ماذا في قطر؟

بقلم: مصطفى الفيتوري

لم يتوقع أحد أن تفوز دولة قطر الصغيرة بتنظيم كأس العالم في العام 2022 أمام الولايات المتحدة الأميركية بكل قوتها الاقتصادية وهيبتها الدولية وسلطتها الأدبية على مستويات سياسية ومالية مختلفة حتى في قطر نفسها. ومع ان الدهشة هي سيدة الموقف من فوز قطر حتى امام بقية المنافسين وهم أستراليا واليابان الا أن تأهل الولايات المتحدة للتصفية النهائية وخسارتها امام قطر هو مصدر الدهشة الحقيقي خاصة للأميركيين، وبلغت الدهشة قمتها حين وصف الرئيس الأميركي قرار الفيفا بانه خطأ!

فوز قطر بأستضافة المونديال يخفي تحته ما هو اكبر من الرياضة، وهذا ما يفسر ان يقول الرئيس اوباما ما قاله. أنه مؤشر على ان العالم تغير وأن القدرة على المنافسة ليست دائما مرتبطة بالقوة العسكرية ولا بالهيمنة السياسية ولا حتى بالإقتصاد لأن معايير المنافسة نفسها كما ادواتها تغيرت.

لا زلت أذكر أنني اثناء زيارتي للدوحة في نوفمبر عام 2009 وكانت الحملة لإستضافة المونديال عام 2022 قد بدأت للتو اذكر يومها أن أحد معارفي من الأوروبيين سخر من الحملة واللوحات الدعائية التي تنتشر في شوارع الدوحة قائلا "بيننا وبين 2022 عقد من الزمن" مضيفا قوله "منْ يعرف قطر أين تقع؟" وأحسست ان في قوله شيء من التجني فقلت له من حق قطر كما من حق أي دولة ان تتقدم للمسابقة حتى وان لم تنل الا السخرية!

أن خسارة الولايات المتحدة لإستضافة هذا الحدث العالمي أمام شبه جزيرة قطر هي مؤشر قوي أيضا الى مكانة الولايات المتحدة في العالم والأكثر من ذلك هي مؤشر للأميركيين حكومة وشعبا ان يعيدوا النظر في رؤيتهم لأنفسهم وعلاقاتهم بالعالم. ان ما جرى هو تأكيد على ان العالم لم يتغير فقط وأنما لا يزال في حالة تغير وأن قواعد اللعبة تبدلت وهي لم تعد في يد من يجلس على رأس الطاولة او من يسبق اليها نتيجة قدرته على الجري.

أن عصر التقنية وشبكات الإتصالات الذي مكن أحد مخترقي الكمبيوتر من الوصول الي جهاز باراك اوباما أثناء حملته الرئاسية هو نفسه الذي فتح آفاق جديدة أمام البؤساء والفقراء لينافسوا المتأصلين على الساحة الدولية أكان في السياسة أو في اٌقتصاد.

ومع ان الأستراليين انفجروا غضبا وبدأت الرسوم الساخرة تظهر على الإنترنت ساخرة من قطر وحكومتها بسبب فوزها، الا ان الخسارة الأميركية هي الجديرة بالملاحظة ومحاولة قراءة الخبر أبعد من كونه مجرد أستضافة لكأس العالم بعد 12 عاما كاملة.

أين قطر على الخارطة من الولايات المتحدة؟ أبعد ما يمكن ان تكون موقعا وقدرة وسكانا وثروة وقوة. ولكن أين نافست قطر وماذا يعني فوزها هو المهم.

نافست قطر بالأفكار الخلاقة الجديدة المدفوعة بالوفرة المالية المتأتية من ثروة النفط والغاز وهو ما مكن البلد الصغير ذو المليون ونصف نسمة من تحقيق نمو أقتصادي تجاوز 16% هذا العام وسيصل الى 18% العام المقبل وفق أخر تقارير البنك الدولي وهو ما سيمكن قطر من توفير السيولة اللازمة للبنية التحتية اللازمة لإستضافة المونديال وهي خاصية تفتقدها اميركا المديونة والتي تتجاوز ديونها 130 مرة حجم صادراتها اضافة الى انها تعيش كسادا أقتصاديا لا تبدو ان نهايته قريبة.

ومع ان الكثير من المعلقين الغربيين سيشككون في براءة تصويت الفيفا لصالح ملف قطر معتمدين على ما يقال عن فساد الفيفا والرشا التي لوثت سمعتها الا ان القول او الهمس بأن قطر استخدمت أموالها لشراء الأصوات هو كلام أسخف من أن يٌناقش ذلك أن فكرة أستضافة قطر ولو حتى بالرشوة غير مقبولة وكانت حتى وقت قريب مسخرة ولهذا لا يمكن أن تكون فازت بالإستضافة الا عن جدارة وقناعة لدى المنظمات الكروية الأربعة عشر التي منحتها اصواتها في جولة تصويت سرية مقابل الثمانية أصوات التي نالتها اميركا.

ومع ان الملف القطري أحتوى ما وصفته احد أكبر شركات الإستشارات بعناصر تنضوي على مخاطرة عالية من قبيل تبريد الملاعب الرياضية حيث ستجري المنافسات الا انه يجب أن نتذكر أن الملف وفق الخبراء قد تم اعداده بطريقة احترافية وأستخدم لتسويقه عددا من أبرز أسماء اللعبة في العالم على رأسهم زين الدين زيدان ومدرب مانشستر يونايتد الشهير اليكس فيرجسون وهذه براعة في المنافسة وفي أستخدام المال لتحقيق أنجازات وأن بدأت صغيرة، وهي سابقة في السياسة العربية اذ كم من الدول العربية تتكدس لديها الأموال فلا تعرف كيف توضفها!

الا أن المفلت في الفوز القطري هو الجرأة التي تحلت بها قطر والقائمون على أعداد الملف القطري الى المنافسة فأن تتجرأ على منافسة الكبار في ملعبهم ووفق شروطهم وتتوقع ان تفوز. هي جرأة وشجاعة في العلاقات الدولية قبل ان تكون جرأة في لعب كرة القدم. وهذه الجرأة لم تعد بغريبة عن قطر مند ان اطلقت قناة الجزيرة لتنافس اميركا اعلاميا وفي عقر دارها لتتحول الجزيرة من مجرد قناة اخبارية الى مصدر للأخبار لأميركا نفسها بل أنها نقلت معها قطر (كبلد) من مجرد شبه جزيرة صحراوية تصل الحرار فيها الى 50 مئوية صيفا الى دولة لها اسم وخارطة معروفة وموقع تسهل الإشارة اليه.

أن الإقدام في السياسة كما في الرياضة هو احد أسرار النجاح وهو عدو الخوف الذي يمكن ان يكبل السياسي كما يمكن أن يكبل اللاعب والملاكم وحتى الطفل. وعليه فان أحد اهم مقومات نجاح السياسيين هو عدم التردد او الخوف، وعلينا ان نتذكر أن احد اهم أسباب نجاح أفراد من امثال عبدالناصر هو عدم الخوف.

وعلينا ان ننظر نحن العرب من حولنا ونسأل الى أين وصلت الهند التي تخلينا عن تحالفنا معها أيام عبدالناصر مثلا. فها هي الهند مصدر العالم الاول في البرمجيات الى جانب كونها الأولى عالميا من حيث عدد الفقراء من بين سكانها. ونفس القول ينطبق على الصين التي كانت حتى وقت قريب تكاد تستجدي الغرب واذا بها الآن اكبر مصدر لأميركا واول قوة اقتصادية تنافس الولايات المتحدة على الأقل على مستوى الصادرات. لا الصين ولا الهند تترددتا في اتخاد قرار المنافسة بآليات تمكنهما ان يجيدا استخدامها وهذا بالضبط ما فعلته قطر في ملفها الرياضي.

مصطفى الفيتوري

رئيس قسم ادارة الأعمال باللغة الإنجليزية في أكاديمية الدراسات العليا - طرابلس/ليبيا، وحائز على جائزة سمير قصير لحرية الصحافة للعام 2010