ماذا جنى مسلمو أميركا من انتخابات ألباما؟

بقلم: علاء بيومي

في شهر يونيو الماضي حشد المسلمون والعرب في أميركا طاقاتهم بشكل غير مسبوق خلف النائب الأميركي الديمقراطي إريل هيلليارد ممثل الدائرة السابعة بولاية ألباما الأميركية في معركة إعادة انتخابه ممثلا للدائرة نفسها في مجلس النواب الأميركي، والتي انتهت بهزيمة النائب هيلليارد في الانتخابات الأولية الخاصة بالمنافسة على مقعد الحزب الديمقراطي عن دائرته، وذلك أمام السياسي أرتور ديفيس مرشح اللوبي الموالي لإسرائيل.
وقد تضاربت ردود الأفعال داخل الأوساط المسلمة والعربية تجاه هزيمة إريل هيلليارد والتي تعتبر هزيمة للقوى السياسية المسلمة والعربية الأميركية الناشئة، وقد رأينا أن نتناول في هذه المقالة بعض هذه الردود، سعينا منا لإلقاء مزيد من الضوء على توجهات المسلمين والعرب في أميركا تجاه قضية المشاركة في الحملات الانتخابية الأميركية.
على الجانب السلبي ظهر اتجاه ينظر لخسارة إريل هيلليارد كهزيمة كبيرة وربما نكسة للقوى السياسية المسلمة والعربية الأميركية، وذلك لأن اللوبي الموالي لإسرائيل استطاع تحقيق أهدافه والدفع بمرشحه المفضل، ولأن المسلمين والعرب ساندوا هيلليارد بأموال عديدة قد تعد بمئات الآلاف من الدولارات الأميركية ومع ذلك خسر هيلليارد وضاعت هذه الأموال على المسلمين والعرب.
وشكك أصحاب هذا الاتجاه في الأسباب التي دفعت المسلمين والعرب لتأييد هيلليارد منذ البداية، ورأوا أن المنظمات المسلمة والعربية السياسية لم تكن قادرة على التنبؤ بقدرة هيلليارد على الفوز بالانتخابات وأنها أخطأت في دعوة المسلمين والعرب الأميركيين للتبرع لمرشح دون التأكد من قدرته على الفوز، وأنه كان من الأولى توجيه الأموال التي ذهبت إلى هيلليارد لمشاريع اجتماعية ثقافية تفيد المسلمين والعرب مباشرة.
وقد بنى أصحاب هذا الاتجاه شكوكهم وانتقاداتهم السابقة بناء على شكوك أعم في جدوى المشاركة في الحياة السياسية الأميركية بصفة خاصة والحياة العامة الأميركية بصفة عامة، خاصة في ظل مواقف الولايات المتحدة التاريخية غير العادلة تجاه بعض القضايا المسلمة والعربية الأساسية وعلى رأسها قضية فلسطين، وفي ظل السياسات الأميركية الراهنة من قضايا حقوق وحريات المسلمين والعرب في أميركا وخاصة في فترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001.
وعلى جانب الإيجابي دافعت القوى السياسية المسلمة والعربية التي قادت حملة تأييد إريل هيلليارد عن قرارها على الرغم من اعترافها بخسارة هيلليارد وهزيمتها أمام اللوبي الموالي لإسرائيل.
وقد رأي أصحاب هذا الاتجاه أن المسلمين والعرب حققوا مكاسب عديدة من المشاركة في حملة انتخابات هيلليارد على الرغم من خسارته، ومن أهم هذه المكاسب السمعة السياسية التي اكتسبوها من خلال مشاركتهم في الانتخابات، فقد استطاعوا الوقوف رأسا لرأس أمام اللوبي الموالي لإسرائيل والذي يفوقهم أموالا وخبرة سياسية وعددا إذا أخذنا في الاعتبار نسبة المشاركة السياسية في الأوساط المسلمة والعربية مقارنة بالأوساط الموالية لإسرائيل.
فقد استطاع المسلمون والعرب مساندة هيلليارد للفوز في المرحلة الأولي من الانتخابات الأولية التي جرت في 4 يونيو إذ فاز هيليارد بحوالي 45 % من أصوات الناخبين، بينما حصل منافسه على 44 % من الأصوات، بمعنى أن هيلليارد كان متقدما على منافسه حتى هذا اليوم ولكنه عجز عن الفوز بأغلبية الأصوات (أكثر من 50 %) مما استدعى إعادة المواجهة بينه وبين منافسه في 25 يونيو، وفي تلك الواقعة فاز أرتور ديفيس بالانتخابات.
على جانب أخر استطاع المسلمون والعرب تجميع أموال طائلة لهيلليارد قد تعد بمئات الآلاف من الدولارات، وهي قد تفوق ما تبرع به المسلمون والعرب في الانتخابات الأميركية خلال سنوات كاملة في الماضي، وهو الأمر الذي لفت انتباه المرشحين السياسيين بمختلف انتماءاتهم السياسية.
وقد تحدثت بعض الصحف الأميركية عن هذه المواجهة وأشادت بقدرة المسلمين والعرب على الصمود أمام اللوبي الموالي لإسرائيل لفترة طويلة لم يتوقعها المراقبون، فعلى سبيل المثال نشرت صحيفة فوروارد الأميركية الأسبوعية في 28 يونيو مقالة تقول أن انتخابات ألباما شهدت لأول مرة منافسة حامية رأس برأس بين أموال المسلمين والعرب الأميركيين وأموال اليهود الأميركيين سعيا للتأثير على الحملات الانتخابية السياسية، وقالت الصحيفة أن دور الأموال اليهودية الأميركية في انتخابات ألباما لم يكن دورا جديدا فهو دور استمر خلال ربع القرن الماضي، ولكن الجديد هو "ظهور كتلة مساندة للعرب في مختلف أنحاء أميركا تمتلك التصميم والأدوات لشن هجوم مضاد، وهذا يعبر عن تغيير في الساحة السياسية الأميركية يعكس تغييرا في الخصائص الديمغرافية، أنه تغيير لن ينقضي، ويحتاج الاستراتيجيون الذين يفكرون في احتياجات إسرائيل الأمنية هنا وفي القدس أن يأخذوا ذلك في حسبانهم".
بمعنى أخر يرى أصحاب هذا الاتجاه أنه على الرغم من هزيمة مرشحهم إلا أن سمعتهم السياسية تحسنت لأسباب عديدة، منها مشاركتهم في الانتخابات وعدم غيابهم عنها، ومنها أيضا قدرتهم على حشد طاقاتهم المالية خلف مرشحيهم المفضلين.
ولذلك يرون أن تبرعات المسلمين والعرب في حملة هيلليارد لم تضيع عليهم وإنما عادت عليهم بسمعة سياسية طيبة، كما عادت عليها بفوائد أخرى مثل الخبرة السياسية التي اكتسبوها من خلال مشاركتهم المباشرة في الحملة وفي تعبئة المسلمين والعرب خلف مرشحيهم، ومثل التحالفات الهامة التي كونوها خلال الحملة ونتيجة لها وخاصة مع جماهير الأفارقة الأميركيين وقادتهم، فقد اتضح خلال الحملة وجود قطاعات داخل الأفارقة الأميركيين تشعر بمعاناة المسلمين والعرب داخل أميركا وخارجها خاصة في فلسطين، وظهرت اتجاهات تساوى بين معاناة الأفارقة خلال فترة العبودية في أميركا وجنوب أفريقيا ومعاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي.
وقادت انتخابات ألباما إلى تعميق هذه المشاعر خاصة بعدما شعر الأفارقة الأميركيون بالضغوط التي تعرض لها أحد قادتهم وهو إريل هيلليارد لتعبيره عن مساندته للشعب الفلسطيني بشكل علني، وقد اهتم الإعلام الأميركي بهذه الظاهرة اهتماما ملحوظا وكنت أتمنى لو ركز عليها الإعلام العربي والمسلم تركيزا كافيا.
فعلى سبيل المثال وفي الخامس والعشرين من يونيو صباح يوم المواجهة الانتخابية بين إريل هيليارد و أرتور ديفيس نشرت صحيفة أتلانتا جورنال كونستيتيوشن مقالة تحذر من أن فوز ديفيس على هيلليارد قد يؤدي إلى أثار عكسية على تأييد أعضاء الكونجرس الأفارقة الأميركيين لإسرائيل، وذلك لشعورهم بأن اليهود الأميركيين يضغطون على هيليارد بسبب مواقفه من قضية الشرق الأوسط، وفي نفس اليوم نشرت صحيفة واشنطن تايميز مقالة عن تحركات واسعة يجريها أعضاء مجلس النواب الأميركي الأفارقة لمساعدة هيلليارد، وذكرت الصحيفة أن القادة الأفارقة الأميركيين التقوا بزعماء الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي وطالبوهم بزيادة دعمهم لهيليارد وأن يتبرعوا له ماليا.
وتناولت الصحيفة تصريحات لبعض القادة السياسيين الأفارقة الأميركيين المساندين لهيليارد يتحدثون فيها عن شعورهم بالخيانة من قبل بعض الجماعات التي تحالفوا معها في الماضي والذين يحاولون إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء وإلى الزمن الذي كان يختار فيه أفراد ومؤسسات خارج المجتمع الأفريقي الأميركي قادة الأفارقة الأميركيين، وقالت المقالة أن انتخابات ألباما ليست مكانا مناسبا لكي يعبر فيه القادة اليهود الأميركيون والقادة الأفارقة الأميركيون عن اختلافاتهم بخصوص قضية الشرق الأوسط.
إضافة إلى هذه المكاسب يرفض أصحاب التوجه النظر إلى تبرعات المسلمين لمساندة المرشحين السياسيين المساندين لهم كعملية مراهنة ضيقة النظر على أحصنة سياسية فائزة وأخرى خاسر، بل ينظرون إليها كعملية بناء ثقة وإثبات ذات طويلة المدى، أضف إلى ذلك حقيقة أن ما دفعه المسلمون والعرب مساندة لهيلليارد لا يمثل إلا نسبة ضئيلة جدا من التكلفة الإجمالية للعملية الانتخابية الأميركية التي تقدر بمئات الملايين من الدولارات، بمعنى آخر يرى أصحاب هذا الاتجاه أنه على المسلمين والعرب تحمل تكاليف وتضحيات المشاركة في العملية السياسية الأميركية إذا كانوا راغبين في امتلاك تأثير حقيقي عليها.
والواضح أن أصحاب هذا الاتجاه ينطلقون من رؤية تؤمن بأهمية المشاركة في الحياة السياسية الأميركية بصفة خاصة والحياة العامة الأميركية بصفة عامة كأسلوب لحماية حقوق ومصالح المسلمين والعرب في أميركا، ويدرك أصحاب هذا الاتجاه بحجم كونهم أكثر انخراطا في عملية الدفاع عن قضايا المسلمين والعرب وقضاياهم الداخلية والخارجية ما تعانيه السياسة الأميركية من تحيز ضد القضايا المسلمة والعربية، ولكنهم يعتقدون أن خير سبيل لعلاج هو التحيز هو المشاركة في العملية السياسية الأميركية وليس الانسحاب منها خاصة وأن العديدين منهم يشعرون بوجود هامش كبير من الحرية السياسية يسمح لهم بتقوية أنفسهم والتسلق هرم القوة والتأثير السياسي داخل المجتمع الأميركي.
وفي تصوري أن القيادات المسلمة والعربية التي شاركت في حملة انتخابات هيلليارد تتمتع بصبر وحكمة كبيرين، فهي قوى مثابرة ترفض الخروج من معركة التأثير على السياسية الأميركية من أول جولة يساعدها على ذلك كونها قوى شابة صاعدة ذات أيدلوجية قوية تربطها فيما بينها وبالقضايا المسلمة والعربية.
وفي تصوري أيضا أن الجدل الذي أثير حول انتخابات ألباما والمكاسب والخسائر التي حققها المسلمون والعرب الأميركيون من المشاركة هو جزء طبيعي من جدل أكبر يعيشه المسلمون والعرب في أميركا بصفة يومية ألا وهو الجدل حول طبيعة علاقتهم بالمجتمع الأميركي وعما إذا كان ينبغي عليهم العيش فيه والتعامل معه كغرباء أجانب حريصين فقط على الاحتفاظ بجزرهم الثقافية والاجتماعية داخله حتى لو عاشوا فيه طوال حياتهم أو العيش في أميركا كجماعة تعتبر نفسها جزءا لا يتجزأ من المجتمع الأميركي ترغب في المشاركة في مختلف نواحيه الحياتية كجماعة أميركية تتمتع بحقوق وتقوم بواجبات أية جماعة أميركية أخرى.
وأعتقد أن المسألة هي مسألة وقت، وأنه بمرور الزمن سوف ينتصر التوجه الثاني وهو توجه مشاركة المسلمين والعرب في الولايات المتحدة كجماعة أميركية متميزة ومستقلة تجمع بين قيم الإسلام والعروبة والقيم الأميركية في مزيج واحد متكامل قوى قادر على حماية حقوق المسلمين والعرب والأميركيين معا وفي نفس الوقت بعدل ومساواة.
وإن كان يتحتم على أصحاب هذا الاتجاه بزل جهود مضاعفة لإثبات صواب رأيهم ونفاذ رؤيتهم لمعارضيهم على الجانب المسلم والعربي وعلى الجانب الأميركي.
وأخيرا من الواضح أن موسم الانتخابات الأميركية قد بدأ مسرعا مزدحما فمرحبا به وبما يصحبه من تنشيط للمؤسسات المسلمة والعربية في أميركا حول قضايا الانتخابات والمرشحين وتشجيع المسلمين على التسجيل في السجلات الانتخابية والتصويت للسياسيين المساندين لهم ومساندتهم بالوقت والمال، وكم أتمنى أن يشاركنا المسلمون والعرب خارج أميركا هذا الاهتمام والنشاط والجدل حول سبل التأثير على السياسة الأميركية من الداخل. علاء بيومي: كاتب ومحلل سياسي (واشنطن)