ماذا بعد أن تحرر السلفيون من وصاية الإخوان

تؤكد مؤشرات تصاعد الخلاف بين جماعة الإخوان المسلمين ونظامها الحاكم في مصر وجماعة السلفيين ممثلة في حزب النور وعدد من شيوخ السلفية الكبار، أن تصادما وشيكا سيقع بين الإخوان والسلفيين، وأن التصادم ربما يتجاوز مجرد التلاسن والعنف اللفظي إلى العنف والاشتباك، خاصة أن رؤية الأغلبية السلفية تؤكد أنه قد تم خداعها وأنها لم تكن سوى جسر أو مطية اعتلتها الجماعة للوصول بمرشحها إلى الرئاسة، وما أن حصلت على الرئاسة حتى نقضت التحالف سواء فيما يتعلق بتطبيق الشريعة أو مبدأ الشورى والمشاركة في الحكم أو تحقيق الاستقرار في البلاد.

فبعد أيام من تصريحات نائب رئيس الدعوة السلفية ياسر برهامي أن الإخوان يحاولون تحجيم دور الدعوة السلفية، وطارق فهيم القيادي بحزب النور السلفي أن الجماعة "تأخون الدولة فعلا ومن لا يرى من الغربال يبقى أعمى، وتسطو على مشروعات السلفيين وتنسب النجاح لها"، قدم الشيخ محمد حسان أحد كبار شيوخ السلفية، وذو التأثير الأوسع على السلفيين في مصر على اختلاف أطيافهم، استقالته من "الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح" و"مجلس شورى العلماء".

استقالة الشيخ حسان يؤشر إلى وجود خلافات عميقة مع الحكم الإخواني، فالإخوان تسيطر على الأولى بأربعة أعضاء من بينها المهندس خيرت الشاطر، ولا يخفى على أحد أنها تستغلها في فرض وصايتها على أحزاب وجماعات السلفيين، والثانية فاجأت الرئيس وجماعته ببيان مؤرخ في 16 فبراير 2013 أعلنت فيه رفضها واستنكارها للتقارب المصري الإيراني (مجلس شورى العلماء يستنكر بشدة الانفتاح على إيران لما في ذلك من خطر على أهـل السنة ودعوتهم ووحدتهم.)

الخلافات ليست وليدة اليوم أو الأمس، فقد بدأت عقب إعلان الإخوان ترشيح محمد مرسي للرئاسة في مايو 2012 حين وصف عبدالمنعم الشحات المتحدث الرسمي باسم الدعوة السلفية وقتها محمد مرسي بأنه أضعف المرشحين لرئاسة لجمهورية وبأنه كان مرشحاً احتياطياً، وألمح إلى ما كان يردده البعض عنه "استبن" على سبيل السخرية، ليخرج محمود غزلان المتحدث الرسمي للجماعة مهاجما الدعوة السلفية ومتحدثها الرسمي.

أثناء الانتخابات الرئاسية أدرك جماعة الإخوان خطورة وحدة الصف السلفي عامة والدعوة السلفية خاصة باعتبارها تحمل تاريخا مهما وتضم رموز ودعاة السلفية الكبار في مصر، وعدد أنصارها يفوق كثيرا أنصار الإخوان، لذا ما أن وصل مرشحها للرئاسة حتى اختار عماد عبد الغفور رئيس حزب النور لمنصب مستشار الرئيس، وكان أن حدثت انشقاقات داخل الحزب، كشفت عن تلاعب الإخوان وسعيها لتفتيت الدعوة السلفية وحزبها "النور"، الأمر الذي انتهى باستقالة عبدالغفور وموالاته للرئيس وجماعته وتأسيسه لحزب "الوطن"، ليتولى يونس مخيون قيادة الحزب.

مخيون حرر قرار ورؤية الدعوة وحزبها من الإخوان، بعد أن رأى الحكم الإخواني يجر البلاد نحو الفوضى، وإصراره على المضي في تعنته وضربه عرض الحائط بآراء المؤيدين والمعارضين له على السواء.

لكن الأمور أكبر من مجرد الخلافات. فجماعة الإخوان تسعى إلى فرض وصايتها على السلفية، والسلفية أدركت الآن أنها مستهدفة بالوصاية، وهو ما ألمح إليه ياسر برهامي في قوله "أن كل ما يندرج تحت التابعية السياسية لجماعة الإخوان يحاولون تحجيم دوره"، لكن برهامي وسلفييه ـ للأسف ـ لا يدركان أن المخطط أعمق من ذلك، وأن الجماعة تسعى إلى إحداث شق في الصف السلفي، بحيث لا تشكل وحدته تهديدا لها في سيطرتها على الحكم، وأنها تعمل على الشق منذ تولى الرئيس الإخواني الحكم حيث قام باستقطاب بعض رموز الأحزاب السلفية ووعدهم بالمناصب.

وليس أدل من بدء الجماعة تنفيذ مخطط شق الصف مما يجري الآن، فبعد هجوم قيادات الدعوة السلفية على الجماعة ودستورها وأداء حكومتها، خرجت بعض قيادات الأحزاب السلفية مثل حزب الإصلاح لتهاجم حزب النور، ثم خرج أحد قيادي في الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح ليهاجم حزب الإصلاح وحزب النور، ليبدأ معول الهدم الإخواني في إحداث شق الصف السلفي.

الفتنة معول هدم الإخوان استخدمته وتستخدمه مع كل القوى المعارضة لطريقة حكمها خاصة من تجرأوا على الانتقاد العلني لأداء الجماعة أو الرئيس وحكومته، وقد حركته ـ المعول ـ بشكل مكثف خلال الأيام القليلة الماضية ضد القوى السلفية ـ المستهدفة أصلا كما أشرنا ـ بعد أن ذهب بعضها للحوار مع جبهة الإنقاذ للحيلولة دون المزيد من تردى الأوضاع في البلاد.

لكن الفتنة لن تدوم بعد أن تنبهت الأغلبية السلفية وتأكدت أن جماعة الإخوان لعبت بهم وضحكت على شيوخهم ودعاتهم، مثلهم مثل شباب الثورة وقياداتها والعديد من الشخصيات العامة، خاصة بعد مبادرة حزب النور التي تقوم على إقالة حكومة هشام قنديل وتغيير بعض مواد الدستور وإجراء إصلاحات حقيقية تخدم المواطن المصري، فلم تمض ساعات على مناقشتها مع الرئيس، حتى خرجت الرئاسة لتنفي إقالة قنديل وتؤكد استمرار وزارته وتشكك في التوافق على المبادرة، من هنا جاء قرار "النور" الجلوس مع المعارضة وجبهتها للإنقاذ الوطني التي أعلنت دعمها وموافقتها على المبادرة.

الخطر الحقيقي يكمن في أن تصر جماعة الإخوان على تجاهل أصوات السلفيين ومبادراتهم المطالبة بإصلاح حقيقي ملموس، وقف ممارساتها التخريبية التي أدت إلى انهيار الاقتصاد القومي وتردي الخدمات الأساسية للمواطن واشتعال العنف، واستمرارها في أخونة مفاصل الدولة من خلال السيطرة على المناصب الحساسة. وهو الأمر الذي سيؤدي إلى انتقالهم لتأييد الشارع الغاضب، فإن انتقلوا سوف تأخذ الثورة الثانية منحى آخر قد يتجه إلى تصاعد موجة العنف القائمة حاليا، وهو ما قد يكتب نهاية الحكم الإخواني، باعتبار أن السلفيين يمثلون قوة عددية وعقائدية لا يستهان بها.