان واساليبهم اذ ليس من المقبول الاكتفاء فقط ببيان خطورة الجماعة دون تقديم الافكار والبحوث فيما يجب عمله لاستمالة جزء كبير من هؤلاء الملايين وجذبهم نحو فكر اكثر اعتدالا وتحررا وعصرية من فكر الاخوان.. يمكن به انخراط هؤلاء الملايين في العمل السياسي المشروع.. إذ ليس من المقبول الاكتفاء باقصاء الاخوان فليس هذا من الديمقراطية في شيء ولا هو من العدالة وحقوق الانسان في شيء كما ان الاقصاء هو الطريق الاكيد لتفريخ التطرف والارهاب.
نحتاج اذن الى فكر جديد وكتابة جديدة تعلو على فكر الاقصاء والاستئصال للاخر الذي يقدمه لنا معظم الاسلاميين والليبراليين اليوم، كل ضد الاخر.
وبهذا الايضاح اطرح بعض الافكار في هذا الشان:
لم يعد من المقبول اطلاقا في مصر، ولا اي مجتمع عربي اخر، الاستمرار في قبول حالة الطوارئ وتسلط الامن وحكم الفرد او العائلة واحتكار الاعلام واحتكار السلطات ومحاولات التمديد والتوريث الظاهرة والباطنة تحت مبرر الخوف من الإخوان واستيلائهم على السلطة. إن تجربة الربع قرن الاخير في مصر تثبت لنا ان اخطار واضرار الجمود السياسي واحتكار السلطات والدولة البوليسية والفساد الناتج عن عدم تداول السلطة.. وكذلك الانهيار الثقافي والحضاري والاخلاقي الناتج ايضا عن عدم تداول السلطة.
ان اخطار هذا كله لا تقل عن خطر الاخوان على مصر، بل ان الذي حدث هو ان النظام المصري قد ترك الشارع المصري بكل مكوناته الثقافية والاجتماعية والنفسية لتصبح ملكا مشاعا للاخوان وفكرهم وثقافتهم، فتحول الشارع المصري على ايديهم الى حفلة زار هائلة كاملة الصخب والدروشة.. فاصبح الشكل العام للشارع المصري كانه لبلد في القرن الثامن عشر.. حيث الرجال ملتحون مجلببون والنساء محجبات منقبات. والمشكلة بالطبع ليست في الشكل فقط، فالمفجع ان شكل حفلة الزار هذه بما يتطوح فيها من دراويش ومجاذيب هو شكل متسق تماما مع المضمون الحضاري الثقافي للشارع المصري والعربي. فثقافة الشارع المصري – اي الوجدان الشعبي المصري – قد اصبحت على مدى ثلث القرن الاخير ثقافة دراويش انقطعت صلتهم بالعصر وبالحضارة المتأججة على الارض اليوم. وقد فشل نظام السادات ثم نظام مبارك من بعده في تقديم ثقافة بديلة عصرية علمية متحررة متوثبة. فبينما كان النظام يعلن محاربته للتطرف الديني في المجال السياسي والامني الذي يهم النظام كان يتصرف في المجال الثقافي الحضاري العلمي تصرف المنسحب المستسلم المهزوم، فقد عقد النظام صفقة مع شيطان التطرف والدروشة الدينية اعطى فيها النظام روح مصر ووجدانها للشيطان مقابل حصوله على كلمة الامان على منصبه منه.
نظام مبارك إذن ليس هو صمام الأمان امام استحواذ الاسلام السياسي على السلطة، وانما - من واقع تجربة ربع القرن الماضي - فإن النظام هو الذي اضاع روح مصر ووجدانها واسلمها للتطرف الديني والدروشة الدينية والخرافات والفقر الروحي.
والمطلوب اليوم هو انشغال المثقف العربي بالاجتهاد في الفكر والبحث لابتكار وسيلة يخرج منها المجتمع العربي من إشكالية الإخوان المسلمين ودورهم - أو غياب دورهم - في السياسة العربية. وفى اعتقادي أنه لو أنفق المثقفون والمفكرون العرب ولو نصف ما ينفقونه من جهد في الدفاع عن مواقفهم المهاجمة أو المدافعة عن الإخوان المسلمين.. لو أنفقوا جهدهم هذا في البحث عن مخرج خلاق من هذا المأزق المشل لحركة المجتمع ونهضته لكنا قد وجدنا حلاً وإجابة مرضية لهذا السؤال منذ سنوات عديدة.. ولما ضاعت عدة أجيال في غبار المعركة المتصلة حول الإخوان المسلمين ودورهم السياسي من عدمه. لم يقدم الإخوان للمجتمع مشروعاً سياسياً متكاملاً النقطة الأولى في الإجابة على سؤال: ماذا نفعل بالإخوان المسلمين؟ هي دعوتي للإخوان المسلمين أنفسهم بالاشتراك الحثيث في الاجتهاد في ابتكار إجابة لهذا السؤال.
فالغريب حقاً أنه على مر السنوات الطوال التي كان يطالب فيها الإخوان بالسماح لهم بتكوين حزب سياسي يدخلون به غمار الحياة السياسية في مصر، لم يقدم الإخوان للمجتمع بصورة واضحة مشروعاً سياسياً متكاملاً يشتمل على تفصيل - لا لبس فيه - لبرامجهم السياسية التي يريدون على أساسها العمل كحركة سياسية وليس دينية فقط. وإنما كل ما يصدر عن الإخوان هو عدد هائل من المقالات في مجلاتهم، والتصريحات على لسان قادتهم ومرشديهم ودعاتهم.. وهذه كلها - على كثرتها - لا تقدم برنامجاً سياسياً واضحا، ولا حتى منظومة فكرية واضحة. فنحن لا نعرف مثلاً برنامج الإخوان الخاص بدور المرأة في المجتمع وفي الدولة. هل تملك المرأة في برنامجهم الحقوق السياسية الكاملة في التصويت والترشيح لمختلف المواقع السياسية بما فيها منصب رئاسة الجمهورية مثلاً؟
بل حتى لا نعرف موقفهم من قضية الحجاب، وهل سيقوم برنامجهم السياسي على أساس ما يراه بعض دعاتهم من أن الحجاب فرض إسلامي؟ وماذا عن المفكرين الإسلاميين الذين يقولون أنه ليس فرضاً؟ وهل يقبل برنامجهم السياسي ترشيح أو تأييد امرأة ليست محجبة؟
ولا نعرف أيضاً برنامج الإخوان السياسي فيما يخص تطبيق الشريعة الإسلامية..
فهل يقوم برنامجهم السياسي على أساس الدعوة لهذا؟
وماذا عن غير المسلمين الذين لا يريدون تطبيق الشريعة؟ وماذا عن المسلمين الليبراليين الذين لا يريدون مجتمعاً دينياً يعتمد تطبيق الشريعة؟ أليس على الجماعة التي تريد أن تلعب دوراً سياسياً أن تقدم لنا برنامجها السياسي في هذه الأمور؟ أم تكتفي بالتخفي والمراوغة؟
كما لا نعرف البرنامج السياسي للجماعة فيما يخص أقباط مصر، وما يقابلهم من أقليات دينية أخرى في البلاد العربية، فهل للأقباط في برنامج الإخوان السياسي حقوق المواطنة الكاملة التي يمكنهم بموجبها الترشيح والتعيين في كافة المناصب القيادية في بلدهم، من المحافظ لمدير الجامعة لقائد الجيش لرئيس الجمهورية؟ أم أن برنامجهم مازال ينظر للأقباط تلك النظرة البالية باعتبارهم "أهل ذمة "، مثلما طالب مرشد الإخوان السابق أن يمنع الأقباط من دخول الجيش المصري وأن يدفعوا الجزية في المقابل!
كما لا نعرف موقف الإخوان من الإبداع الفكري والفني ومن الفنون بأسرها.. فهل ما يزال موقفهم من الفن أنه والرذيلة سواء بسواء.. والضغط الشديد على الفنانات لكي يتركن العمل بالسينما والمسرح ويتحجبن. وهم بشكل عام ينظرون إلى الفن باعتباره خلاعة ويدعون إلى تدخل الدولة لمنع الأغاني التي يرونها هم أنها خليعة، وسينتهي الأمر إذا ما استمعنا إليهم إلى اقتصار السينما على تقديم الأفلام التاريخية الدينية بالغة الجمود والجدب والتي لا يطيقها ذوق فني مرهف.. كما لابد سيذهب بهم الأمر إلى منع الأغاني والسماح فقط بالابتهالات والموشحات الدينية!
لماذا لا يطرح الإخوان برنامجهم السياسي مفصلاً على الناس حتى نعرف إن كان لهم الحق في تحويل أنفسهم إلى جماعة سياسية؟ وهل هناك جماعة سياسية - أو تريد أن تكون كذلك - بدون برامج سياسية لها؟
النقطة الثانية تتعلق بالإخوان المسلمين كجماعة دينية. فمادامت تريد أن تقدم نفسها للمواطنين كجماعة دينية وسياسية معاً، فبالإضافة إلى التساؤل عن برامجها السياسة لنا أيضاً أن نتساءل عن موقفها الفكري من القضايا الدينية. وعن مدى قدرتها على تطوير الفكر الديني والقيام بدور فعال في قيادة الشباب قيادة دينية مستنيرة. ومن المفيد معرفة إن كان الإخوان قادرين على القيام بالدور الهام المنتظر ممن كان على قدرهم في إحداث الإصلاح المطلوب في أساليب ومفاهيم الممارسات والتفسيرات الدينية.. وفى نشر وعى ديني حديث لا يتخاصم مع العصر ومع العلم ومع الحياة.
فما هو برنامج الإخوان الديني؟ وهل لهم برنامج واضح متكامل منشور؟
فما هو موقفهم من مفاهيم مثل الاقتصاد الإسلامي؟ والطب النبوي؟ وعلاقة القرآن بالعلم والمكتشفات العلمية الحديثة؟ وهل لهم دور تنويري في تحرير المفاهيم التي يقدمها البعض على أنها دينية من العادات والخرافات الاجتماعية؟ هل هذه قضية تهمهم؟ أم أن تركيزهم سيظل على المظاهر الخارجية للتدين؟
من المحزن حقاً أن أحد الدعاة الإسلاميين المميزين - وهو الشيخ خالد محمد خالد الذي كتب عدة كتب في الخمسينات والستينات من القرن الماضي يدعو فيها إلى حداثة إسلامية واعدة ومثيرة - لم تلق دعوته الاستجابة اللائقة ولم تبادر جماعة الإخوان المسلمين باحتضانها ولو كانت قد فعلت ذلك- بدلاً من إطلاق الرصاص على عبد الناصر- لكان لها الدور التاريخي الفريد في تحديث الدعوة الإسلامية والنهوض بالمسلمين بشكل يشابه ما فعلته حركة الإصلاح الديني في أوروبا المسيحية منذ خمسة قرون. ولكنها لم تفعل هذا. على الإخوان المسلمين ابتكار فكر جديد لمصالحة المسلمين مع العصر على جماعة الإخوان المسلمين إذن ألا تكتفي باستمراء موقف الشهيد المضطهد ولا تفعل سوى المطالبة بدورها السياسي بل عليها القيام بالجهاد الحقيقي في ابتكار فكر جديد ورؤى حديثة لمصالحة المسلمين مع العصر وإصلاح الحالة الدينية لأعضائها والانتقال من التركيز على المظاهر الدينية العامة الجماعية إلى التركيز على الروح الدينية المتوثبة المحررة للإنسان ولطاقاته الإبداعية التي خلقها الله به وعندئذ تكون قد قدمت للمسلمين وللمجتمعات العربية كلها أعظم خدمة بشكل سيكون هو الأهم والأخطر في التاريخ العربي.
بدون كل هذه المبادرات والتغيرات لن يكون لدعاوى قبول الإخوان كحركة سياسية أصداء إيجابية لدى الكثيرين من المتخوفين-على حق-من هذه الجماعة. والمطلوب من مفكر مثل الدكتور سعد الدين إبراهيم الذي يدعو باشتراك الإخوان المسلمين - كجماعة وليس كأفراد فقط - في الحركة السياسية في مصر..المطلوب منه هو الإجابة على التساؤلات الحقيقية عن الإخوان وبرنامجهم السياسي وفكرهم الديني. فليس من المعقول أن يقوم مفكر ليبرالي مثله بطرح هذه الدعوى دون أي اعتبار لفكر الإخوان ومنهجهم وكأن هذا ليس بالمهم. الحل لا يكون في إقصاء أعضاء الجماعة النقطة الأخرى التي أود طرحها هو أنني متفهم تماماً لرغبة مئات الآلاف - وربما الملايين - من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في ممارسة دينهم ممارسة كاملة والارتباط به عاطفياً وتاريخياً وثقافياً، ويمكنني أن أتفهم تماماً عاطفتهم المتأججة نحو دينهم وانزعاجهم من كون دينهم قد أصبح محل اتهام وتشكيك من الكثيرين في الغرب - ومن بعض الكتاب المسلمين أنفسهم - يمكنني أن أتفهم هذا لأنه يمكنني ببساطة أن أضع نفسي في مكانهم وأسأل نفسي كيف ستكون مشاعري؟ وهو أمر - على بساطته - يعجز عنه الكثير من المفكرين والمثقفين ومعظم الذين يدعون أنهم متدينون في كل دين.
كما أنه يمكنني أن أتفهم تماماً كيف يمكن أن يشعر المواطن المسلم من أعضاء الجماعة بالظلم وبالإقصاء وبعدم تقدير الدولة والنخبة له رغم أن كل ما فعله هو محاولته إرضاء ربه والالتزام بأوامره. ولهذا قلت من قبل أن الحل لا يمكن أن يكون في إقصاء كافة أعضاء الجماعة من العمل السياسي. ودعوت المثقفين إلى الاجتهاد في ابتكار الوسائل والأساليب لتخطي هذه الإشكالية.. ومنها ما دعوت إليه الجماعة من أخذ المبادرة للنظر إلى نفسها وإعادة النظر في مناهجها ومواقفها والأخذ بأفكار المصلحين الإسلاميين أمثال خالد محمد خالد في باكورة أعماله وأمثال المفكر الإسلامي جمال البنا وغيره.
ومن الاجتهادات المطلوبة التفكير في قيام جماعة للإصلاح والنهضة من أمثال هؤلاء العلماء الإصلاحيين لاستقطاب الشباب المسلم المخلص لدينه والذي لا يريد في نفس الوقت أن يكون في خصومة مع العصر والعلم والحياة. فليس من المستحيل استمالة الكثيرين من الشباب المتعاطف مع الإخوان المسلمين إلى جماعة أخرى تقدم له الدين بمفهوم حديث عصري متفتح مرن. فكل جماعة هي في الأساس قلة متحمسة متشددة في مواقع القيادة والتأثير وأغلبية يمكن استمالتها لديها الاستعداد ولكن ليس لديها التعصب الذي لدى القيادة. ولهذا يمكن لهذه الأغلبية التابعة أن تتبع المتشدد الذي يستثيرها.. أو تتبع غيره إذا استطاع أن ينافس بفكره الجديد المعتدل الأكثر بهاء فيجذبها إليه. وهذا هو ما حدث في العهد الناصري. إذ أن النظام المصري لم يضع في السجون سوى بعض القيادات الإخوانية، بينما استطاع بما قدمه من فكر وطني وثقافة إنسانية وإبداع فني متميز أن يستميل الشباب المصري وقتها.فانصرف الشباب عن فكر الإخوان المتشدد وعاشوا فترة تحرر اجتماعى وفكري هائلة. وهكذا لم تكن الملايين من نساء مصر في تلك الفترة محجبات أو منقبات ولم يقل أحد من العلماء المسلمين وقتها -بما فيهم شيخ الأزهر والمفتي-بأن الحجاب فرض! كما لم يستطيع صوت أن يرتفع من كهوف الماضي ليقول أن الفن والسينما والمسرح والأغاني حرام! ولا قال صوت آخر أن التماثيل الفرعونية الباهرة هي أصنام يجب هدمها، كما يقول بعض الإسلاميين المتشددين اليوم دون أن نسمع للإخوان إعتراضاً أو تصحيحاً لأمر يخص التاريخ المصري الصميم والحضارة المصرية القديمة التي يقف منها بعض الإسلاميين موقفاً معادياً مستهزءاً بخلاف موقف كافة الأجناس البشرية اليوم التي تحج إلى مصر بالملايين كل عام للاقتراب من منابع ذلك الإبداع المدهش الذي قدم لنا أول وأبهى حضارة إنسانية في التاريخ.
إنني أدعو الطرفين -جماعة الإخوان المسلمين ومناصريها القدامى والمحدثين من جهة -وجماعة المفكرين والمثقفين اللبراليين والقوميين واليساريين والعلمانيين من جهة أخرى -أن يقوم كل منهم بدور أكثر فائدة. فيقوم الإخوان بطرح برنامجهم السياسي وأفكارهم الدينية لكي يعرفها الناس ويصدروا أحكامهم عليها وعليهم على أساسها بعد أن يكونوا قد دخلوا في جهاد حقيقي مع النفس للتوصل إلى صيغة عصرية للفكر الإسلامي المنزه عن شوائب العادات الدخيلة والخرافات المعادية للعلم وللإنسان.. مستعينين في هذا بأقطاب الفكر الإسلامي المتفتح الحديث. ومن جهة أخرى تقوم القوى السياسية والثقافية بالاجتهاد لتقديم الحركات الثقافية البديلة.. طارحة فكراً جديداً ومشروعات ثقافية واجتماعية ووطنية مثيرة وخلاقة يمكن أن تستميل الشباب المحبط وتفجر طاقاته الكامنة في نفس الوقت الذي تبتعد فيه عن فكر الإقصاء والاستئصال تجاه المواطنين المنضمين للإخوان والمتعاطفين معهم. ويجب النظر إلى الشباب المتدين نظرة أكثر عطفاً وتفهماً..فهذا الشباب لم يفعل سوى ما يعتقد أنه واجبه الديني..والمطلوب هو تقديم التفهم والمحبة والتواصل مع هذا الشباب لانتشاله من أخطار التشدد الديني والانغلاق الفكري والإنساني ولاستمالته لاستثمار طاقاته في مشروعات إنسانية ووطنية وثقافية أكثر فائدة للفرد وللمجتمع من الكثير من الأوهام والكلام والشعارات والشعائر الخالية من الروح التي تطرحها عليه جماعات الإسلام السياسي.
لقد آن الأوان أن يقدم الجميع كتابات وأفكاراً ومشروعات وبرامج أكثر جدية والكف عن أساليب الهجاء والإقصاء للآخر. حتى نكون جميعاً جديرين بعصر جديد تتنفس فيه الحرية وتنعم فيه بالديمقراطية. فرانسوا باسيلي fbasili@gamil.com