ماذا لو لم تكن سوريا؟

بقلم: فاروق يوسف

ما أن أعُلن عن انفجار سياسة مفخخة في حي الاشرفية ببيروت (اتضح في ما بعد أن العملية كلها كانت مدبرة من أجل اغتيال اللواء وسام الحسن) حتى تصاعدت الاصوات منددة بالنظام السوري، كونه مسؤولا وبشكل مباشر عن تلك العملية وذلك الاغتيال السياسي، كما لو ان فرضية مسؤولية النظام السوري عن أية جريمة تقع على الاراضي اللبنانية كانت جاهزة سلفا، انطلاقا من سؤال هو أشبه بالجواب "مَن المستفيد من وقوع هذه الجريمة؟"

بالنسبة لكثير من اللبنانين فان ذاكرتهم لا تنطوي إلا على الصور القبيحة التي انتجها سلوك النظام السوري أثناء الحرب الأهلية وبعدها. ما من شيء سيء إلا وفعلته قوات ذلك النظام التي دخلت إلى لبنان عام 1976 تحت مظلة قوات الردع العربية، لتزيد من شقاء اللبنانيين ومحنتهم وفرقتهم ولتضعهم على مفترق طرق، عنوانه الاستقواء المهين الذي جعل من لبنان حديقة خلفية للبيت السوري.

وحتى حين تم تبادل السفراء بين البلدين نهاية عام 2008، بعد أن سحبت سوريا قواتها من لبنان عام 2005 فان سوريا لم تتصرف مع السياسيين اللبنانيين إلا باعتبارهم فرقاء نفعيين، متوزعين ومتناحرين (كانوا كذلك دائما) يحق لها الوصاية على شروط اتفاقهم، بعضهم مع البعض الآخر ومن خلالهم مارست وصاية على البلد الذي كانوا يتحكمون بمصيره ويسيرون شؤونه وفق مصالحهم الشخصية.

وبناء على تلك المصالح كان لسوريا أعداؤها من بين أهل السياسية في لبنان مثلما كان لها أصدقاؤها. ومنذ أن أغتيل رئيس الوزراء وفيق الحريري (نيسان عام 2005) ثبتت معادلة العداء والصداقة بين فريقين متصارعين، كان لكل واحد منهما أسبابه التي يحدد من خلالها المسافة التي تفصله عن النظام السوري. الأمر الذي يؤكد أن نظام الحكم في سوريا، لم يكن راغبا في أن ينأى بنفسه بعيدا عن التدخل في شؤون لبنان، على الاقل لبعض الوقت من أجل أن يتناسى اللبنانيون العاديون آثار التجربة المريرة والمدمرة والمرعبة التي عاشوها في ظل تحكم الجيش السوري بشؤون حياتهم، صغرت تلك الشؤون أم كبرت.

الآن فيما يخوض النظام في دمشق حربا ضروسا من أجل اخماد نار التمرد الذي يهدف الى اقتلاعه كليا، صار واضحا أن هناك قوى سياسية لبنانية تحاول جاهدة الزج بلبنان في الازمة السورية، سلبا أوايجابا، وفق الثنائية المتوقعة. فمَن كان عدوا للنظام وقف مع الثورة ومَن كان صديقا له وقف ضدها. أما كان من الممكن أن يتبلور موقف سياسي موحد، يدرأ عن لبنان خطر الذهاب أبعد في المشاركة في الازمة السورية، كما لو أنها أزمته؟

الاطراف اللبنانية كلها فعلت الأسوأ حين انساقت إلى الموضع الذي جعل من الازمة السورية محورا جديدا يُضاف إلى محاور تجاذباتها القديمة. من كان يعادي النظام السوري فقد وجد في سجل ذلك النظام الأسود معينا له في تحميله مسؤولية كل ما يقع من جرائم على الارض اللبنانية اما من كان صديقا للنظام فانه يرى في بقاء ذلك النظام نوعا من السند القوي له في مواجهة خصومه الداخليين والخارجيين على حد سواء. وكما يبدو فان الاغتيالات السياسية التي شهدها لبنان منذ عام 2005 قد استُثمرت من قبل الاطراف كلها في سوق هو أشبه بالمزاد، الذي يسعى المشاركون فيه إلى الوصول إلى أعلى الاسعار بأقل جهد ممكن. وإذا ما عدنا إلى السؤال الذي هو أشبه بالجواب "مَن المستفيد من جريمة اغتيال الحسن؟" يبدو احتمال توجيه التهمة الى سوريا مرجحا، وبالاخص بعد فضيحة ميشال سماحة التي كان الحسن عنصرا رئيسيا في الكشف عنها. ولكن الحسن نفسه كان في أوقات سابقة قد الحق ضررا قد يكون كبيرا باسرائيل حين حرمها من عدد من شبكات عملائها في لبنان. فلمَ كانت اسرائيل معفية من ذلك السؤال الذي يتقصى بذكاء الافصاح عن الجاني عن طريق التورية. لم يذكر أحد أسرائيل، باعتبارها طرفا مستفيدا من تغييب شخص وطني مثل وسام الحسن، ولا حتى بالإشارة أوالترميز.

كانت سوريا هي المتهمة الوحيدة. تأريخ النظام السوري في القهر والاذلال والفساد والاستهانة بالمصير البشري يسمح بذلك. بل بأكثر من ذلك. كان العراقيون الهاربون من العراق في سنوات التسعينات من القرن الماضي يشترون من المهربين حكايات جاهزة عما تعرضوا عليه في العراق من فنون التعذيب، وكان أفراد الشرطة في بلدان اللجوء (معظمهم من النساء) يصدقون كل ما يُروى لهم، حتى وإن كان ما يُروى مكررا. فالنظام الذي قام بحملة الانفال (عام 1991) وترك أكثر من مليون شخص من الابرياء يواجهون مصيرهم في الثلج يمكنه أن يقوم بأي شيء متخيل في حربه من أجل البقاء.

لا أحد يفكر في العدالة المثالية. بل لا أحدد يرغب في وجودها.

سيستاء الكثيرون لو تسآلنا: "ماذا لو لم تكن سوريا هي المسؤولة عن اغتيال اللواء اللبناني المغدور؟" ولكن نظرية الاحتمالات قد تخطيء طريقها أحيانا. مَن قتل جبران تويني ومن بعده سمير القصير وقبلهما زعيم الحزب الشيوعي جورج حاوي؟ بالتأكيد لن تكون الجهة نفسها.

فاروق يوسف