مؤيدو أردوغان لم يعودوا يعرفون مكمن النزاهة فيه

إسلاميو تركيا يفقدون بوصلتهم

اسطنبول ـ ما عاد سكان أحد الأحياء الشعبية في مدينة اسطنبول، معقل حزب العدالة والتنمية يعرفون "من يصدقون" بعد انكاشاف فضيحة الفساد التي هزت أركان حكومة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان.

وتأتي حيرة هؤلاء السكان، في حين اطلق اردوغان المهدد بتحقيق واسع النطاق في قضية الفساد يلطخ سمعة حكومته ومقربين منه، حملة لاستعادة السيطرة على المؤسسة القضائية التي يتهمها بالرضوخ لجماعة الداعية فتح الله غولن.

ويقول السكان المقربون من حزب العدالة والتنمية انهم مقتنعون بأن "مجموعات" تعمل من اجل زعزعة استقرار السلطة، لكن ما كشفته التحقيقات يثير كثيرا من الريبة لديهم بشأن "نظافة" يد الحزب الي ائتمنوه على قيادة البلاد.

وتساءلت نيسي بالجي امام مطابخ مطعمها الصغير بالقرب من جامع السلطانية في حي الفاتح الشعبي في اسطنبول "من يقول الحقيقة؟". وبدت هذه السيدة الخمسينية مترددة بين اتهامات القضاء والدفاع عن رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان. وقالت ان "الجميع ملأوا جيوبهم"، معتبرة ان "قضية الفساد هذه امر سيء فعلا".

وفي الشوارع الصغيرة التي تجري فيها اشغال حول المسجد، لا يتردد الموالون للسلطة في التعبير عن تأييدهم لحزب العدالة والتنمية الذي حصل على نحو سبعين بالمئة من الاصوات في آخر اقتراع بلدي. ويفضل الذين شعروا بخيبة امل كبيرة القول انهم لم يصوتوا له.

واعترفت بالجي بانها "ستصوت في الانتخابات المقبلة للذي تصدقه والذي اؤمن بأنه نزيه"، الا انها لم تتمكن من ذكر احزاب سياسية اخرى غير العدالة والتنمية.

والانظار موجهة الآن في تركيا الى الانتخابات البلدية التي ستجرى في آب/اغسطس والتي ستشكل اختبارا لاردوغان قبل اول اقتراع رئاسي بالاقتراع العام سينظم في آب/اغسطس.

ومنذ 15 يوما تواجه السلطات تحقيقات مدمرة لها في قضية فساد لا سابق لها كشفت ضعف السلطة التنفيذية. وسجن حوالي عشرين شخصا بعد الكشف عن فساد وتبييض اموال. وقد استقال ثلاثة وزراء مما اضطر رئيس الحكومة لاجراء تعديل وزاري واسع.

وقال مراد اكبايا (43 عاما) الذي كان في الماضي مؤيدا لحزب العمل القومي "سنواصل دعمنا لرئيس حكومتنا في هذه المعركة".

واضاف "هناك دائما فساد في تركيا، وهذا لا يؤثر"، مفضلا التساؤل عن اسباب "اهتمام وسائل الاعلام الاجنبية بتركيا الى هذا الحد". ورأى في ذلك "يدا غربية" تحرك الاحداث.

وقال الناطق باسم الحكومة بولنت ارينج "يتحدثون عن غسل 87 مليار دولار"، مقابل "120 مليار دولار كلفتها هذه الفضيحة". وتساءل "من استفاد من الـ120 مليارا؟". وفي محل صغير مجاور، يقول محمد كورت (50 عاما) "كل هذا هو خطأ مجموعات تحاول زعزعة البلاد، من داخل تركيا او الخارج".

واضاف ان "الهدف هو زعزعة استقرار البلاد التي تحقق تقدما على المستوى الاقتصادي منذ احد عشر عاما، وعرقلة المحادثات مع الاكراد".

ارتفاع أعداد المتشككين

ومع ان غالبية ما زالت تدعم بقوة العدالة والتنمية، عبر كثيرون عن تشكيكهم فيه.

وقال جلال كوغاجلا (33 عاما) "منذ احد عشر عاما، حقق حزب العدالة والتنمية الكثير، ما لم يتمكن اي حزب آخر من انجازه".

واضاف "لكن القضاة يجب ان يحاكموا المتهمين في قضية الفساد"، معتبرا انه "يجب ان يكون اداؤهم جيدا كما كان في قضية ارغينيكون".

وكانت محكمة سيليفري ضاحية اسطنبول، اصدرت في آب/اغسطس احكاما تنص على عقوبات قاسية بالسجن على 275 متهما بينهم ضباط ونواب وصحافيون يشتبه بأنهم حاولوا الاطاحة بحكومة اردوغان.

وقال جان ماركو الاستاذ في مرصد الحياة السياسية التركية ان "الرأي العام ينظر باستياء الى قضايا الفساد" في هذا البلد.

واضاف ان هذه الفضيحة السياسية المالية هي "قضية تطال مفهوم احترام الاخلاقيات السياسية التي يتمسك بها جدا جزء من القاعدة الانتخابية المحافظة والدينية (لحزب العدالة والتنمية)".

وقال جلال سيفين (55 عاما) من ورشة اشغال لتشييد مبنى ان "كل هؤلاء المنتخبين تمكنوا من الاستفادة (...) وبرحيلهم سيأتي آخرون للاستفادة ايضا".

في الاثناء، قرر رئيس الوزراء التركي خوض معركة بقائه الى النهاية، وأعلن حربا على القضاء في محاولة لاستعادة السيطرة على المؤسسة القضائية التي يتهمها بالرضوخ لجماعة الداعية المسلم فتح الله غولن، وذلك في مستهل سنة انتخابية حاسمة.

واندلعت حرب كلامية بين الحكومة الاسلامية المحافظة والقضاء التركي منذ حملة التوقيفات الكبرى التي جرت في 17 كانون الاول/ديسمبر.

واطلقت السلطة اتهامات بـ"التآمر" وتنفيذ "انقلاب صغير" و"محاولة اغتيال" قابلها القضاة بالتنديد بـ"انتهاك الفصل بين السلطات".

وفي موقف علني نادر وزع احد المدعين العامين في اسطنبول المكلفين التحقيق بيانا على ادراج قصر العدل يتهم فيه الشرطة القضائية بأنها رفضت عمدا بالرغم من طلبه توقيف ثلاثين شخصية مقربة من السلطة.

كما خرجت اثنتان من اعلى المؤسسات القضائية هما مجلس القضاة ومجلس الدولة عن تحفظهما مؤخرا للتنديد بالضغوط التي تمارسها السلطة على القضاء والشرطة التي ابعد منها عشرات كبار الضباط.

\'نحن السلطتان التنفيذية والقضائية في آن\'

وتوجه اردوغان المستند الى دعم غالبية من الناخبين، عدة مرات بالوعيد الى القضاة واعلن مخاطبا انصاره "نحن السلطة التنفيذية والسلطة القضائية في آن".

وعلق ميتين فايز اوغلو رئيس نقابة المحامين "اما ان رئيس الوزراء لا يعرف ما هو الفصل بين السلطات، او انه ممتعض من دولة القانون بشكل إجمالي، وهو احتمال اكثر خطورة".

وتقع المعركة الجارية بين حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ 2002 والداعية المسلم فتح الله غولن في صلب النزاع بين السلطة السياسية والسلطة القضائية.

ويشتبه اردوغان بان هذه الحركة التي بقيت لفترة طويلة متحالفة معه، تستغل هذه القضية وتحرك القضاء والشرطة حيث تحظى بنفوذ كبير من اجل الانتقام من حكومته.

ونشب النزاع بين الطرفين حين حاول اردوغان اغلاق المدارس الخاصة التابعة لهذه الجماعة والتي تؤمن لها دعما ماليا كبيرا.

ومع اقتراب الانتخابات البلدية في اذار/مارس والانتخابات الرئاسية في اب/اغسطس قرر رئيس الوزراء بحسب وسائل الاعلام التركية استعادة السيطرة السياسية على القضاء.

وهو يستهدف المجلس الاعلى للقضاة الذي سبق ان اصلحه عام 2010 للحد من نفوذ انصار "النظام السابق" من اتباع كمال اتاتورك والعلماني في صفوفه.

وقال اردوغان "ارتكبنا خطأ بالنسبة للمجلس الاعلى للقضاة وسوف نصححه" واعدا بطرح تعديل دستوري للحد من نفوذ هذه المؤسسة.

غير ان ذلك سيكون صعبا اذ ان حزب العدالة والتنمية لا يملك غالبية الثلثين في البرلمان الضرورية لتعديل القانون الاساسي.

وتواصل المعارضة انتقاداتها بدون هوادة وقال اتيلا كارت النائب عن حزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيسي، ان "دولة القانون مبدأ جميعنا ملزمون باحترامه وصونه".

كما ان رئيس الدولة عبد الله غول نفسه قد يعارض هذا المشروع. والرئيس المعروف بانه مقرب من جماعة غولن ابدى في اكثر من مناسبة عن خلاف في وجهات النظر مع رئيس الوزراء خلال الاشهر الماضية ولا سيما خلال موجة التظاهرات غير المسبوقة التي حاصرت السلطة في حزيران/يونيو.

وقال غول الاربعاء في رسالة تمنياته لرأس السنة "علينا الامتناع عن أي مواقف وسلوك يمكن أن يضر بدولة القانون الديمقراطية في هذا البلد".

وقبل ثلاثة اسابيع من زيارة لبروكسل يفترض ان يتم خلالها تحريك الية انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي، ذكر الاتحاد ايضا بمدى تمسكه بقضاء "شفاف وحيادي".

وكشفت وسائل الاعلام الخميس ان قيادة اركان الجيش التركي تقدمت في السابع والعشرين من كانون الاول/ديسمبر بشكوى لدى المدعي العام في انقرة تطالب بمراجعة محاكمتين جرتا في 2012 و2013 وادين فيهما مئات الضباط بتهمة التآمر ضد حكومة اردوغان، منددة بالدلائل التي استخدمت للحكم عليهم بالسجن لفترات طويلة.

وجاء في الشكوى التي نقلتها صحيفة حرييت على موقعها ان "ضباطا في الشرطة القضائية ومدعين عامين وقضاة لهم علاقة بهاتين القضيتين تجاهلوا طلبات الدفاع وتلاعبوا بالدلائل" بحق الضباط، وهو ما كتبه مؤخرا احد المستشارين المقربين من اردوغان مشيرا بالاتهام الى قضاة مقربين من جماعة غولن.