مئة ألف عراقي في خيام أشبه بسجن كبير

'الربيع الجديد' لم يثمر

بعقوبة (العراق) - يعيش النازحون في مخيّم "بهاري تازة" أوضاعاً مختلفة تماماً عن أقرانهم النازحين إلى مدن أخرى فهم لا يستطيعون مغادرة المكان لأي سبب كان لكون المخيّم في منطقة تقع ضمن المادة 140 من الدستور العراقي التي تخص المناطق المتنازع عليها.

لا يتمكن علي البياتي المكنى بأبو عبد القادر من مغادرة مخيّم بهاري تازة الذي يقطنه هو وأسرته منذ نزوحهم إليه قبل شهر ونصف تقريباً ،إذ أن وقوع هذا المخيّم ضمن المناطق المُتنازع عليها يجعل خروج سكانه ودخولهم مرهوناً بوجود كفيل يضمن تحركاتهم.

يقول أبو عبد القادر لموقع نقاش الإخباري"جئت إلى هنا ومعي مبلغ جيد من المال لكنني لم أستطع التصرُّف به لشراء ما تحتاجه أسرتي لأننا هنا بحكم المحبوسين، لا نستطيع الخروج ولا العودة إن تمكنّا من الخروج لأن هذا الأمر يستدعي وجود كفيل، نعم نحن هنا في إقليم كردستان ولسنا في محافظة ديالى".

تقع مدينة خانقين ضمن محافظة ديالى وتحديداً إلى الشمال الشرقي من مدينة بعقوبة مركز المحافظة، وتضم مخيّم بهاري تازة وأربعة مخيّمات أخرى لجأ إليها ما يقارب 100 ألف نازح يشكلون 20 ألف أسرة تقريباً وفقاً للأرقام الرسمية.

يفكر أبو عبد القادر في شراء مدفأة وعدد من الأغطية السميكة التي توفر الدفء لأفراد اسرته غير أنه يصطدم بمنعه من الخروج وفقا للتعليمات التي يخضع لها المخيّم.

ويقول بشيئ من التذمر "البرد هو أقسى ما نواجهه لأن المنطقة التي نحن فيها مفتوحة أمام الرياح طوال اليوم ولا يوجد لدينا مدافئ والطرق الأخرى التقليدية في التدفئة أدت إلى وقوع بعض الحوادث كحادثة الحريق المشهورة التي وقعت في المخيّم قبل أيام".

في أحد جوانب المخيّم تجد كومة من الرماد التي تتوسطها آثار خيمة محترقة، وتوجد أيضاً دميتان متسختان بالدخان والتراب.

حادثة الحريق أسفرت عن وفاة طفلتين وإصابة طفلين آخرين من نفس الأسرة بحروق شديدة بعدما اندلعت النيران في خيمتهم نتيجة انتشار النار التي أوقدتها الأسرة للإنارة والتدفئة في الخيمة.

يؤكد أبو عبد القادر "نخشى أن تتكرر الحادثة مرة أخرى، الجميع هنا خائفون من تكرارها لأن الأسباب التي أدت إلى وقوع الحادثة الأولى لا تزال قائمة".

القائمون على المخيّم يخشون أن تتسبب أزمة النازحين في تغيير ديموغرافي يعّقِد من مشكلة المناطق المتنازع عليها بين الحكومة المركزية في العاصمة بغداد وحكومة إقليم كردستان الشمالية ما يجعل سكان المخيّم من النازحين يعانون ضعفي معاناتهم لهذا السبب.

يقول عامر بليبل أحد النازحين في المخيّم "في مخيمات ومناطق أخرى يستطيع النازح الخروج إلى السوق والذهاب إلى أقاربه أما هنا فلا يمكنه فعل أي شيء، هذا تقييد".

ويضيف بليبل"نحتاج غذاء وماءا صالح للشرب ونحتاج أدوية، نحتاج دفئا،لا نريد أي شيء آخر المهم قوت أطفالنا وصحتهم، لا نستطيع أن نرى أطفالنا يموتون جوعاً وعطشاً وبرداً".

وتخضع خانقين وغيرها من مدن العراق المحاذية للشريط الحدودي لإقليم كردستان الشمالي إلى ضوابط المادة 140 من الدستور العراقي المتعلِّقة بهذا النوع من المناطق بانتظار تطبيق فقرات هذه المادة عليها لإنهاء الخلاف بين حكومتي بغداد وأربيل حول أحقيّة كل منهما في ضم هذه المناطق.

أما الجهات الحكومية في قضاء خانقين فدعت حكومتي بغداد وأربيل في أكثر من مناسبة، إلى توفير المساعدات الإنسانية والصحية، فضلاً عن الجانب الخدمي الذي لا يقل أهمية في حالة نازحي خانقين عن بقية الجوانب بعدما عجزت إدارة القضاء عن توفير ما يلزم لهذا العدد الهائل من النازحين والذي يفوق عدد سكان القضاء خمسة أضعاف، إلا إن دعواتها لا تجد آذانا صاغية.

وفضلاً عن برودة الشتاء القاسية التي هجمت على النازحين منذ أيام دون رحمة، ثمة هجمة أخرى أشد فتكاً من برودة الجو وقساوته، فالأراضي التي أُقيمت عليها المخيمات مليئة بالأفاعي والعقارب والحشرات السامة والخطرة لا سيما على الأطفال.

تقول سامية حاتم وهي أم لطفل في السادسة من عمره "لا أستطيع مراقبة أبني طول النهار والليل وهو يدخل ويخرج من الخيمة ويريد اللعب مع بقية الأطفال".

وتضيف "الخطر هنا موجود في كل مكان حيث تنتشر أفاع وعقارب وغيرها من الكائنات الخطرة، نحن في صحراء وأطفال كثُر تعرضوا للدغات هذه الأفاعي والعقارب".

أسر كثيرة فقدت أطفالها بسبب هجمة أفعى أو لدغة عقرب سام، ولا يكون بوسع الاهالي فعل شيء .

قرابة 40 في المائة من سكان مخيمات خانقين التي تبعد مسافة 180 كلم عن العاصمة بغداد هم من الأطفال الذين يفتقرون إلى الرعاية الصحية والاجتماعية والتربوية، ولا يتوقعون عودة قريبة إلى مساكنهم سواء في محافظة ديالى أو كركوك وصلاح الدين فهذه المحافظات هي أكثر المحافظات التي لجأ أهاليها إلى خانقين.

يقول الطفل منتظر الذي لم يتجاوز ربيعه التاسع "لم ولن أذهب هذا العام إلى مدرستي فأبي أخبرني أنني لم أعد بحاجة الى المدرسة بعد اليوم".

وبالإضافة إلى الأطفال، فإن الآلاف من سكان المخيّمات هذه من النساء وكبار السن، تضعف قواهم يوماً بعد آخر، فهذه المخيّمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

بهاري تازة كلمة كردية تعني بالعربية "الربيع الجديد"، غير أن هذا الربيع تحوّل إلى شتاء متطرِّف لأهالي بهاري تازة من النازحين، كما كان صيفه متطرفاً قبل أشهر قليلة من الآن.