ماذا دار في دورة ابن زيدون؟

كتب: أحمد فضل شبلول
البابطين دائما كان في مقدمة حضور الجلسات

لم يكن من الصعب أبدا على جميع الحضور، متابعة جلسات وندوات ومحاضرات دورة ابن زيدون في قرطبة، وما دار فيها من مناقشات ومداخلات وتعقيبات بالعربية والإسبانية والإنجليزية، فقد وفرت مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، بالتعاون مع جامعة قرطبة، عددا من المترجمين الفوريين الأكفاء الذين ترجموا كل كلمة تُقال بهذه اللغات التي سادت أجواء الدورة، بل كان المترجمون أحيانا يطالبون المتحدثين بالتمهل قليلا في حديثهم حتى ينقلوا بالكامل كل كلمة إلى اللغة الأخرى.
وقد وزع على الحضور جهاز الترجمة الفورية، فيضع المستمع على أذنيه السماعة، ويدير المؤشر على اللغة التي يريد المتابعة عن طريقها.
وقد انقسمت ندوات الدورة إلى قسمين: ندوة الحضارة العربية الإسلامية والغرب من الخلاف إلى الشراكة، وعقدت جلساتها خلال يومي 5 و6 أكتوبر / تشرين الأول، والندوة الأدبية وعقدت جلساتها خلال يومي 7 و8 أكتوبر / تشرين الأول 2004. نحن والآخر من خلال الصراع العربي / الغربي الجلسة الأولى كان محورها صورة الغرب، وتحدث فيها د. محمد الرميحي عن نحن والآخر من خلال الصراع العربي ـ الغربي، وقال: إن ورقته تحاول سبر غور هذا الصراع من زاوية نظرة الغرب إلى العرب المعاصرين، مقابل نظرة العرب إلى الغرب المعاصر، وهل هناك طريق للتلاقي أم أن الفراق دائم وحتمي؟ وأوضح الرميحي أن كلمة (نحن) تعني العرب المعاصرين، و(الآخر) تعني الغرب الأوربي والأمريكي المعاصر، والمعاصرين من مجتمعات صناعية حديثة.
ويرى الرميحي أن عدم فهم الطرف الآخر (الغرب) لنا، وفي المقابل عدم فهمنا (نحن) للغرب يتمثل في المحاور التالية:
1 ـ كثرة الجنود الغربيين في منطقتنا لأسباب كثيرة، وعمق الرفض العربي للمساعدات التي يقدمها الغرب لإسرائيل، لتحويل الصراع الفلسطيني إلى معادلة صفرية ضد العرب ولصالح إسرائيل.
2 ـ كثرة الانتحاريين (هكذا قال) في منطقتنا وحجم الكره لدى كثير منا للآخر الغربي وللأمريكي بالذات.
3 ـ كثرة الحكومات التي تمارس حكما غير صالح (إكراهي) مع تزايد مبادرات الإصلاح السياسي والثقافي المطلوب منا كعرب القيام بها.
4 ـ الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني. وأوضح الرميحي أنه كما يتأثر اليهودي في نيويورك بما يحدث في إسرائيل، يتأثر العرب ـ وإلى حد كبير ـ بما يحدث للفلسطينيين. تصحيح صورة الآخر بين العالم الإسلامي والغرب أما الشيخ محمد علي التسخيري (إيران) فقد تحدث عن تصحيح صورة الآخر بين العالم الإسلامي والغرب، وتعرضت ورقته إلى مسألة غاية في الأهمية متمثلة في الحوار والاجتهاد، فمن حق الإنسان أن يجادل ويناقش ويشكك حتى يستقر على الحقيقة المطلقة، ويتوصل إليها عن طريق قناعة عقلية، أما الإكراه وخلق الأجواء الموهمة والإعلام المضلل وشراء الأفكار فهو منطق الطاغوت.
وينفي الشيخ التسخيري فكرة أن الحوار منطق الضعفاء، ويؤكد على أن الحوار هو منطق الأقوياء. ثم يحدد في ورقته شروط الحوار في الإسلام، وتتمثل في: الحوار بين المسلمين المختلفين في الشئون الشخصية، والحوار بين المسلمين المختلفين في القضايا الاجتماعية، والحوار بين الفقهاء، والحوار العقائدي، والحوار بين الأديان، والحوار بين الحضارات.
ويرى الشيخ التسخيري أن هناك الكثير من نقاط الالتقاء بين الإسلام والغرب دون التنازل عن القيم مثل حقوق الإنسان، والديمقراطية، والسلام العادل، والحرب ضد الإرهاب، ومقاومة العنصرية والنازية والفاشية، وغيرها كثير. وسيبقى الحوار هو السبيل الأقوم والحل الأنجح، ولن يتحقق التفاهم إلا بتحقق التفهم والوعي للآخر. وهذا هو الذي يقتضيه المنطق الإنساني وجاءت به الشرائع السماوية وأكده الإسلام، ورسم له القرآن الكريم أروع صورة.
وأنهى الشيخ التسخيري ورقته بعدة اقتراحات منها: تضافر كافة الجهود الإسلامية لإفشال خطط الصهيونية التي تهدف إلى تركيع الشعب الفلسطيني، وفضح جرائم شارون. والعمل دوليا على وضع تعريف شامل للإرهاب والتفريق بينه وبين المقاومة الشرعية. وعدم السماح لأمريكا الاستفراد بالقضية الفلسطينية وأمثالها، وعدم الاعتماد على الحلول الأمريكية التي تتخذ من شريعة الغاب مبدأ لها. التحامل الغربي على العرب بين الخطأ والصواب د. فرد هاليدي جاءت ورقته بعنوان "التحامل الغربي على العرب بين الخطأ والصواب" وذهب فيها إلى أن مسألة النمطية والانحياز والتحامل تعتبر من المسائل الشائكة التي تستدعي موقفا جماعيا وأصواتا مدوية لوضع حد لما يجري على الساحة العالمية وتعطي مساحة أكبر للتاريخ للاستمرار.
ويحذر هاليدي من الوقوع في شرك الذين يتخذون من بعض الأساطير والخرافات حجة لشن هجمات شرسة على العرب والمسلمين من خلال كتاباتهم المسمومة والمشحونة بالبغض والكراهية، والتي تنشر في الصحف التي تصدر في الغرب والشرق الأوسط. وضرب مثلا بالمسألة المثيرة للجدل التي روَّج بها الكاتب الصحفي كيلوري سيلك في يناير من هذا العام 2004 من خلال مقالة شن فيها هجوما محموما شاجبا وساخطا ومتهما الحكام العرب بممارسة كافة أنواع الفساد والديكتاتورية ضد شعوبهم التي لم يكن لها أية مساهمات في صنع الحضارة والثقافة العالمية.
وعليه طالب هاليدي الكتاب والمفكرين في العالم أجمع اللجوء إلى أسلوب الحوار البناء وتجسير الفجوة بين الغرب والمسلمين، ووضع حد للخلافات والنزاعات وعدم إشعال نار الفتنة بين الحضارات المختلفة. تأصيل النظرة الإسلامية الجلسة الثانية كان محورها الأديان السماوية الثلاثة، وفيها تحدث د. محمد سليم العوا عن المسلمين وأهل الكتاب، وبدأ حديثه بأن لا يجوز لمسلم أن يقف في معالجة النص القرآني معارضا له أو معترضا عليه أو منكرا لحكمه.
ثم حاول العوا في ورقته تأصيل النظرة الإسلامية إلى العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب، من حيث تسيير "العيش الواحد" الذي يعني المشاركة في الحياة داخل الوطن، وحمل همومه والإسهام في تقدمه ونمائه، والرضا بما يحققه أبناؤه له من نجاحات على كافة الأصعدة، والعمل يدا واحدة على تخليصه من نقائصه وزيادة كمالاته، وهذا التعايش، يعني أن الصديق صديق لأهل الوطن كافة مسلمين وغير المسلمين، وأن العدو عدو لهم أجمعين، وأن الخيرات في الوطن حق للجميع. لعبةٌ لرؤى مختلفة ومتعارضة وفي محاولة لسبر غور مستقبل الأندلس تحدث د. جل أنيدجار، فسعى إلى إثارة الماضي بما يحمله من شجون وذكريات، وتطرق إلى المستقبل الواعد بطرح مجموعة من الأسئلة والاستفسارات تساعد بطريقة أو بأخرى في الوقوف على قلب الحقيقة وتملأ فراغا نتوق لمعرفته.
وتساءل أنيدجار عن مستقبل الأندلس بعد الفتح الإسلامي، وكيف استطاعت أجيال متعاقبة من المؤرخين تشكيل تاريخ الأندلس، وكيف استطاعوا تفسير ماضي الأندلس وحاضرها والاستمرار في حياكة مستقبلها؟ واستشهد بما قاله عالم النفس السياسي "آشيس ناندي" الذي فسر مستقبل الأندلس بأنه (لعبة لرؤى مختلفة ومتعارضة) ملخصا بذلك الموقف المعقد للأندلس ماضيها وحاضرها. وأشار في معرض حديثه إلى أن خلق دولة إسرائيل يمكن أن يطلق عليه "منفى داخل منفى" ويفسر أن المنفى يعني زوال العالم من حيث إنه متعلق بالزمان ويفتقر إلى الحدود المكانية. اليهودية هي الديانة الوحيدة المغلقة د. ميلاد حنا تحدث في ورقته عن الأديان الإبراهيمية الثلاثة التي تتجه لمجتمع إنساني قابل للآخر، وأشار إلى أن هناك عشرات الأديان الكبرى ومئات المذاهب والفرق، ولكن تظل الأديان السماوية الثلاثة هي الأكثر تأثيرا وانتشارا على الساحة الدينية والثقافية والسياسية في العالم، وأن ديانتين فقط هما اللتان تحملان التوجه إلى كل إنسان على ظهر البسيطة هما المسيحية والإسلام. وأشار إلى أن الديانة الوحيدة المغلقة في الديانات الإبراهيمية الثلاث هي الديانة اليهودية. وفسر ذلك بأن اليهودية قاصرة على كل من هو يهودي، ولا تود أن تنشر رسالتها لغير اليهود.
ثم تحدث حنا بعد ذلك عن صراع الحضارات والانعكاسات السلبية التي أدت إلى زرع بذور الفتنة والكراهية بين الغرب والإسلام، والتي بدأت بانهيار حائط برلين عام 1989 وما أعقبه من تفكك الاتحاد السوفيتي، بعدما أقرت الولايات المتحدة "حرب النجوم" وأعدت نفسها لتكون القطب الأول أو الوحيد الذي يحكم العالم.
ويقترح ميلاد حنا في نهاية ورقته إنشاء رابطة بين الجمعيات الأهلية الموجودة في أمريكا بالذات بين المهاجرين من الأديان والطوائف المختلفة، لتقديم نموذج حي للمعايشة السلمية بين الأطراف المتنازعة. الاقتصاد لم يكن غائبا عن دورة ابن زيدون الجلسة الثالثة كان محورها اقتصاديا، وكانت عن العلاقات الاقتصادية، وأدارها الرئيس السوداني السابق عبد الرحمن سوار الذهب، وتحدث فيها د. حازم الببلاوي الذي يرى أنه لابد من إيجاد عوامل مشتركة لإقامة علاقة ما بين الغرب والشرق على ضوء التطورات التي صاحبت الثورة الصناعية، وما تلاها من تطور اقتصادي وتكنولوجي، والتوجه المعاصر نحو العولمة، وفي هذا الصدد يرى أن العالم لا يزال محكوما بعوامل تقليدية سياسية واقتصادية، إذ لم ينته دور الدولة القطرية. وعليه ناقش الببلاوي الوضع الاقتصادي العربي، وبيَّن ما تتمتع به المنطقة العربية من موارد اقتصادية هائلة، وبخاصة في مجال الطاقة والمياه، ومع ذلك فهو لا يعتقد بوجود اقتصاد عربي متميز، بل يقدم صورة غير متفائلة للعلاقات الاقتصادية العربية بسبب التطورات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية، وبخاصة في أواخر القرن العشرين.
ويوضح الببلاوي أنه إذا كان هذا حال العلاقة بين الدول العربية ـ العربية، فإن العلاقة بين الدول العربية وغير العربية أساسها النفط، وبقية المرتكزات الاقتصادية ليست بذات الأهمية، وبخاصة في مجال الصناعة والسياحة وغيرها.
د. بشارة خضر تحدث عن الشراكة الأوربية ـ الخليجية، وثلاثة وعشرون عاما من الدبلوماسية الهادئة (1981 ـ 2004) غير أنه أشار إلى عزوف المملكة العربية السعودية ورفضها الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وإلى حذر الطرف الأوربي من الدخول في أية اتفاقيات مع دول مجلس التعاون الخليجي.
د. أنطوان زحلان تحدث عن مظاهر التعاون الأوربي ـ العربي وخلق جو من الصداقة، وتساءل: هل بمقدور العالم اليوم التغلب على حالة الحقد والعداء الموروث، والمشكلات المستعصية بين الغرب وخاصة أوربا، والعالم العربي؟ وهل يمكن تجنب مفهوم صراع الحضارات تلك الفكرة المحمومة التي نادى بها وسوَّق لها الكاتب الأمريكي صموئيل هنتنجتون؟
وأجاب: نعم، إن الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى، وخاصة إذا علمنا أنه لم يعد هناك أي سبب يدعو إلى استمرار سياسة الصراع بين أوربا والوطن العربي، وتحقيق التقارب عن طريق الحوار والمفاوضات، وخاصة ان أفق التعاون تعتبر عاملا مشتركا بينهما على كافة الأصعدة السياسية والثقافية والتجارية، إضافة إلى التكامل الديموغرافي والاستفادة من المصادر الطبيعية لدى الطرفين. الثقافة بين التطرف والعولمة الجلسة الرابعة كان محورها الثقافة والتطرف، ورأسها د. علي عقلة عرسان، وفيها تحدث د. راشد المبارك الذي تعمد ألا يستشهد فيما يكتبه عن التطرف في الغرب إلا بما كتبه الغربيون أنفسهم وأكثرهم من الولايات المتحدة، حرصا منه على الموضوعية والوثوق في صحة الوقائع والأحداث. وقد عرَّف المبارك التطرف بأنه الشطط في فهم مذهب أو معتقد أو فلسفة أو فكر والغلو في التعصب لذلك الفهم واتخاذه حاكما للسلوك، ومنه السياسي والديني والمذهبي والعرقي وغير ذلك.
ومن صفات المتطرف التي ذكرها الباحث سرعة الانفعال والتوتر وفورة العاطفة وسرعة التصديق لما يسمع والاقتناع والاتباع لما يوجه إليه.
ويرى المبارك أن الصلة بين التطرف والكراهية وارتباطها ارتباطا وثيقا يصل أحيانا إلى الملازمة والاقتران. ومن أساليب معالجة التطرف يذكر المبارك معالجة الفقر والقهر والتحاور البناء.
د. ديفيد سولار كوبياس (لم يحضر وأناب عنه د. سها عبود) وتحدثت ورقته عن أصول التطرف في السياسة والاقتصاد والتاريخ، وهو يعتقد أن العنف الذي تمارسه بعض المجموعات الإسلامية المتطرفة له مبررات متعددة لا تتعلق أصلا بأصول دين منزل، لكنه يتساءل في الوقت نفسه: لماذا وصل الغلو والتطرف إلى ذروته في أواخر القرن العشرين؟ ويعزو ذلك إلى فشل المذهبين الرئيسيين اللذين سادا الإنسانية في القرن العشرين وهما الشيوعية والرأسمالية، والأضرار التي نتجت في الماضي عن الاستعمار التقليدي، والأضرار الأشد التي تكمن في أشكال الاستعمار الجديد وحب السيطرة، فضلا عن الازدهار التاريخي للإسلام وانتشاره وسمو ثقافته وعلومه وفنه.
ويعرج كوبياس على الوضع المأساوي في فلسطين والعراق، حيث تسخر إسرائيل من قرارات الأمم المتحدة منذ عام 1949 وحتى الآن، وتغتصب حقوق الفلسطينيين عيانا بيانا. وعن العرق يقول: من يعد القتلى الذين فقدهم هذا البلد في حرب لا نعلم حتى الآن نتائجها؟ ومن الذي يستطيع أن يتنبأ بعدد القتلى في المستقبل؟ ومن الذي يستطيع التكهن بمصير هذا البلد الذي عانى الاستعمار منذ ثمانين سنة ويعاني اليوم التصدع والتدمير؟
الثقافة والعولمة، كانتا محور الجلسة الخامسة التي رأسها د. عز الدين إسماعيل، وتحدث فيها د. علي أومليل عن العولمة والبضاعة الثقافية، وأنهى ورقته بقوله: إن أي ثقافة غير عربية لابد أن تواجه واحدا من مصيرين: إما أن تتحول إلى ثقافة محلية تخص قومها وتُتهم بالانعزالية والمحلية، وإما أن تكسب رهان التحديث وتحظى بقيمة تبادلية في سوق الثقافات المتقدمة، وتصبح قادرة على حوار الآخر، وتفرض حضورها وجدواها بالنسبة إليه. ولن يكون ذلك ممكنا لمجرد قناعتنا بعراقة ثقافتنا، بل لابد أن تسندها قوة اقتصادية وسياسية، ووجود قاعدة اجتماعية واسعة داخلة في الحداثة تعطي للثقافة قوتها وقيمتها التبادلية في سوق الثقافات العالمية المتقدمة.
د. خوان بيدرو مونفيرير سالا تحدث في ورقته عن عناصر العولمة في المجتمع الأندلسي من خلال نظرة إلى الماضي، حيث لعب التعريب والأسلمة دورا كبيرا في هذا الاتجاه، ولم يلبث هذا المنحى أن أتى بثماره، فاللغة والدين هما الأداتان اللتان لهما التأثير الأكبر في تكوين أي مجتمع من المجتمعات، دون إغفال النسيج السياسي بطبيعة الحال. الفرصة ما زالت سانحة أمام الأديان والشعوب المختلفة د. ستيفان فلد أكد أن ورقته تسعى إلى تأكيد حقيقة أن الفرصة مازالت سانحة أمام الأديان والشعوب المختلفة، للتشاور والتحاور بعقل منفتح وموضوعية بعيدة عن التعصب الأعمى لدين أو عقيدة أو حضارة، وأنه من الصعوبة بمكان عزل الحضارة الإنسانية عن مبادئ الأخلاق والفضيلة التي نادت بها الأديان السماوية مجتمعة. وبالإضافة إلى ذلك تطرقت ورقته إلى نظرة فاحصة على تاريخ العولمة ومبدأ "البقاء للأفضل" وليس "البقاء للأقوى" الذي يتمثل في شريعة الغاب.
كما تطرقت الورقة إلى العولمة مقابل التعاون التجاري الدولي، والعلاقة بين العولمة والأديان المختلفة، وإعادة النظر في عملية إعادة التسليح وتغليب مبدأ الأخلاق والفضيلة، وإعادة النظر في التعليم الديني الإسلامي، والعلمانية والنصوص العربية الإسلامية، والخوف من الإسلام وفرض لغة الحوار. الأقليات وقضايا الهوية والاندماج الجلسة السادسة كان محورها الأقليات وقضايا الهوية والاندماج، ورأسها د. محيي الدين عميمور، وفيها تحدث د. عبد الوهاب الأفندي عن الوجود الإسلامي في أوربا بعد مرحلة مدريد، وأشار إلى أن معظم المهاجرين ميزوا أنفسهم ليس كمسلمين، ولكن كباكستانيين أو هنود (بريطانيا) الجزائر، المغرب (فرنسا) أو أتراك (ألمانيا) .. الخ. وكانت القوانين والتوجهات السائدة تحبذ هذا النوع من الترابط، وذلك حماية من التمييز أو وسائل الدعم المتاحة للمهاجرين من ذوي التميزات الإثنية، اللغوية، والجغرافية، بدلا من التمايز الديني.
د. دانيال نيومان تحدث عن الأقليات العربية المسلمة في الاتحاد الأوربي من خلال نموذج لاندماج للأقليات، وأوضح نيومان أن ورقته تهدف إلى تسليط الضوء على الوجود الإسلامي في أوربا، وما يثار من تبعات على الجالية الإسلامية في ظل الظروف الدولية التي تهيمن عليها قوى تسلطية، كما تعرض إلى الآثار المترتبة على الهوية الإسلامية من الناحيتين الثقافية والدينية والوجود الإسلامي في الحياة السياسية والاجتماعية في أوربا.
أما د. نبيل مطر (من معهد فلوريدا للتكنولوجيا) فقد تحدث عن النموذج الإسلامي في أوائل تاريخ المغرب العربي الحديث، واستهل ورقته ببيان حقيقة قد يغفل عنها الكثيرون، وهي فكرة التواصل الزماني والمكاني في الحدود الاجتماعية والسياسية بين الدول الأوربية المسيحية الواقعة على البحر المتوسط ودول شمال إفريقيا الإسلامية، فعلى سبيل المثال ـ يقول مطر ـ كان بمقدور المسلم عبور بلاد الإسلام من المغرب إلى العراق، أي من المحيط إلى الخليج، دون أي عائق حدودي، حيث يقابل بني جلدته من العرب والمسلمين والمسيحيين الأوربيين على اختلاف مستوياتهم الفكرية والاجتماعية والدينية، فيرى بعضهم يدين بالمسيحية، وآخرين يتحولون إلى اعتناق الديانة الإسلامية. ويتساءل مطر: لماذا كان بمقدور المسيحيين واليهود الترحال والعيش والعمل في بلاد المغرب الإسلامي في الوقت الذي أنكر هذا الحق على المسلم المقيم في العالم المسيحي؟ وكيف ولماذا استطاعت الأقلية المسيحية الأوربية العيش بكرامة في الإمبراطوريات الإسلامية في شمال إفريقيا (المغرب العربي) ودول الإمبراطورية العثمانية في المشرق؟ لماذا يوجد في تونس حتى يومنا هذا شواهد أضرحة للإنجليز الذين عاشوا وقضوا في المدينة، في الوقت الذي تخلو أية مدينة أوربية غربية من مثل تلك الأضرحة للمسلمين؟ ويضيف مطر قائلا: إذا دلَّ ذلك على شيء، فإنه يدل دون أدنى شك على سماحة الإسلام، ويدحض كل الأفكار والأصوات التي تتهم الإسلام والمسلمين بالعنف والإرهاب. وقائع الندوة الأدبية بعد ذلك بدأت وقائع الندوة الأدبية، فكانت الجلسة الأولى عن الجانب التاريخي والحضاري في الأندلس ورأسها د. صلاح جرار، وفيها تحدث د. محمود علي مكي عن التاريخ والحضارة في الأندلس، بينما تحدث د. خوان مارتوس كيسادا عن الجانب التاريخي والحضاري في الأندلس، مركزا على بعض المظاهر التاريخية والثقافية في الأندلس.
أما الجلسة الثانية فكانت عن الوحدة والتعددية والتعايش الاجتماعي والديني في الأندلس، وقد تحدث تحت هذا العنوان كل من د. ميغيل كروز إرناندث، ود. مبروك المناعي، ود. بيير جيشار.
الجلسة الثالثة عقدت تحت عنوان "تأثير الشعر الأندلسي في الشعر الإسباني القديم، واستحضار الأندلس في الشعر الإسباني المعاصر"، وتحدث فيها د. محمود على السيد، ود. مانويلا كورتس غارثيا، ود. أحمد عبد العزيز الذي استحضر الأندلس في الشعر الإسباني الحديث والمعاصر من لوركا إلى المدرسة الأندلسية المعاصرة.
أما الجلسة الرابعة فكانت عن المرأة في الشعر الأندلسي: ولادة نموذجا، وفيها تحدثت د. مارينا تيريسا غارولو عن تراجم ولادة وإشكالياتها.
بينما كانت الجلسة الخامسة عن ابن زيدون في الأدب العربي بين الدارسين والمبدعين، وابن زيدون في ميزان النقد، وفيها تحدث د. محمد حسن عبد الله، وجاءت ورقته بعنوان "ابن زيدون في الأدب العربي المعاصر بين الدارسين والمبدعين"، أما ورقة د. ماريا خيسوس بيغيرا فكانت بعنوان "ابن زيدون في الغرب: دراسة وتذوق الشاعر الأندلسي بين المستعربين الأوربيين"، بينما ألقى د. وهب رومية قنبلة في غير صالح ابن زيدون وذلك تحت عنوان "شعر ابن زيدون في ميزان النقد" حيث صنف أغلب شعره على أنه من شعر المديح، بل أنه يقف في الصفوف الأولى للشعراء العرب المداحين.
الجلسة السادسة كانت عن ابن زيدون وأثره في الشعر الأندلسي، ورأسها د. محمد كافود، وتحدثت في هذا الموضوع د. سلمى الخضراء الجيوسي.
أما الجلسة السابعة والأخيرة، فكانت عن الأندلس والعناصر العربية في الشعر البرتغالي، وتحدث في هذا الموضوع د. البرتو ألفش. قلة المشاركين الإسبان وإذا كان لنا من ملاحظة على هذه الجلسات العلمية والندوات الأدبية، فهي قلة المشاركين من الطرف الآخر الغربي أو الإسباني، وكنا نعتقد أن عقد مثل هذه اللقاءات والندوات والجلسات والأمسيات الشعرية في رحاب جامعة قرطبة، وداخل مبنى المدينة الجامعية، سيرفع من نسبة حضور أساتذة الجامعة وطلابها، إلا أن المشهد جاء على عكس ذلك، أو على عكس المتوقع. محرقة جديدة في فلسطين ومن الملاحظات أيضا حضور اليهودي موشيه هلمان الذي هاجم النظام الصهيوني، وقال إن النظام الصهيوني في فلسطين يوجه الشعب الفلسطيني إلى محرقة جديدة، وفلسطين باتت معسكر اعتقال لمجموعات مختلفة. ولابد أن نبحث عن جذور المشكلة، وهي النظام الصهيوني، ويمكننا أن نفعل في فلسطين ما فعلناه في جنوب إفريقيا لإنهاء المشكلة العنصرية. ونطالب بالعدالة وحق ملايين الفلسطينين في عودتهم إلى أراضهيم.
ويتابع موشيه كلامه بإنه ليس هناك أية كراهية أو حقد بيننا وبين جيراننا، لأننا تعايشنا معا آلاف السنين، ولكن الصهيونية هي التي فعلت ذلك، فهم يعتقدون أنهم لابد أن يحكموا فلسطين، ولابد أن نفكك النظام الصهيوني ونحله، لأنه استولى على السلطة في أرض فلسطين، ونحن ننضامن مع الشعب الفلسطيني. وأقول إن دولة إسرائيل جاءت نتيجة مجموعات إرهابية، ويجب أن نضم الصفوف من أجل أن تكون هناك دولة لفلسطين، ونحرر السكان الموجودين في القدس. مداخلات وتعقيبات وأمسيات شعرية إلى جانب ذلك كان هناك عدد كبير من المداخلات والتعقيبات لمفكرين وأدباء وباحثين ودارسين عرب وإسبان لا يقلون أهمية عن أصحاب الأبحاث والأوراق التي قدمت خلال الجلسات السابقة، ومن هؤلاء المعقبين: د. عثمان البدري، ود. أحمد عمر هاشم، ود. فاضل تامر، ود. ياسين الأيوبي، ود. محمد مصطفى أبو شوارب، ود. عبد الله حمادي، والفريد سمعان، ومحمد الجلواح، وحميد عقبي، ود. عبد الملك مرتاض، ود. محمد خاقاني، ود. حسناء الطرابلسي، ود. منصور الحازمي، ود. عبد الله المعيقل، وعبد السلام لصيلع، وغيرهم.
فضلا عن عدد كبير من الشعراء العرب والإسبان الذين ألقوا قصائدهم، وتباين مستوى تلك القصائد ومستوى الشعراء أنفسهم على نحو ملحوظ، ولكننا نذكر من هؤلاء الشعراء: فاورق شوشة، جورج شكور، عبد العزيز سعود البابطين، علي الشلاه، نبيلة الخطيب، د. عبد الله العثيمين، مصطفى الغمراوي، د. عبد الولي الشميري، جورج طربية، نور الدين صمود، وغيرهم.
وعلى الرغم من ترجمة قصائد الشعراء الإسبان المشاركين ـ على قلتهم ـ إلى العربية، فإنه لم يحدث العكس، ولم تترجم قصائد شعرائنا الملقاة إلى الإسبانية أو الإنجليزية.
وكنت أود لو قام الشاعر الكبير فاروق شوشة بإلقاء القصائد المختارة لابن زيدون، فهو أستاذ فن الإلقاء الشعري، بدلا من الشاعر الموريتاني سيدي ولد الأمجاد الذي لم يكن موفقا في هذا الأمر، على الرغم من حيويته وروحه الجميلة طوال الأمسيات والجلسات البحيثة والشعرية. فنون أندلسية وكويتية أيضا نشير إلى مشاركة الفنانة اللبنانية غادة شبير وفرقتها الموسيقية التي تخصصت في أداء الغناء العربي الأصيل والموشحات الأندلسية، ومشاركة فرقة العميري الكويتية للفنون الشعبية، وكلا الفريقين أمتعا الجمهور العربي والإسباني إمتاعا كبيرا. تحية شكر وتقدير لعبد العزيز السريع وفريق عمله وفي النهاية لابد أن نوجه تحية الشكر والتقدير للكاتب المسرحي الكبير عبد العزيز السريع أمين عام مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، وفريق عمله، على الجهود الكبيرة التي بذلوها من أجل إنجاح دورة ابن زيدون في قرطبة، وما بذلوه أيضا من رعاية واهتمام بجميع ضيوف الدورة الذين جاءوا من بلاد عربية وأجنبية شتى.
وإلى اللقاء في الدورة القادمة من دورات مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري. أحمد فضل شبلول ـ قرطبة