ماذا فعلت الرأسمالية في العراق؟

لقد حولت أميركا - قائدة المبدأ الرأسمالي- العراق إلى جحيم. فالدماء تكاد تصبغ الأفق قبل وبعد الغروب، دماء الشهداء الأبرار ودماء الاغتيالات ودماء الأنجاس الذين تعاملوا مع الإحتلال، هذا إضافة إلى دماء الصليبيين المحتلين، وتفجيرات هنا وهناك، واغتيالات وتصفيات عن اليمين وعن الشمال، فتنة طائفية نتنة زرعتها أميركا، تأكل الاخضر واليابس، وتحصد الاف الأرواح، وتروع ملايين البشر، حرب ضروس أعمتها الأحقاد الدفينة والأفهام المغلوطة، لا تميز بين البشر والشجر والحجر، بنية تحتية مدمرة، فلا كهرباء ولا ماء ولا وقود، حظر تجوال هنا وهناك، ولا يكاد ينفك حصار إلا وقبع اهل العراق تحت حصار اخر، مناظر مرعبة ومروعة، وانتهاكات للأعراض، السجون ممتلئة، وزنانين التعذيب تعج بالعراقيين، والجواسيس كالجيوش مندسة هنا وهناك، وهم منهمكون لإرضاء المحتلين، وكثير من العاطلين عن العمل في بعض البلدان المجاورة للعراق، ومن دول العالم الأخرى، جاء ليعتاش على اشلاء المسلمين في العراق، برتبة سائق محروقات أو عامل صيانة أو جاسوس، أما عن صرخات امهاتنا واخواتنا العراقيات، فقد دوت منذ دخول اميركا العراق، فملئت الافاق وأسمعت كل الدنيا، وكأن الاذان قد صمت، وكأن الأعين قد سملت. ولقد ساءت الأوضاع في العراق إلى حد أن يبيع بعض العراقيين دماؤهم للمستشفيات من أجل لقمة العيش.
لقد كان هدف دول التحالف المعلن، هو اسقاط النظام الدكتاتوري، الذي كان موجودا في العراق، هذه هي الكذبة التي استطاعت اميركا وبريطانيا تسويقها، لتبرير مثل هذه الحرب، ولقد صدقها الكثير من الذين كانوا قد اصطلوا بنار النظام العراقي السابق، ولقد مرت هذه الخدعة على الكثير ممن كان يؤمن بأوهام الحرية والديموقراطية والرأسمالية، ثم استمرت أميركا وبريطانيا بنفس الأسلوب، أسلوب الكذب والتضليل، فبعد اسقاط نظام البعث في العراق، وانتهاء الحجة والذريعة التي كانوا يختبؤون ورائها، جاؤوا بكذبة جديدة لتسويغ أمر بقائهم في العراق، ألا هي بناء عراق ديموقراطي، يعيش أهل العراق تحته بأمن وسلام، وهكذا دواليك. وإن حال العراق اليوم، لأكبر دليل على كذب وبشاعة القيادة الفكرية الرأسمالية، التي تصنع مثل هؤلاء الوحوش ومصاصي الدماء، فهذه القيادة الفكرية هي نفسها التي أنشأت وحوش الأمس أمثال تشرشل رئيس وزراء بريطانيا صاحب المقولة المشهورة "ان الحقيقة في الحرب ثمينة إلى حد أنه لا بد من المحافظة عليها بحرس كامل من الأكاذيب" وهذا يبين إلى أي حد يعتبر الكذب جوهريا في السياسة الرأسمالية.
إن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، كباقي الدول الرأسمالية، هي سياسة الأغنياء وأصحاب الشركات الاحتكارية فيها، أي هي سياسة استعمارية بحتة، ليس فيها مجال للقيم الرفيعة، فهم ينظرون إلى باقي العالم بأنه مزرعة لهم، ولعل وزيرة خارجية أميركا في عهد كلينتون، السيدة مادلين أولبرايت، تعبر عن هذه السياسة في قولها: "إن أميركا هي 'الأمة الضرورة' وهي صاحبة المسؤوليات العالمية، والمستعدة لعمل أي شيء وقتما تريد، وليعلم الجميع أننا نفعل ما نريد، ونغير ما نشاء، ولا تقف في طريقنا عقبات، لأن العالم لنا، العالم للأميركيين". وبهذه النظرة الاستعمارية هم جاؤوا إلى العراق، لا لتخليص العراق من صدام الدكتاتور، ولا لجعل العراق عراقا ديموقراطيا، ولا لنجدة أهل العراق. بل إن ابار النفط العراقية قد اسالت لعاب الرأسمالليين البشعين، فحسبوا حساباتهم، ودبروا أمورهم، وكادوا كيد الليل والنهار للعراق وأهله، ولتسويق هذه السياسة البشعة، ولإقناع البسطاء والسذج من الناس، دبروا أطنانا من الأكاذيب اللازمة لهم، في كل مرحلة من مراحل تنفيذ هذا المخطط الجشع.
والسؤال الذي يطرح نفسه الان، هو أين كانت الدول العربية و"الإسلامية" من مثل هذا المخطط الأميركي الإستعماري؟ فمخطط أميركا لم يكن ليتم، بل لم يكن ليبدأ، دون قواعد قريبة من العراق، ودون أرض تحط الطائرات الأميركية عليها، ودون ميناء ترسوا السفن الأميكية فيها؟ وسأدع الإجابة على مثل هذا السؤال، لأحد رؤساء الدول المجاورة للعراق، لقد صرح الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي قائلا: "لولا ايران لما استطاعت أميركا من دخول أفغانستان والعراق"، وأما بالنسبة لدول الخليج، فإن القواعد الأميركية فيها، قد تصل إلى حجم ربع أو خمس أو سدس تلك الدولة المستضيفة لهذا الضيف اللئيم. مما يدل وبكل صراحة ووضوح، أن الأنظمة المجاورة للعراق- على اختلاف مذاهبها وعلى اختلاف نزعاتها ودعواها – تتصرف تصرف يناقض معتقدات الشعوب التي تحكمها، بل وتناقض كل نوع من أنواع المسؤولية المسداة إليها، بل وتناقض كل معاني السياسة ورعاية الشؤون. الأمر الذي يدل إلى أن هؤلاء الأنظمة، ما كانت يوما تعمل لمصلحة شعوبها.
ويبقى العراق الحزين، في خضم هذا الواقع السياسي الأليم، يتجرع أسوأ أصناف العذاب والمر والهوان، ويتوه في بحور مظلمة من المخططات الأميركية والبريطانية الجائرة المستعمرة، والحكومات العراقية المتعاقبة المصممة بريطانيا وأميركيا، وكل هذا يجري ويحدث، تحت مرأى ومسمع القانون الدولي الجائر، وهيئة الأمم المتحدة المشلولة والعاجزة عن الحركة، والجيوش العربية والإسلامية التي بات الضباط والقادة فيها ينتظرون مناديا من السماء، يحثهم أن يصحوا من سباتهم، وينصروا دينهم وأهلهم في العراق وفلسطين. د. فرج الفقير Abumalic-2006@hotmail.co.uk