ماذا ستخسر موسكو برهانها على النظام السوري

بقلم: م. عبد الله زيزان

لا زال التخبط سيد الموقف الروسي حيال الملف السوري، فلم تستطع موسكو حتى اللحظة حسم أمرها تجاه الثورة هناك. فهي تتقدم خطوة وتتراجع اثنتين في اتجاه الانفكاك عن النظام السوري. وهي في نظر الكثير من السوريين تراهن على نجاح النظام بقمع الاحتجاجات في الشوارع السورية وعودة الأمور إلى سابق عهدها قبل الخامس عشر من آذار الماضي.

ربما كان ذلك لأن موسكو لم تدرك بعد حقيقة الأوضاع في سوريا، فهي تعتقد أن الكفة لا زالت تميل لصالح النظام، وبالتالي هي تحاول الحفاظ على علاقتها المميزة مع هذا النظام حفاظاً على مصالحها الخاصة في سوريا.

أما في سوريا فلم يعد خافياً حتى على أصغر طفل ينزل إلى الشارع متظاهراً أن الإدارة الروسية لا تنظر إلى القضية السورية من ناحية أخلاقية أو مبدئية. بل تتعامل من منطلق المصالح الخاصة فقط. فعقود الأسلحة وحدها بين دمشق وموسكو تقدر بمليارات الدولارات، وبالتالي فإن المخاطرة بخسارة مثل هذه العقود هو دافع قوي للوقوف ضد أي قرار يدين سوريا أو قد يؤدي إلى إسقاط النظام هناك.

لكن المصالح وحدها يبدو أنها لا تكفي لفهم الموقف الروسي من الثورات العربية عموماً، فمثلاً موقفها المؤيد لنظام "مبارك" في مصر لا يمكن وصفه ضمن معادلة المصالح، فمصر كانت بعهد مبارك ورقة أميركية بامتياز، فكيف يمكن تفسير وقوفها إلى جانب النظام المصري آنذاك؟

لعل ما كشفته بعض المصادر الروسية مؤخراً يوضح جزءاً من الصورة المشوشة لمواقفها من الربيع العربي، فروسيا على ما يبدو تخشى من وصول المد العربي إلى أراضيها، حيث كشفت تلك المصادر أن التدريبات الأخيرة للجيش الروسي كانت تهدف ضمناً التدريب على مواجهة نشوب أعمال شغب في الأراضي الروسية كما تحدث الآن في عدد من الدول العربية، وقد ورد ذلك في الصحيفة الروسية "آر بي كيه ديلي" والتي نقلت عن مصادر في الجيش الروسي أن التدريبات كانت لمواجهة "الحروب الصغيرة الجديدة" كما وصفتها تلك المصادر.

إذا يتلخص التخوف الروسي من الربيع العربي عموماً ومن الثورة السورية خصوصاً في أمرين، أولهما المصلحة الاقتصادية الروسية والثانية الخوف من وصول مثل تلك الاحتجاجات إلى أراضيها أو حتى بعض الدول الحليفة لها في آسيا الوسطى كطاجيكستان وبيلاروسيا.

ولكن على المدى البعيد هل ستعود هذه السياسات بالخير على روسيا واقتصادها، وهل بتلك المواقف ستحافظ روسيا بالفعل على مصالحها في المنطقة العربية؟

الواقع يشير إلى خلاف ذلك، لأن الكفة الآن بدأت تميل بشكل واضح تجاه الشعب السوري، وبدا واضحاً أن الإصرار العظيم والمتزايد لدى الشارع السوري المطالب بحريته سينتهي في آخر المطاف بالإطاحة بالنظام السوري. حينها كيف ستبرر موسكو موقفها تجاه الشعب السوري والحكومة السورية الجديدة والمنتخبة؟ وهل سيقبل السوريون الاستمرار بالعقود الروسية، وهل سيقبل الثوار فتح استثمارات روسية على الأراضي السورية؟

ربما هذا ما دفع الروس مؤخراً "لمغازلة" الشارع السوري بتوجيه رسالة "حنونة" تجاه النظام السوري تطالبه فيه بتخفيف القبضة الأمنية والإسراع بالإصلاحات التي وعد بها "بشار الأسد". لكن هذه النبرة الجديدة ليست كافية، فهي لن تقنع أهالي الضحايا الذين نزفت دماء أحبابهم في شوارع سوريا، ولن يكون لهذه النبرة صدىً في ظل انتشار حالات التعذيب الوحشية في السجون والمعتقلات وحتى في المدارس السورية.

إن تأخر الإدارة الروسية في حسم أمرها من النظام السوري سيؤدي بها إلى خسارة جميع استثماراتها في سوريا. وستخسر بموقفها هذا الشعب السوري بالكامل. ولن يرحم التاريخ لها وقفتها هذه، كما أن الأجيال القادمة لن تتسامح معها.

م. عبد الله زيزان

abdullahzizan@gmail.com