ماذا بعد تقرير ويكيليكس

بقلم: راغب الركابي

أقول: لقد آن الأوان للعراقيين لكي ينتفضوا على الواقع السياسي والإجتماعي المر الذي يعيشونه، والذي صنعته حيل وأكاذيب سياسيي هذا الزمن الرديء، كما حان الوقت للعراقيين ان يكتشفوا بأنفسهم حجم الدمار وحجم المعاناة التي أصابت كيانهم ووجودهم وكرامتهم، هذا بعدما كشف موقع ويكيليكس ما كان مخفياً بعضه عن الناس، كما إنه قد آن الأوان لعموم الشعب ان يتعرفوا على طبيعة المسوفين المغالين والمخادعين الذين أغروهم بالوعود والأحلام المزيفة منذ ما يقارب السبعة أعوام.

أقول: لقد نجح الوافد الغريب في فرض رؤيته على العراقيين من خلال شل إرادتهم وتحجيم حركتهم ودورهم على الصعيد المحلي والأقليمي، كما كان لدول الجوار دوراً بارزاً في فرض رؤاهم وتصوراتهم لما يكون عليه حال العراق وشعبه، وبناءاً على ذلك تم إستبدال الديمقراطية والإنتخابات بموافقات دول الجوار ما تريد وما ترغب، ولعل جيل المخادعين الضاربين على وتر الطائفية أستطاعوا تضليل قوى الشعب تحت عباءات الدين وعباءات المذهب مما شتت في شمل ذلك الجسد الواحد المفترض، ونضيف إلى هذا وذاك الطبيعة النرجسية لدى البعض ولدى الحالمين عن وعي أو بدونه تجسيد دور القائد الأوحد، متمسكين بالمناصب الرجراجة الزائفة وبالشعارات الفارغة عن الديمقراطية وعن الدولة المدنية وعن حقوق الإنسان، تلك الحقوق التي كشف تقرير موقع ويكيليكس مدى بشاعتها وعنفها وسوداويتها، كل هذا ومضافاً إليه إعلام فضائي من هنا وهناك سهل ودعم بعض قوى الظلام لتحصد أرواح الناس تحت بند تطبيق حكم الله والقضاء على الفرقة الظالمة، وكأن العراق لم يكفه ما مات منه أو قتل في العهد الماضي، ومما يثير الاشمئزاز ما نشاهده لمحاكمات بعض كراكيب العهد البائد التي أظن ويظن مثلي الكثير، إنها مجرد خدعة وتسويف طالما إن ذلك العهد بكل عقده وبلواه وتراكماته قد ولى وأندثر، والشعب هذا الشعب ينظر إلى المستقبل إلى الأمام وحلمه ان يعيش الحياة من غير خوف أو قتل أو معانات أو فقر.

أقول: أنا لا أرى فيما نشر في موقع ويكيليكس جديدا فيما يخصنا نحن العراقيون، فكرامتنا مهدورة وعيشنا نكد وغَدُنا أسوء من يومنا، لكن المهم في هذا التقرير هو الكشف العلني الذي ما تعودناه نحن أبناء الشرق الأوسط، فنحن نقتل ونغتصب وننهب ولكن بالخفاء ولا نريد من أحد ان يقول أننا فعلنا كذا وكذا، المهم في هذا التقرير إنه إتهام لقوى السلطة وكيف تعامل رعاياها، وهو إتهام خطير سيكون له تداعيات دولية وأقليمية ومحلية كثيرة وكبيرة، ولا يقول أحد إن هذا إبتزاز لبعض قوى السلطة إنما هو كشف حساب وشفافية كما يقولون، فمن يريد التصدي للحكم عليه مراعاة شعبه وأخذهم بالعفو والحلم وتوفير مستلزمات الحياة الطيبة وتوفير لقمة العيش بكرامة ومن غير منة من أحد، كما إنه ليس من قبيل الضغط لترشيد عمل السلطة في المستقبل بل هو محاكمة حقبة من تاريخ العراق وما مر به وما حدث، وليس المقصود به قولهم: بإننا سنكشف الجرائم إن لم تسيروا على ما نريد، فهذا ليس مقصوداً إنما المقصود هو تعريف العالم بحجم الفساد وبالقوى التي تصنع الفساد وتقف معه، ولهذا من الواجب ان نوجه أنظار من ورد ذكرهم في التقرير أو من أشار إليهم في الخفاء، ان يخرجوا أنفسهم من دائرة الخطر ويكفروا عن ذنبوبهم قبل ان يكون مصيرهم كمصير من يحاكمون اليوم في بغداد من بقايا حقبة البعث المظلمة، ولا يظن أحد إنه خارج عن هذا الإتهام فالكل فيه واحد، ولهذا ولكي لا يطول بالعراقيين الموت والدمار يلزم بل يجب على من يهمه أمر هذا التقرير ان يحسب خياراته ويحاسب نفسه ويخرج من دائرة السلطة بكل أشكالها، ويترك ذلك لمن هم أفضل ومن بإستطاعتهم فعل الشيء الصحيح.

أميركا ستبرئ نفسها وستقول للعالم، إنني فعلت ما فعلت دفاعاً عن العراق وشعبه، وهي لها في ذلك حجة ودليل كونها جاءت لتحرير العراق من سلطته الظالمة، لكن من يبرئ أصحاب الدار الذين ألتفتوا إلى شعبهم قتلاً وسحلاً وتعذيباً، وكأنهم في ذلك يعيدون ما فعله صدام، وكأن العراق مافتئ يخرج من ظلم ليدخل في مثله.

ولقد قلت منذ زمن حتى قبل ان يدخل الأميركان بلادنا، إن العراق لن يكون في مأمن من الخطر والدمار ما لم يؤسس ويُبنى على قواعد جديدة قواعد من العدل والحرية والسلام، وكنا قد أقترحنا على من يهمه الأمر في حينه ان يقود العراق في المرحلة الإنتقالية - الحزب الليبرالي الديمقراطي العراقي - وذلك يقيناً منا بان مشكلات العراق الطائفية والقومية لن يستطيع حزب أو فئة سياسية تحمل شعارات دينية أو قومية أن تحمي العراق وشعبه من التصدع والخراب والقتل، فكل فريق ديني أو قومي يظن بنفسه إنه خير من غيره ولهذا يعمل لتكون الحياة له دون غيره، وهذا ما حدث بالفعل. فالسُنة حين ذهب حكم صدام أحست وكأن القادم سيكون عليها فتمسكت بالقاعدة وبكل الأحزاب الضالة وهي في ذلك تدافع عن هويتها وعن وجودها، فراحت تقتل وتستحل المحرمات وتروع الناس وأستعانت بكل ماهو قبيح، مما مهد للمخالف أن يستخدم بحقها كل ما من شأنه التقليل من خطرها وما تقوم به، ولعل ما كشف عنه تقرير ويكيليكس يقع في هذا الإتجاه، وهي منافحة طبيعية تاريخية وسلوكية بين طوائف المسلمين، هي قديمة منذ ذلك الحين الذي تمت به بيعة السقيفة وقتل الحسين، لهذا قلنا لمن يهمه الأمر: إن العراق لا يصلحه بعد طول معاناته غير الليبرالية وثقافتها وفكرها وروحها البعيدة عن كل ذلك التلوث التاريخي والتراثي والنفسي، ولكن القائمين أستسهلوا في حينه ما هو سائد من زوبعة وردات الفعل الطبيعية ليكون المظهر السياسي للعراق على أساس الطوائف وا لملل والنحل، فكان ما كان مما جر على العراق وشعبه الدواهي والرزايا الكبيرة، ولا أظن إن العراق سيخرج من هذه الدوامة إن لم يؤسس مجتمعه على نحو جديد تراعى فيه حاجاته وضروراته، ولا أبالغ إن قلت لن يكون ذلك ممكناً من غير الليبرالية وثقافتها ومنهجها في الحكم وفي الديمقراطية....

راغب الركابي