ماذا لو طبق الرسول إقصاء 'المسؤولين' في صدر الإسلام؟

مع احترامي لكل ثورة مناضل ضد الظلم، وتقديسي لمجهودات كل الساعين إلى الحرية وانحنائي لكل أولئك الذين ضحوا بكل غال ونفيس من أجل الأهداف النبيلة لشعوبهم، في نفس الوقت، إنني أحمد الله تعالى أنه لم يكن أيام دولة الإسلام الأولى، أثر لأولئك الذين وضعوا قانون العزل السياسي.

لو كان الأمر كذلك، لما قاد خالد بن الوليد أو عمرو بن العاص، أو معاوية بن أبي سفيان، أو أبو سفيان رضي الله عنهم أجمعين، جيوش المسلمين ودولتهم، لو كان هؤلاء في ذاك الزمن لحول هؤلاء إلى التقاعد الإجباري، لأن هؤلاء، بحكم تاريخهم مع قريش ومحاربتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وبطشهم بالمسلمين، لا يمكنهم تولي مسؤولية داخل الكيان الإسلامي.

لما قرأت تاريخ السيد المقريف، رأيت أنه من السابقين الأولين ممن قال للراحل القذافي: لا! ومن أبرز من عرف بنزاهته وصدقه في أدائه السياسي، سواء في ممارسة بعض المسؤوليات السياسية في السلطة أو في المعارضة، تحرم ليبيا من كفاءته وتجربته باسم قانون إقصائي، ليس مستمدا من رب السماء ولا مراع لحقوق أهل الأرض، وضع خصيصا لإسقاط منافسين لأصحاب مشروع معين، ولتفصيل لباس حسب المقاس لطامعين بكرسي الحكم، ولتعبيد الطريق لمن يريد تزعم ليبيا الجديدة.

لو كانت هذه الرغبة الديمقراطية، من غير تجبر ولا إهدار لحقوق الشعب الليبي، ومن غير اختراع إستراتيجيات ملتوية غير نزيهة، لكان حقا مشروعا، ولكن أن تكون وسيلة للتسلط واستغلال خيرات البلاد الكثيرة التي حباه الله ليبيا لأغراض مشبوهة، فهذا ما لا يرتضيه أي حر شريف.

ومن يضع القانون؟ أناس في غالبهم كانوا قاب قوسين أن ينخرطوا في مشروع سيف الإسلام القذافي، "التجديدي أو الإصلاحي"، كان لهم الحظ أن لا يتقلدوا مناصب سياسية كانوا مهيئين لها وطامعين فيها لو تأخرت ثورة 17 فبراير بضعة شهور، أناس لهم الطموح لرئاسة ليبيا والإمساك بها بيد من حديد، وفي ما يبدو ليس لهم النية الحسنة للتخلي عنها بانتخابات شعبية مستقبلية، سيشرعون قوانين جديدة حسب المقاس للإقصاء كما كان يفعله الحكام المتجبرون من ذي قبل، قد تسمى بقانون العزل القبلي، أو قانون العزل الشرعي، أو غيره، كان أجدى لهؤلاء أن يؤسسوا قاعدة صلبة لقضاء حر ونزيه ومستقل عن كل وصاية سياسية أو عسكرية، وبعيد عن أي ضغوطات، فمن أساء يعاقب بقوة القضاء النظيف المستقل، ومن يحرم من حقه المدني، يحرم بحق القضاء الحر الشريف، وفي ما عدا ذلك، الليبيون سواسية كأسنان المشط.

لما استقال السيد المقريف من رئاسة البرلمان الليبي، لم أستطع أن أستوعب العملية السياسية، تمنيت أن تكون الاستقالة للتعبير عن رفض، أو للتعبير عن سخط أو موقف سياسي جديد، أما وأنها امتثالا لقانون شرع على عجل، وفرخ بلا حمل ولا فصال، يراودني الشك أن مسدسات حقيقية أو رمزية وضعت على رأس السيد المقريف، لكي يعلن على خطوته، قد يقول البعض ممن يدافع عن القانون أن الموقف يحسب له، نعم يحسب له، ولكن ماذا يحسب لكم، أيحسب لكم أن تقصوا طاقات كبيرة من المجتمع، وقوى نافذة في البلاد من حقوقها السياسية، قوى وطاقات قد تستكين لظروف ما، ولكن ستنتهج سبل أخرى غير جهرية فرضها آخرون عليهم، قد لا تساهم في استقرار ليبيا، الاستقرار الضروري لأي نمو اقتصادي أو رقي اجتماعي.

الراحل القذافي، سقط لأنه عزل الكثير من شرائح شعبه سياسيا، فخيرهم بين "ما أريكم إلا ما أرى" أو "إنما أوتيته على علم عندي"، وأخشى ما أخشاه أن السيناريو تغير شكلا ولم يتغير مضمونا، تغير حكم القذافي المستبد، واستبدل بجبروت إيديولوجية الثوار.