ماذا ستحمل واشنطن لدمشق بعد ثماني سنوات من التهوّر؟

دمشق - من حسن سلمان
'تغيير الاشخاص لا يعني تغيير السياسة'

ينشغل الشارع السوري في هذه الأيام بالحديث عن العلاقات السورية-الأميركية في ظل الإدارة الأميركية الجديدة.

ويبدي السوريون ارتياحا نسبيا حول شخصية الرئيس باراك أوباما التي ينعتها البعض بالهدوء والاتّزان بخلاف سلفه "المتهور" جورج بوش، غير أن بعضهم يميل إلى الاعتقاد بأن وجود رئيس أسود في البيت الأبيض لن يُغيّر شيئا في السياسة الأميركية التي تحكمها سلسلة من الأولويات لا تنتهي عند حماية إسرائيل أو "التكفّل بأمنها".

وإذا كانت بعض وسائل الإعلام السورية "المتفائلة" تتوقع في افتتاحياتها انفراجا نسبيا في العلاقات السورية- الأميركية التي شهدت توترا كبيرا في السنوات الثماني لإدارة بوش، فإن مدوّنات وتعليقات تنشرها بعض المواقع الإلكترونية لا تبدو متفائلة كثيرا بعهد أوباما الذي "يقدم الولاء والطاعة لحكماء صهيون"، حسب أحد المدونين.
ويقول الإعلامي موريس عائق "قبل أن نركّز على ما قاله أو سيقوله الرئيس الأميركي الجديد أو المواقف التي سيعلن عنها، علينا أن نستقرئ اللغة التي يستخدمها، فأشد المتشائمين وأكثر المتفائلين به متفقون- إلى الآن على الأقل- أن لغته مختلفة عن لغة سلفه، منهم من قال أنه أكثر عقلانية ومنهم من قال أنه أكثر روية ومنهم من قال أن لغته لغة السياسة المبنية على المنافع والمصالح المشتركة".
ويؤكد عائق أن التصريحات التي صدرت عن أوباما حول موقفه من قضايا العرب والصراع العربي الإسرائيلي لا تُعدّ كافية "لاتخاذ قرار أو لإصدار الأحكام، بل علينا الانتظار لنعرف أسلوبه في التعبير عن مواقفه، فهل حقاً سيحاور؟ هل حقاً سيفاوض؟ هل سيكافئ ويعاقب؟ هل سيتسرع ويتهور؟ تلك هي برأيي الأسئلة الأهم والأصعب، وحين نلحظ الإجابة عنها يمكن حينها أن نكون متفائلين أو متشائمين."
وفي قراءته لملامح السياسة الخارجية لإدارة أوباما يقول المحلل السياسي عمر كوش "صدرت عن الإدارة الأميركية الجديدة إشارات عديدة حول ملامح السياسة الأميركية، لكن ما صدر حتى الآن لا يشكل تحولاً كبيراً في النظرة إلى النزاع العربي-الإسرائيلي وكيفية حله، مع أنه يتضمن إشارات تشي بأنها تضع هذا النزاع بين أولوياتها، وأن هذا التعامل سيُبنى على العناصر التي أفرزتها العملية السياسية خلال الأعوام الماضية، خصوصا مفهوم الدولتين ومبادرة السلام العربية."
ويؤكد كوش أن حدوث "الكارثة الإنسانية في قطاع غزة الناتجة عن العدوان الإسرائيلي قد سرّع في قدوم الموفد الرئاسي الأميركي جورج ميتشل إلى المنطقة"، مشيرا إلى أنه "من غير المتوقع أن تصبح قضية الحل واردة قبل استحقاقات المنطقة، كالانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في الشهر الحالي، والرئاسية الإيرانية في ابريل/نيسان القادم".
ويتساءل كوش "كيف ستتحاور إدارة أوباما مع القيادة السورية؟"، مشيرا إلى أن أي تقارب بين الولايات المتحدة وسوريا سيغير معطيات المنطقة بصورة كبيرة، "خصوصاً إن ترافق مع معاهدة سلام سورية –إسرائيلية".
ويضيف "التجربة الفرنسية في هذا المجال تقدّم درساً هاماً يستحق التفكير والتّأمل، من جهة أنها التزمت بدفع الحوار ولكنها في الوقت ذاته كانت مستعدّة لقطعه، وتميّزت بتلمّس الفرص غير المرئية عندما تصبح مهيأة وجاهزة. ويمكن للإدارة الأميركية الاستفادة منها، خصوصاً وأن هناك في الولايات المتحدة من يحلمون بقطع العلاقات السورية-الإيرانية. ويجب ملاحظة أن سوريا عندما بدأت تلعب ورقة التقارب مع فرنسا أظهرت استعدادا كبيرا لتوسيع تحالفاتها الإستراتيجية."
من جانبه يستغرب المدوّن عبد الله في مقاله "صمت أوباما" الآمال التي يعقدها العرب والمسلمين على الرئيس الأميركي الجديد "وكأنه صلاح الدين الذي سيحررنا من الطواغيت ويعيد لنا المسجد الأقصى"، مشيرا إلى أن باراك أوباما نأى بنفسه عن العدوان الإسرائيلي على غزة الذي استمر 22 يوما ولم تصدر عنه أية مواقف و"كأن الأمر لا يعنيه".
ويضيف "أظن أن في سكوت أوباما رسالة لكل من صفّق لانتصاره، وإثبات بأن السياسة الأميركية الخارجية لن تتغير كثيرا خصوصا تجاه فلسطين، يجب أن نحلّ مشاكلنا بأنفسنا وأن نكفّ عن الانتظار، صلاح الدين لن يخرج من تلقاء نفسه، نحن من يجب أن يهيئ له الظروف لذلك."
فيما ترى منى (التي لا تهتم بالسياسة كثيرا كما تقول) أن مجرد انتخاب رئيس أسود في أميركا يؤكد أن "الولايات المتحدة تتجه نحو الديمقراطية."
وتشير منى أن باراك أوباما يبدو أكثر اتزانا من سلفه وأكثر قابلية للحوار، وتتوقع أن تشهد العلاقات السورية-الأميركية تحسّنا كبيرا في عهده.
غير أن غيداء تعترض على كلام زميلتها بالقول "لا يكفي أن ينتخب هذا البلد أو ذاك رئيسا أسود لنقول عنه إنه بلد ديمقراطي، الديمقراطية مفهوم أشمل من ذلك يجتاز العرق والجنس ولا ينتهي عند حقوق الإنسان."
وتضيف غيداء "للولايات المتحدة سجل حافل بانتهاكات حقوق الإنسان بدءا بأفغانستان ومرورا بالعراق وليس انتهاء بغوانتنامو والسجون السرية في أوروبا، وإذا كان أوباما ينوي الانسحاب من العراق وإغلاق معتقل غوانتنامو كبادرة حسن نية، فعليه أيضا أن يُوقف دعمه لإسرائيل التي ارتكبت قبل أيام مجزرة غزة، ومازالت ترتكب المجازر بحق العرب وبرعاية أميركية."
وتبدي غيداء عدم تفاؤلها بمستقبل العلاقات السورية-الأميركية لأن "شخص واحد لن يستطيع تغيير سياسة دولة كبرى"، مشيرة إلى أن أوباما الذي ركّز في خطابه على ضرورة محاورة الأعداء، تجنّب مبعوثه إلى الشرق الأوسط (ميتشل) زيارة سوريا أو إيران اللتين تصّنفهما الإدارة الأميركية كدولتين راعيتين للإرهاب.
من جانبه يقول الباحث مازن بلال إن خطاب أوباما ليس جديدا على صعيد أي رئيس أميركي، "دائما هناك وعود للرؤساء ونحن نعرف أنه خصص القسم الأكبر منه لأزمات أميركا الداخلية، من هذه الناحية الخطاب له أهمية نظرا لتشعب الاهتمامات التي طرحها بدءا بالبيئة والطاقة وانتهاء بالأزمة المالية."

ويتابع "حتى هذه اللحظة لا يوجد هناك ما يوحي بسرعة تحسّن العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة، وهو أمر طبيعي نظرا للتعقيدات التي أصابت هذه العلاقات خلال مرحلة الإدارة السابقة، لكن هناك توجها استراتيجيا أميركيا، كان واضحا في تصريحات أوباما أو هيلاري كلينتون التي استخدمت في حديثها ما أسمته 'القوة الذكية'، بمعنى أن الحروب الاستباقية ليست على سلّم أولويات الإدارة الأميركية الحالية."

لكن بلال يعود للتأكيد أنه من المبكر الحديث على تحسّن العلاقات السورية-الأميركية، "هناك بعض المواضيع العالقة وعلى الأخص مسألة التسوية (الفلسطينية) والملف الإيراني، وبالتالي فإدارة أوباما ربما ليست محظوظة لأنها جاءت مباشرة بعد العدوان على غزة، والذي أنتج مواقف متشنّجة."

ويؤكد بلال أن زيارة ميتشل إلى المنطقة هي لإعادة تقييم المواقف و"هو أمر إيجابي جدا، لأن الإدارة السابقة تركت لإسرائيل رسم هذه المواقف، وكانت الأخيرة تعتمد كثيرا على الغطاء الأميركي."

ويضيف "اليوم هناك صورة جديدة، فميتشل يأتي إلى المنطقة بعد أيام من مجيء الإدارة الجديدة، وهو مدعوم أيضا بتصريحات للرئيس الأميركي حول ضرورة تحقيق السلام".

ويشير بلال إلى أهمية تعيين ميتشل "اختصاصي حل الأزمات" كمبعوث في المنطقة وإبعاد هيلاري كلينتون مبدئيا عن هذه المسألة، لكنه يؤكد أنه "في النهاية هناك مصلحة أميركية-إسرائيلية سيراعيها ميتشل قبل أن يراعي مصلحتنا، ولكننا لا نستطيع أن ننفي وجود دعوة لتهدئة الوضع".
ويضيف "بأفضل الحالات ستعود العلاقات السورية-الأميركية كما كانت سابقا، أي لا يمكن أن يكون هناك تحالف استراتيجي بين سوريا والولايات المتحدة كما هو الحال مع مصر والسعودية."