'ماء الفضة' الأفضل في مهرجان السينما المستقلة في اسطنبول

استعارات شعرية

فاز الفيلم السوري "ماء الفضة" بالجائزة الكبرى في مهرجان الأفلام المستقلة (IF) في دورته الخامسة العشرة التي عُقدت في اسطنبول في المدة (12 - 22 فبراير/شباط الجاري).

شاركت في المهرجان ثلاثة أفلام سورية، وفعل المخرج أسامة محمد في فيلم "ماء الفضة"، معتمداً على كاميرا شريكته في الفيلم، الناشطة المدنية في الثورة السورية وئام سيمافْ بدرخان، ما يفعله المحترفون في الفيلم السينمائي. وسيمافْ تعني في اللغة الكردية: ماء الفضة.

بينما قدم كل من محمد علي الأتاسي، وزياد حمصي، في "بلدنا الرهيب" رحلة ياسين الحاج صالح من دوما إلى الرقة، ومن ثم إلى اسطنبول، كـ "بطل من زماننا".

يبقى الفيلم الثالث "مسكون"، وهو باكورة المخرجة لواء يازجي، وارتكبت فيه ما يرتكبه المبتدئون، وقدمت خطبة "ائتلافية" طويلة ومملة على غير ما أرادت بالتأكيد.

هنا، قراءة وعرض للأفلام الثلاثة.

• ماء الفضة

قدم ماء الفضة (92 دقيقة) الثورة السورية عندما كان عدد ضحاياها فقط 100 ألف، أي حتى نهاية عام 2012.

الآن، اقترب عدد الضحايا من كل الأطراف في الثورة السورية من 300 ألف، وربما يزيد العدد على ذلك إذا اعتمدنا على مصادر تقدر عدد ضحايا النظام بـ 40 إلى 80 ألفاً.

بدأ الحدث حين سافر قطار درعا. وصل القطار إلى حمص، عاصمة الثورة. كرونولوجيا الثورة السورية تقول إن زمن نقاء الثورة بدأ يتشوه في دهاليز السياسة بعد إحكام الحصار على حمص.

لا يأتي الفيلم على أي من تفاصيل ذلك. ربما كونه يبدو موجهاً لغير السوري المصطف هنا أو هناك، مع انحياز أخلاقي واضح للثورة والإنسان. في الفيلم تظهر الضحية واضحة، لحماً ودماً، على عكس القاتل الذي لا يظهر منه سوى حذائه العسكري.

استعاد كل من المخرج أسامة محمد، وصاحبة عين الكاميرا التي عاشت جزءاً كبيراً من الحدث، وئام بدرخان، وضعية سينما المؤلف في فيلم وثائقي لا يجري على سيناريو مسبق.

صورت وئام في حمص معظم المشاهد، واختارت أشرطة يوتيوب، وأرسلتها لأسامة في باريس، الذي اختار أن يعود إلى ما تفعله المدرسة الروسية في السينما. لكن كيف سيرمم المونتاج شتات المشاهد ليصنع منها قصة. هنا، تدبر أسامة الأمر عبر محادثات "فيسبوك تشاتينغ" مع وئام عن فكرة الفيلم (ما رأيك أن نتشارك في صنع فيلم عن الثورة؟). بهذه الطريقة، قدم أسامة نفسه للجمهور: كيف خرج من سوريا، ومتى، وكيف تفاهم مع وئام على المادة الافتراضية للفيلم الذي ترسم أحداثه يوميات لا يمكن توقعها في الحرب والقصف والتشريد والجوع؟

جماليات الحوار تتألق أحياناً في استعارات شعرية، وأحياناً بسرد متردد، وأحياناً بتلعثم. وعلى إيقاع صوت نعمى عمران الأوبرالي، يقص أسامة محمد المشاهد ويلصقها، في مونتاج احتال عليه كي يكون بلا عيوب، وكي يكون حاملاً للحدث المتوتر في أقرب صورة ممكنة من الواقع.

الحدث الروائي، إن جاز التعبير، ينقذه صوت وئام المتهدج، في حواراتها مع الأطفال، ومع الطفل عمر في شوارع حمص، في عودة إلى إنسانية الحدث الغارق في الدم والدمار، وفي اللحظة الحرجة عند العبور من فرجة بين بنايتين يحرسها قناص.

روى كل من أسامة ووئام في تعبيرات لغوية توقيعية غالباً، وبقدر من الشعرية المُرة حيناً، ما تعيشه سوريا منذ أربع سنوات، في بلاتوه/ لوكيشن عرضه عرض البلاد، وطوله يمتد في الزمن إلى ماراثون مسافته 42 كيلومتراً/ سنة من قمع السوريين طيلة حكم الأسد وأبيه.

سيمافْ سورية كردية تعيش في حمص، وصديقها أسامة محمد (هافالو بالكردية تعني صديق) يعيش في باريس.

يختار أسامة محمد وسيمافْ لفيلمهما صوراً حديَّة، صوراً للجمال الإنساني للضحايا، وللتعدي على حق القطط والكلاب والأحصنة في البقاء في مجالها الحيوي. ويقرن أسامة محمد مغادرته سوريا في 9 مايو/آيار 2011 بيوم النصر على الفاشية، وبدء اتصاله بسيماف في اليوم ذاته من عام 2012. في ذلك، دون شك، رسالة موجهة إلى العالم الغربي قبل العالم العربي، أو السوريين.

نذكر أن "ماء الفضة" فاز بجائزة "جريرسون" لأفضل فيلم وثائقي في المسابقة الرسمية للدورة 58 في مهرجان لندن السينمائي في أكتوبر/تشرين الأول 2014.

• بلدنا الرهيب

في بلدنا الرهيب (85 دقيقة) لا يبدو أن اتفاقاً مسبقاً على تصوير الفيلم جرى بين الشركاء فيه. ربما هي من طبيعة بعض الأفلام الوثائقية، لكن إلحاح سميرة الخليل، زوجة ياسين الحاج صالح، على زياد الحمصي، كي يرافق ياسين في رحلته، واستجابة زياد لذلك، توحي بأن كرة الفيلم تدحرجت من بضعة مشاهد في دوما، إلى الجزء الأخطر من الرحلة نحو يبرود، ومن ثم إلى "القريتين" شرق حمص؛ ربما بدأت هنا تتشكل فكرة الفيلم، بالاتفاق مع المخرج محمد علي الأتاسي، والمنتج عروة نيربية.

الفيلم هو فكرة قبل أن يكون سرداً. وعدا عن أول مشاهده، وأقواها، حين تأخذ الكاميرا "زووم إن" على واجهة بناية أزال القصف جدران بيوتها، وظهرت أحشاء أثاث إحدى الشقق، وفي السقف تتدلى ثريات لم تنجح مكوناتها المعدنية في التشظي فانكمشت على نفسها، وتكرمشت، وظلت تهتز بما عليها من غبار،.. عدا ذلك، عاش رفقاء الرحلة، ياسين وزياد وآخرون، الخوف، وما يمكن أن يحدث. لكن شيئاً لم يحدث، ووصلوا إلى الرقة بعد 19 يوماً من التيه في البادية السورية.

في الرقة، بدت المشاهد أكثر استرخاء، بعد أن حط "أوديسيوس" رحاله بين الأهل، بالرغم من أن داعش تمكنت من طرد شركائها الإسلامويين الآخرين قبل وصول ياسين ورفيقه زياد إلى الرقة، في نهايات أغسطس/آب 2013، لكنها لم تسفر عن وجهها الذي نعرفه اليوم. على كل حال، كان الحذر يقتضي عدم التجول في المدينة، في انتظار الرحلة إلى تركيا.

هنا، انضم محمد علي الأتاسي إلى الفريق، وأصبح زياد أمام الكاميرا. وعند توجه زياد إلى طريق العودة إلى الغوطة، اعتقله تنظيم داعش لشهرين، وبعد الإفراج عنه توجه إلى تركيا أيضاً.

في تركيا، يعرض الفيلم لمشهد اعتراض ياسين على قيمة فاتورة الغداء في مطعم سوري، فيقع فريسة الأيمان المغلظة لصاحب المطعم، وبدا في حرج، ولم يعرف كيف يدافع عن موقفه أمام دفاع صاحب المطعم الذي أقسم أنه يستدين ليعيش، وأن المطعم هو لخدمة الناس!

على كل حال، كان الأتاسي جريئاً ومنصفاً، إذ ثبَّت هذا المشهد، ولم يحذفه، فظهر ياسين محاولاً الدفاع عن حقه في عدم الوقوع ضحية غش، أو خطأ في الحساب. وظهر كواحد من السوريين العاديين في موقف قد يصادفه أيٌّ منا. كما قلل هذا المشهد من احتمال تقديم ياسين كأيقونة. هو نفسه لا يريد ذلك، ويجد نفسه في مشهد آخر محرجاً أمام لقب "حكيم الثورة".

في النتيجة، الفيلم حالة سرد معلن لرحلة خطرة بدأت متوترة، وانتهت نهاية غير مكتملة مع المونتاج الأخير في سطر يعلن اعتقال سميرة الخليل، زوجة ياسين.

وفي معكوس للأوديسة، لا يزال ياسين يحيك الخيوط في يومه منتظراً عودة بنيلوبي/ سميرة.

يذكر أن الفيلم حاز على الجائزة الكبرى في المهرجان الدولي للأفلام في مدينة مرسيليا الفرنسية، إضافة إلى جائزة أفضل فيلم في المسابقة الدولية في مهرجان "فورمدوك" البرازيلي. ومنذ أيام نال الفيلم جائزتي "الجمهور" و"لجنة تحكيم الشباب" في مهرجان بونتو دي فيستا الإسباني.

• مسكون

يرصد فيلم "مسكون" للمخرجة لواء يازجي خمس قصص لسوريين يحاولون الهروب من جحيم القصف. منهم من نجح، ومنهم من فشل.

الفيلم نفسه فشل في تقديم معادل فني مقنع لحكايات يصعب إحصاؤها لكثرتها وتنوعها في كل مكان من سوريا منذ منتصف 2011. الفشل على مستوى الاختيار، والتصوير، والصوت، والمونتاج. خمس قصص تتشابه في إطارها العام، مع تفاصيل معروفة سلفاً، وليس فيها ذلك الانحياز الحدي الذي يبرر تقديمها كوثيقة في إطار فني.

• شهادات وموسيقى

على هامش المهرجان، استضاف نادي "بابيلون" في اسطنبول فرقة موسيقية من عازفين سوريين وأتراك، قدموا مجموعة معزوفات وأغان تراثية تركية وسورية، تخللتها شهادات وتجارب من الثورة لكل من بكر صدقي، ومرسيل شحوارو، وأحمد الحاج صالح، وشيرين الحايك، ورشا قس إيليا.

• مهرجان If

تأسس مهرجان اسطنبول الدولي للأفلام المستقلة (if) في عام 2001. ومنذ ذلك العام استضاف في فبراير/شباط ومارس/آذار من كل عام، وحتى 2014، أكثر من 80 ألف متابع.

تعكس أفلام المهرجان القضايا المستجدة في العالم، ولذلك اعتمد منظموه على استحداث مشروع لتوزيع الأفلام ضمن نشاطاته، لتقاسم التجارب الرائدة، وعرضها ضمن المهرجان في أكثر من 30 مدينة في تركيا ودول مجاورة وقريبة، منها فلسطين، وأرمينيا.

في عام 2008، أطلق المهرجان مسابقة دولية تتنافس فيها الأفلام على جائزة تبلغ 15 ألف دولار.

وفي عام 2014، استحدث المهرجان مسابقة دولية ثانية قيمتها 10 آلاف دولار تُمنح لفيلم واحد، أو مخرج، يرى العالم من خلال عين ناقدة مؤمنة أن عالماً آخر ممكناً، ويثبت أن السينما يمكن أن تحدث تغييراً.

علي العائد ـ كاتب وصحافي سوري