ماذا نخسر بالخطاب الديني

الجميع يعرفون أن أشد الحروب شراسة وضراوة هي الحروب الدينية، وذلك لأن أدواتها على قناعة تامة أنها تحارب باسم الله، فلا ترحم ولا تبقي ولا تذر. وقد استغل ذلك دهاة السياسة وأنشأوا جيوشا ومقاتلين وأطلقوا عليهم اسم مجاهدين وقاموا بتمويلهم وتدريبهم لاستخدامهم عند اللزوم. فماذا تخسر الدول العربية من الحوار مع الشعوب من منطلق ديني؟

أولا: إن القضية المحورية للعرب هي قضية فلسطين التي أحتلها الصهاينة على أساس ديني، ويجب أن لا ننتهج النهج الديني في محاولة استرداد أرضنا المحتلة وإثبات حقنا التاريخي في فلسطين. وإذا حاورهم العرب أو الفلسطينيون على أساس ديني فإنهم سيقفون في جانب والعالم كله في جانب آخر، إذ أن المسيحية واليهودية بينهما أشياء مشتركة، والتوراة تسمى في عرفهم العهد القديم والإنجيل هو العهد الجديد. هناك اتفاق بين الأديان الثلاث أن الله منح فلسطين لليهود ويشهد على هذا الكتب السماوية. ففي القرآن ورد أن الله وهب اليهود فلسطين في الآية "يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ" (المائدة 21) كما ورد في التوراة "سأعطي نَسْلَكَ هذه الأرضَ من وادي العريش إلى النهر الكبير، نهر الفرات." (سفر التكوين: الإصحاح 15، الآية 18). وكذلك، ورد في الإنجيل "ويكون متى أدخلك الرب ارض الكنعانيين والحثيين والأموريين والحويين واليبوسيين التي حلف لآبائك أن يعطيك أرضًا تفيض لبنًا وعسلًا أنك تصنع هذه الخدمة في هذا الشهر" (سفر الخروج 13). وإذا جادلنا في حق الفلسطينيين في فلسطين من منطلق ديني، فإن هذا يعني أننا نقف في وجه معتنقي الديانتين المسيحية واليهودية إذ أن التوراة والإنجيل تنصان على أن الله منح فلسطين لليهود، كما أن القرآن ينص على أن بني إسرائيل فُضلوا على سائر الشعوب في قوله تعالى "يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين" (البقرة 47). لذا لا بد من إلغاء الاعتبارات الدينية والتركيز على الحق التاريخي للفلسطينيين. وهذا المنطق يحرز تقدما مستمرا في الدول الأوروبية، وها هي تناصر الفلسطينيين في الكثير من الجوانب.

ثانيا: إن جيش إسرائيل هو الأقوى في الشرق الأوسط والخطاب الديني يدعو إلى الجهاد طالما أن أرض المسلمين محتلة، لكن تجربة الجهاد التي مرت بها غزة تجعل الناظر يفكر مرة أخرى، فقد ضربت غزة ثلاث مرات وخسرت خسائر بالغة في الأرواح والبنية التحتية، وهي لغاية اليوم غير قادرة على إعادة بناء نفسها بسبب الحصار المفروض عليها. وفي الظروف الحالية يصبح الجهاد عبثا وهدرا للموارد البشرية واللوجستية.

ثالثا: إن الخطاب الديني يبرز اختلاف المذاهب بين المسلمين ويجعل الشيعة في البلدان العربية كالألغام الأرضية، ويمكن أن يحالفوا إيران ضد دولهم. والعراق أبرز هذه الأمثلة التي ما إن انهار النظام السابق حتى دخلت إيران ولاقت الترحيب والاعتزاز.

رابعا: إن الاستناد إلى الأديان في القضايا الكبرى من شأنه أن يعزز التطرف بين الشباب الذين يملؤهم الحماس لإعادة الحكم الديني ونظام الخلافة، خاصة مع وجود الدول الكبرى التي تفهم جيدا أن دعم التطرف الديني من شأنه أن يفكك المجتمعات العربية ويهدم بناها التحتية ويخسرها مليارات الدولارات في خضم الفوضى التي تنشرها الجماعات المتطرفة.

خامسا: إن قسما كبيرا من شعوب الدول العربية مسيحيون فهل يعقل أن تقيم هذه الدول نظام حكم ديني يخلق هوة وانقساما مع المسيحيين الذين هم أسبق من المسلمين في الحياة على الأرض العربية؟

سادسا: كل الأديان لديها ثغرات خطيرة وأنظمتها يعتريها الكثير من الخلل وهي تستند إلى أمور غيبية وقصص لا يمكن التحقق من صحتها، ولا يمكن تطبيقها على نمط الحياة الحالي المعتمد على أسس عملية علمية ومالية واقتصادية وسياسية واستراتيجية، وعبثا يحاول مؤيدو التوجه الديني استخلاص الأحكام من الأديان لمواءمتها مع نمط الحياة الحديث.

سابعا: لنتصور أن قانون العقوبات في كل الدول العربية يلغى ليحل محله قانون العقوبات الديني بكل ما يحتويه من جلد ورجم وقطع الأطراف والصلب والقتل على جرائم ارتكاب الكبائر. إن هذا يعني أن عددا هائلا من الناس سيجلدون ويرجمون ويقتلون حتى بين المسلمين، إذ أن هناك أعدادا كبيرة ممن يشربون الخمر ويزنون وخاصة عندما يسافرون إلى الخارج. فهل ستقام عليهم الحدود؟

والخلاصة هي أن المطالبة بالحكم العلماني لا تنبثق من استهتار بالأديان أو عدم رغبة في إقامة نظام حكم يعتمد على الشريعة، بل أن الحكم العلماني فيه إنقاذ للبلاد والعباد واندماج مع دول العالم الأخرى التي عندما صرفت النظر عن قضايا اللاهوت في نظام حياتها أبدعت وتفوقت وحققت الرفاه والازدهار والحرية والتنمية والرضا بين فئات شعوبها.