ماذا تعني مناهضة العولمة ؟

بقلم: معقل زهور عدي

يخفي مفهوم العولمة اشكالية في تحديد أي من وجوهها وتجلياتها هو المقصود، لكن الصحيح أيضا أن كل تلك الوجوه سواء منها القبيحة المرتبطة بالنظام الدولي أحادي القطب المندفع للتمدد عسكريا (عسكرة العولمة)، وبانسحاق الهويات القومية، وتحطيم الدول الوطنية، وتغول الثقافة الأمريكية، وافقار شرائح واسعة من المجتمع..حتى تلوث البيئة، أو الوجوه الثورية المرغوبة كأتمتة الكومبيوتر، وثورة المعلومات، والاتصالات، ونمو التجارة العالمية متجاوزة كل معدلاتها السابقة (انخفض معدل التعريفات الجمركية من 20 بالمئة الى 5 بالمئة في فترة مابعد الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف التسعينات) ومارافق زيادة الاستثمارات من ارتفاع مستوى الدخل للملايين في انحاء كثيرة من العالم، خاصة في الصين وبلدان شرق آسيا، أقول كل تلك الوجوه السيئة منها والحسنة لا تستطيع استنفاد مفهوم العولمة، وربما ساهمت – عن قصد وعن غير قصد – في التعمية عن جوهرها الداخلي.
في كتابه "العولمة والفقراء" يناقش جي.آر.مندل الظواهر المتباينة للعولمة ويخلص الى أن العولمة بحاجة للاصلاح وليس الرفض، هكذا يعارض مندل أولئك الذين يسلكون درب مناهضة العولمة من أمثال رالف نادر ولوري والاش. (يوجد داخل العولمة فسحة كافية لسياسات التحسين، وعلى الذين ينادون بالعدالة الاجتماعية أن يتقدموا لأن أمامهم عمل كبير هو وضع العولمة بالقالب المناسب.)
لكن وصفة جي.آر مندل تصلح للأطراف المهيمنة في العولمة لتحسين شروط هيمنتها وديمومتها، انها تماثل ما أدخلته البورجوازية من اصلاحات اجتماعية مثل الضمانات الصحية وتعويض البطالة والتقاعد، وتحديد الحد الأدنى للأجور، الخ.حيث تمكنت بفضل تلك الاصلاحات من نزع فتيل الصراع الاجتماعي، ومد هيمنتها لحقبة تاريخية بكاملها. اما الأطراف الأخرى موضوع الهيمنة فلن تفيدها تلك الوصفة سوى في نسيان جوهر وضعها العالمي، والتلهي بفتات الموائد.
لايمكن انكار الأثر الثوري للعولمة تماما مثلما لايمكن انكار الأثر الثوري للبورجوازية الصناعية الأوربية في القرن التاسع عشر، هناك تم اختراق سكونية المجتمعات الزراعية وتحطيم نمط الانتاج القائم على الاقطاع والرق والصناعة اليدوية عديمة الجدوى، وفتحت الأسواق، وانتشرت الثقافة، وهنا يتم اليوم اختراق أكثر المجتمعات استعصاء على التغيير، وتسلط الأضواء الكاشفة على البنى الاجتماعية القديمة الهشة والأفكار البالية، وتفتح الحدود التي حرصت أنظمة قرووسطوية على اغلاقها، ومع ازدياد التبادل التجاري وثورة الاتصالات يزداد تبادل الأفكار وتنمحي الفروق القومية، وشيئا فشيئا تنبثق هوية عالمية لاترى في التمايزات الدينية والقومية سوى ألوان لشخصية انسانية واحدة يزيدها التنوع غنى ورفاهية بدل أن يكون أساسا للتعصب والأحقاد والحروب (يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).
أجل كل ذلك وأكثر منه تفعله العولمة، ولكن ذلك الجانب ليس سوى الأثر الموضوعي لها، انه ناتج حتمي لم تسع اليه العولمة، ولم تضعه في صلب برنامجها الواعي مثلما لم تكن البورجوازية الصناعية تسعى للنتائج الاجتماعية والسياسية والثقافية التي نجمت عن نموها وهيمنتها على الاقتصاد بقدر ماسعت لفهمها والتكيف معها وتوظيفها ما أمكن لصالحها.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بدأت الحركة العمالية الأوربية تستلهم الوعي الاشتراكي وتتمثله لتنتقل من مرحلة مواجهة المظالم الطبقية بتحطيم الآلات ومكنات الانتاج الى مرحلة تنظيم نفسها في نقابات ورسم سياسات عمالية للوصول الى مطالبها وحقوقها.
وبالمثل فاليوم لايمكن ان يكون مجديا مواجهة العولمة بالانعزال وادارة الظهر للاقتصاد العالمي، والظن بأن في الامكان العيش في عالمنا الراهن على طريقة معسكرات الهنود الحمر الذين مازالوا يجدون جنتهم في الحياة بالخيام وفق تقاليدهم وطقوسهم البائدة. والطريف هنا أن تلك النزعة الانعزالية ليست محصورة في البلدان النامية فحتى في أمريكا ذاتها يوجد تيار اقتصادي يرى أن التجارة مع البلدان الفقيرة سوف تؤدي الى خسارة الأمريكيين للمكتسبات التي ناضلوا من أجلها فيما يخص أجور العمال وظروف العمل، يقول جيف فوكس وهو رئيس معهد السياسة الاقتصادية الليبرالي (ينبغي على الديمقراطيين أن يتبنوا موقفا يدعو الى رفض وصول الاسواق الأمريكية لدول مثل الصين)، وفي الحقيقة فان مثل تلك الدعوات لن تستطيع الصمود أمام تيار العولمة الجارف لاداخل البلدان الفقيرة ولاداخل أمريكا ذاتها.
لاينبغي لحركة مناهضة العولمة أن يخطر ببالها أن في الامكان ايقاف حركة التاريخ، أو دفعها للوراء، ومثلما أدركت الحركة العمالية أن مواجهة الرأسمالية لايمكن ان تتم بالارتداد لنمط الانتاج ماقبل الرأسمالي، والوقوف في وجه الصناعة الحديثة وتمركز وسائل الانتاج ورأس المال، ولكن بالنضال لتحقيق هدفين رئيسيين:
الأول: هدف مطلبي يتمثل في تأمين أفضل الشروط لعمل الطبقة العاملة ضمن المجتمع البورجوازي.
الثاني : سياسي ويهدف لتغيير أسس المجتمع البورجوازي بالنضال الجماهيري وصولا لنموذج مجتمع اشتراكي بديل.
بالمثل هناك اليوم هدفان أمام حركة مناهضة العولمة :
الأول: النضال ضد الجوانب العسكرية العنيفة والوحشية للعولمة بما في ذلك الاحتلال في العراق، وسحق الشعب الفلسطيني بالاستيلاء على أرضه وانكار حقوقه، ووضع مشاريع الهيمنة على المنطقة العربية، والنضال لحماية القيم الانسانية النبيلة والقيم الروحية وحماية التراث الانساني والبيئة، ومناهضة الاستبداد، والنضال من أجل الحرية والديمقراطية.
الثاني : النضال لتغيير أسس الاقتصاد العالمي استنادا لمنظور للاشتراكية تاريخي وعالمي وديمقراطي.
مما لاشك فيه أننا نعيش مرحلة بداية انبثاق حركة مناهضة العولمة ووعيها لذاتها بصفتها الحركة المؤهلة لاعادة صياغة العلاقات الدولية والاقتصاد العالمي، وذلك بالطبع بعد رسوخ طابعها الجماهيري – النضالي-العالمي، وفي هذه المرحلة يؤدي تنوع التيارات الفكرية – السياسية الذي يصب في حركة مناهضة العولمة الى حالة من التشويش حول حقيقة الأهداف النهائية لتلك الحركة. فهناك التيارات اليسارية، والحركات الدينية، والحركات المناهضة للاحتلال والمظالم القومية، ومنظمات البيئة، والنقابات العمالية..ألخ.. وسوف يستغرق اندماج كل تلك الروافد المتباينة في نهر واحد بعض الوقت.
كما أن وعي مسألة البديل الاقتصادي العالمي لنظام العولمة الرأسمالي مازال جنينيا، وربما لم يتكون بعد.
وحده النضال العالمي المشترك، وتوسيع آفاق الحوار، واعادة انتاج المفاهيم الاشتراكية على أسس ديمقراطية نقدية، وبمنظور تاريخي وعالمي، يمكن أن يختصر المسافة التي تفصل حركة مناهضة العولمة بين كونها مجرد رد فعل عفوي قابل للتلاشي أو الانحراف الى كونها حركة عالمية واعية للنضال الديمقراطي-الاشتراكي، والأمة العربية مؤهلة للعب دور متميز كرافعة لتلك الحركة التي تحمل في أحشائها بذرة اعادة تكوين العالم على أسس أكثر عدلا وانسانية مما كان عليه في أي وقت مضى. معقل زهور عدي