ماذا عن رسائل محمد الرطيان


لا أحد من المسؤولين العرب يجرؤ على الكتابة في منصة سابستاك، ليس لعدم حبهم أو حاجتهم للأموال التي ستدر عليهم من الاشتراكات، بل لأنهم أجبن من الإقدام على ذلك إن كانوا مازالوا في بلادهم.


سنتفق على الأغلب على أهمية منصة “سابستاك” ليس للكتاب والصحافيين وحدهم، بل بالنسبة إلى القراء المهتمين بالمحتوى المتميز والأفكار الجديدة. لكن الأهم من ذلك هل يمكن أن تنجح هذه المنصة في عالمنا العربي؟

سأفترض أن وزيرا عربيا ممن تقلد منصبا رفيعا في حكومة بلاده وكان مصدرا للقرارات والأخبار، ولأي سبب ما تقاعد أو أقيل أو عزل “سأترك لكم وضع خيار الأسماء التي تناسب قصتي”!! وليس لدى هذا المسؤول السابق أي عمل اليوم، وليس لديّ أي فكرة إن كان يحصل على راتب تقاعدي أم لا. وبطبيعة الحال لا تعرفون ولا أعرف إن كان يمتلك مدخرات مالية تجعله يعيش مستقرا مع أسرته بقية عمره.

سأفترض اليوم أن هذا المسؤول والوجه الإعلامي والحكومي السابق الذي جاب العالم وتفاوض مع الزعماء بشأن أصعب الملفات السياسية التي تهم بلده، يقدم رسالة إخبارية وأفكارا سياسية بطريقة صحافية، تبيع معلومات مثيرة عن أحداث عاشها وكان شاهدا عليها على منصته الإلكترونية، بعضها مجاني وبعضها الآخر باشتراك شهري.

ماذا تعتقدون؟ ونحن نتحدث عن رئيس وزراء أو وزير خارجية سابق في دولة عربية، أن يكون رصيده من المعلومات والنصائح وقراءة الأحداث الحالية وفق خبرته، وهو يمارس دورا صحافيا بعد أن تفرّغ لحياته الشخصية.

هل ترون ثمة من يشترك من القراء بمنصته الشخصية مدفوعة الثمن؟ دعك من الجهات الحكومية والأمنية فهي بطبيعة الحال ستشترك لتعرف ماذا يكشف وبأي معلومات يضر”أبناء الشعب” ومدى خطورة ذلك على أمنها! نتحدث هنا عن عامة الجمهور الباحث عن المعلومة والفكرة، وقراءات الأحداث السياسية وحقيقة ما جرى بالأمس واليوم.

أرى أنها أروع تجربة ستتلقفها وسائل الإعلام وتشترك فيها، لكن ويا للخيبة! لا أحد من المسؤولين العرب المقالين أو المستقيلين يجرأ على القيام بها. دعك من حسابه التقليدي على مواقع التواصل، فهو لن يكتب فيه ما يضر أو يكشف ما كان خافيا. نتحدث هنا عن منصة معلومات وأفكار ثمينة منحتها له التجربة السياسية واشتراكه في صناعة القرارات المصيرية التي مست البلاد وعلاقاتها مع المجتمع الدولي.

أقول، لا أحد من المسؤولين العرب يجرؤ على ذلك، ليس لعدم حبهم أو حاجتهم للأموال التي ستدر عليهم من الاشتراكات، بل لأنهم أجبن من الإقدام على ذلك إن كانوا مازالوا في بلادهم التي خدموا فيها. الأسوأ من جبنهم قمع حكومات بلادهم لمثل هذه الأفكار بذريعة أنها “تمس الأمن القومي للبلاد”!

لقد فعلها دومينيك كامينغز الصحافي والسياسي والمستشار الإعلامي المطرود لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون.

هذا الرجل الممقوت في بلاده من قبل الناس ومن وسائل الإعلام أيضا بعد أن تعامل معها بغطرسة أثناء وجوده في موقعه الحكومي، وبعد أن غادر الباب الأمامي لمبنى الحكومة البريطانية حاملا صندوق حاجياته الشخصية، فتح صندوقه السياسي على منصة “سابستاك” الإلكترونية لبيع الرسائل الإخبارية.

يوصف إرث كامينغز السياسي والإعلامي بأنه عبارة عن تنمّر وخداع وعجرفة، وعندما خرج من منصبه الحكومي اتفق أغلب السياسيين على أن مغادرته فرصة لإعادة “الاحترام والنزاهة والثقة” بين النواب و10 داونينغ ستريت.

منصة “سابستاك” التي مازالت غريبة بعض الشيء عن المستخدمين العرب بدأت تستقطب كبار الكتاب والصحافيين الذين قرروا الاستقالة من أعمالهم والتوقف عن كتابة الأعمدة في صحف كبرى، لينشروا مقالاتهم المقروءة بمقابل اشتراك من قبل قراء مازالوا متلهفين إلى أفكارهم ومستعدين لدفع مقابل مالي للاشتراك فيها. تمتلك على سبيل المثال الكاتبة والمؤرخة الأميركية هيذر كوكس ريتشاردسون عشرات الآلاف من المشتركين على “سابستاك” ويُعتقد أنها تكسب مليون دولار سنويا من جمع مبلغ خمس دولارات من كل مشترك برسائلها.

أما كامينغز الذي وصفه أحد الوزراء البريطانيين من الذين تعاملوا معه بأنه أسوأ من كتلة كثيفة من اللحم المفروم، فقد مارس لعبته الصحافية هذه المرة على منصة “سابستاك” بوجهين أحدهما يعرض مجانا فقرات وإعلانات مشوقة لأفكاره ورسائله الصحافية والسياسية، وللمهتمين بها عليهم أن يشتركوا مع الوجه الآخر المدفوع بمنصته كامتياز للاطلاع على تلك الرسائل مقابل عشرة جنيهات إسترلينية شهريا.

ليست لدي أي معلومات عن عدد المشتركين على منصة دومينيك كامينغز، لكننا لو افترضنا جدلا أن لديه خمسة آلاف مشترك، وهذا رقم محدود جدا، فهذا يعني أن هذا الصحافي والمستشار الإعلامي السابق لجونسون سيجمع أكثر من خمسين ألف دولار شهريا قبل استقطاع نسبة المنصة والضرائب.

ألا يدفع هذا المبلغ مثلا وزراء سابقين في حكوماتنا العربية للمجازفة! “آمل ألا يأخذني التفاؤل أكثر مما ينبغي، وأنا الذي وصفتهم بالجبناء في بداية هذا المقال”!

لا يلوم جون نوتون الناقد البريطاني المعني بالشؤون الرقمية كامينغز على ذلك العرض مفترضا أنه بلا راتب حاليا بعد خروجه من مبنى الحكومة البريطانية. مع أن نوتون الباحث الأيرلندي وأستاذ التكنولوجيا في الجامعة المفتوحة يرى أن الحساب الذي يقدم رسائله باشتراك هو كالمجاني عندما يتعلق الأمر بأفكار كامينغز نفسه!

ويرى أيضا أن هذه المنصة تسد فجوة إخبارية في إيصال المعلومات إلى المجتمع، لكنها في الوقت نفسه عندما تكون محجوزة لأولئك الذين يستطيعون تحمل الاشتراك الشهري فإن إمكانات المساواة على الويب تتضاءل، عندما يترك المستخدمون الأفقر للعروض “المجانية” الملوثة من خلال النقر والتلاعب الخوارزمي.

سنتفق على الأغلب على أهمية منصة “سابستاك” ليس للكتاب والصحافيين وحدهم، بل بالنسبة إلى القراء المهتمين والباحثين عن المحتوى المتميز والأفكار الجديدة. لكن الأهم من ذلك هل يمكن أن تنجح هذه المنصة في عالمنا العربي؟

من هم الناجحون العرب على منصات التواصل الاجتماعي؟ نعرف كثيرا أولئك الذين يقدمون لنا دروسا ممتعة في الطهي، ويجمعون ملايين المتابعين، لدينا أيضا العارضات والمروجات للإكسسوارات، المطربات، النساء الجميلات… ماذا عن صانعي الأفكار؟

لدي نوع من الأمل عندما أتحدث عن صديقي الكاتب والشاعر السعودي محمد الرطيان الذي جمع أكثر من مليوني متابع على حسابه على تويتر مع أنه لا يقدم غير أفكاره المعبرة والحكيمة في نصوص قصيرة، دعونا نخمن كم من المتابعين العرب سيشتركون بحسابه المدفوع والمفترض على منصة “سابستاك”.

مهما يكن من أمر، فالحقائق نادرة بشكل متزايد ويصعب الحصول عليها في العالم العربي ورسائل المعلومات الصحافية المطلوبة باهظة التكلفة بشكل متزايد.