مؤشرات ترشح الخرطوم 'لانقلاب' عنيف في أقل من 25 أسبوعا

بقلم: محجوب حسين

حدثان تاريخيان كبيران ومتلازمان ومرتبطان ومتقاطعان يشهدهما السودان بعد أقل من 25 أسبوعا على وجه التحديد. الأول فيه طبيعي ورويتني واقعا لا محالة وهو فاتح يناير العام 2011، تاريخ إحتفال الشعب السوداني شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ووسطا بالعيد الخامس والخمسين لإستقلال السودان من التاج البريطاني في الفاتح يناير العام 1956 من القرن الماضي، كدولة كاملة ومكتملة ومعترف بها دوليا. أما الحدث الثاني فهو مرتقب ووشيك الوقوع إن لم يقع أصلا في ظل إتفاقيات سرية، الأمر هنا يتعلق، أي بعد ثمانية أيام فقط بعيد عيد الإستقلال السوداني الخامس والخمسين سوف يصوت شعب الجنوب السوداني على مبدأ حق تقرير المصير من "وصاية" الشمال السوداني- على حد قول نافذين سودانيين جنوبيين- ومن ثم إعلان "إستقلال" الجنوب السوداني – على الأرجح- كما يلحظ حكوميون مراقبون ومهتمون بالشأن السوداني، ويصادف ذلك التاسع من يناير العام 2011، وما بين الإستقلالين، تاريخ إستقلال السودان وتاريخ إستقلال جنوب السودان، ثمة كيمياء سياسية جرت ومشاهد وأحداث، برزت تداعياتها وتجلياتها وتقاطعاتها التاريخية في أكثر من إتجاه لتصل بنا إلي حاصل قيمة سياسي وتاريخي وثقافي وإجتماعي في أن منظومة ومكونات دولاب الفعل السياسي والأيدولوجي والثقافي والديني العامل في إدارة الشأن السوداني سقط سقوطا تاريخيا وإجتماعيا وسياسيا ونفسيا في تقديم السؤال وتصحيح المسار لإنجاز مصير الدولة والشعب ليأتي زمن الإعتراف التاريخي وتحديد المسؤولية السياسية والإجتماعية والعرقية والدينية! لعنة التاريخ!

إن الأمر برمته وفي ظل المتواليات السياسية يعتبر نتيجة من نتائج الكيمياء السياسية السودانية التي رفضت أن تتفاعل تفاعلا كيميائيا منتجا مع حقائقها ومكوناتها الموضوعية، وأريد لها كما يبدو أن تتفاعل وفق معاني ومفاهيم التربص والإنتقام والإقصاء التاريخي والثقافي والجهوي منذ استقلال السودان الحديث، فيها الكل على شاكلته وأيدولوجيته وطموحاته بعيدا عن مفهوم دلالة الوطن كامتداد جغرافي وتاريخي لممالك عدة تحالفت في العهد القديم وجمعت بينهما عوامل المصلحة والمنفعة لتكون السودان الحديث، حيث إنتفت اليوم المصلحة والمنفعة -على حد قول كثيرين- والكل يريد أو ينتظر أو يمهد لكي يصل الطوفان نهاياته ويرى موقعه الجديدز إنها أيدولوجيا حزن سوداوية تعرفها الجغرافيا والتاريخ السودانيين خلال ألت 25 أسبوعا وعلى سبيل الحصر، فيها السودان الحديث يعيش حالة لعنة من التاريخ وتوقف عن الإنتاج والفعل والإبتكار، حتى المبادرة توقفت بل وقفت ويعيش حالة إنتظار تاريخية وفقا لأدبيات مدرسة علم المستقبليات، إن الأمر هنا لا يتعلق بسرد حكائي أو بكائيات سياسية أو أيدولوجية أو ما ورائية، ثمة متغيرات جيوسياسية وسوسيوسياسية عميقة تراكمها المستنقع السوداني، ظاهرة وباطنة، مسموح بها وغير مسموح بها، الحدث يتحدي الحريات والدستور والخزانة السودانية والخطاب السياسي ويتجاوزه إلي جدليات شروط البقاء وإفرازاتهما. كيمياء سياسية عنيفة

تلك ما تشير إليها الكيمياء السياسية العنيفة في السودان، وهي محل رصد وترقب دولي وإقليمي ومحلي، لدرجة دفع بصديقي الذي يعمل محللا ومحررا ومراسلا للشأن الأفريقي بإحدى القنوات الإنجليزية أن يقول لي مؤخرا وفي جلسة ودية بأحد فنادق العاصمة البريطانية "إن السودان محل رصد وترقب دولي ومؤسساتي ملحوظ وغير ملحوظ". ففلت له ليس في الأمر جديد كلنا نرصد كما ترصد هذه المؤسسات، فرد علي قائلا "إن السودان اليوم مصنف من الدول التي في حالة إنتظار، لا هوية سياسية إستشرافية ولا محدد يحدد الخارطة القادمة، التقارير العاملة في الداخل والخارج كثيرة لدرجة لم يتمكن الخبراء من بناء التكييف الإستراتيجي للسودان هل يبقي من الدول المستمرة على الخارطة الكونية أم من تلك الدول التي سوف تسقط". وتجدر الإشارة أن صديقنا الصحفي هو أول من دفعنا به عن طريق تشاد إلى دارفور بعد سنة من ثورة حركة تحرير السودان المنطلقة من دارفور، أوائل العام 2004 لينقل للعالم صور ومواقع حية لمشاهد الحرب هناك وشكل الصراع، وأستذكر وقتئذ أن صديقنا ذهب برفقة احد قياديي حركة تحرير السودان، فكانت القناة الإنجليزية هي أول قناة إعلامية تكشف حقيقة الوضع في دارفور ومنها إنتقل للعالم وبالأخص العالم العربي والإسلامي، بل حتى الإعلام السوداني الذي كان محظورا عليه الذهاب إلى دارفور أو تناول قضاياها.
مرد هذه الإشارة وثيقة الصلة فيما أشرت إليه في السابق في أن هناك حدثين تاريخيين ويحملان مفاصلة هي الأخرى تاريخية في صيرورة ودينامكية المشهد السوداني كله، ومن هنا جاءت أهمية الدول الغربية على الخصوص وتلك التي مصالح مع السودان في أن توجه كاميراتها ومراكز رصدها وخبرائها ومؤسساتها البحثية والإستطلاعية والفكرية للعمل على رصد الحالة الإستثنائية للسودان تحليلا وتركيبا وإستشرافا وتنبؤات، في مسعى سياسي ومخابراتي إستباقي لتحديد المآلات السودانية والتي تحمل أوجه متشابكة قصد وضع التصورات والتدابير في التعاطي معها والحفاظ على مصالحها في أية وضعية أو حالة متوقعة أو غير متوقعة كتدخل سريع!
ما سبق قد يعكس طبيعة وأهمية الحدثين السودانيين وبإمتياز، لذا هنا لا أتحدث عن إنعكاسات الحدثين ووقعهما وما يمكن أن يتمخض عنهما عاجلا أم آجلا، بل أشير إلي قراءة بالمخالفة والتي قد تقف سدا للحيلولة دون وقوع ذلك وتحمل معها مخاطرها أيضا، وأعني بها المتغيرات الجيوسياسية العاملة الآن في السودان حيث كلها تدفع بإتجاه تشكيل ضغوط حقيقية للنظام السوداني منتظرة الوقت الشرعي لذلك، حيث نري وتلمس ونقر في أن مهددات جيوسياسية كثيرة تحدق بالنظام السوداني وآثارها ممتدة بل مرتبطة بدول الجوار الإقليمي العربي منه والأفريقي، حيث هناك تمدادات لألوية مختلفة تعمل بالوكالة لصالح دول الجوار حسب مصالحها وإستراتيجيتها تجاه السودان أو النظام السوداني، كما لا تحتفظ هذه الدول في مجموعها بعلاقات يمكن أن نقول تحظى بمصداقية تامة بينها وبين الحكومة السودانية كما أن بعض عواصم الجوار لها مصالحها مع الدول الكبرى تدفع بأوراق بالوكالة لصالح تلكم المصالح العالمية في المحيط السوداني ومنطقة البحيرات العظمى، ودول غرب الصحراء الكبرى حيث باتت الأخيرة محلا للتخوف الدولي على إثر تنامي ظاهرة الحركات الإسلامية العنيفة بثوبها الأفريقي والعربي، علما أن الدولة السودانية لعبت دورا كبيرا فيما مضى في تنامي هذه الظاهرة، فيما فلتت منها أدوات التحكم والسيطرة فيما بعد. إضافة إلى إشكالية الحرب على المياه في صلب القارة الأفريقية والدور الإسرائيلي والغربي فيه لحصار مصر والسودان معا وبمساعدة دول الجوار الأفريقية، كما أن هناك دولا بعينها تطمح لزيادة إقليمها وتتوسع على حساب الإقليم السوداني.
إذا من خلال هذه المعطيات ثمة دوائر جيوسياسية متعددة تلف المحيط السوداني وتنعكس عليه سلبا في غالب الأحوال لأنها تريد لحظ من لحظات ضعف التاريخ السوداني لتنفيد أجندتها حتى ولو عبر خلاياها الداخلية، علما أن مجموع هذه العوامل سوف تزداد تعقيدا وعقدة خصوصا عندما يصوت شعب الجنوب السوداني لصالح دولة، فيها يضعف أي دور للشمال السوداني بل سينتهي وسيظل مخترقا وبشكل لافت كحالة المشهد اللبناني والدول المجاورة لجمهورية لبنان. والمؤكد في هكذا حال إن أي صناعة للسودان الشمالي سوف تأتي خارجيا على أقل تقدير، هذا بعيدا عن الوضع الداخلي للشمال السوداني نفسه، لأنه وضعا قد يفرز أيضا أزمات جديدة وقد تكون الأكثر تعقيدا!
وفي مشهد آخر وخلال العقدين الماضيين وعلى إثر أيدولوجيا المشروع الحضاري الذي شرعن به النظام العسكرسياسي نفسه في السودان برزت معها متغيرات سوسيوسياسية تكاد تكون هي الأخرى عميقة في بنية العقل الجمعي السوداني، وهي متغيرات أكسبت العقل السوداني رؤى نقدية صوب تاريخه السياسي والثقافي والإجتماعي والديني في بلورة فكرية أخذت إتجاهات متعددة لم تستقر بعد في إطار نقلة نوعية لحراك إجتماعي/ سياسي كبير يشهده السودان، قائما على طرح الأسئلة والتفكير في تفكيكها بأنماط علمية قصد تقديم الإجابة وبلورتها في شكل حلول أو برامج، وأهم ما في هذه الرؤية التفكيكية للوعي الجمعي السودان إنها أسقطت رؤى وفنون العقل المستقيل وتابواته إن كانت دينية أو أيدولوجية أو عرقية، فعلى سبيل المثال بدأ سؤال الدولة حاضرا وما هو السودان وكيف يحكم السودان وما مدى صحة التاريخ السوداني المكتوب، إلي ذلك من هم الشعب السوداني وما هي الدولة التي تعبر عن ذلك، حراك الهامش تجاه المركز، صراع الأجيال، إنتشار عقلية الرفض وسيادة منهج القطيعة، تمظهرات التعارف السوداني / السوداني، حيث يبدو في ما مضى الشعب السوداني لا يعرف نفسه ولا ثقافاته ولا تواريخه، لذا كان الجهل بالآخر والإسقاط قائمين في بنية العقل المستقيل. أسئلة جدلية كثيرة تنحو تجاه التفكير في ولادة دولة ذات قيم جديدة، في إلغاء تام لكل سيناريوهات الماضوية لتأريخ وتاريخ جديدين في السودان، وهي الأسئلة ذاتها التي دفعت بالثورة السودانية في أكثر من إتجاه في البلاد، بعضها معلنة والأخريات ثورات نائمة لم تكمل شروط ظهورها بعد شمالا وشرقا وغربا وجنوبا، فنلحظ الآن أن أغلب مناطق الشعوب والجهويات السودانية باتت تطرح فكرة "الإستشارة الشعبية" كإستفتاء محلي، ومعها الإستفتاءات الداخلية، إستفتاءات في كردفان والجنوب ودارفور والنيل الأزرق، ترسيما للحدود بين الشمال ودارفور وبين الشمال والجنوب "مدخلا لتكوين كيانات مستقلة" ودعوات حق تقرير المصير والحكم الذاتي.
إلخ إنه حراك شعوب قائما على أمرين فقط لا ثالث لهما، إما بناء وطن وفق عقد متفق عليه أو إلغائه بالقطاعي أو بالجملة، حيث عماد حراسة التحولات والمتغيرات السودانية تجلت اليوم في ما يعرف "بثقافة الترتيبات الأمنية"، مع التأكيد أن السودان يعيش في كل أرجائه وهوامشه وحتى مركزه في حالة ترتيبات أمنية وأخري دولية أيضا! وهي للزوم التأمين ضد عمل مرتقب من لدن أي فريق! ويضاف إلى تلكم المتغيرات السوسيوسياسية متغيرا مهما بل هو المتغير الأكبر والأبرز في أي معادلة مرتقبة، نعني أزمة دارفور وأبعادها في ظل إنعدام أي حل في الأمد المنظور وبوادر وضع الإقليم تحت الوصاية الدولية، ويضاف إلي كل ذلك قرار المحكمة الجنائية الدولية الذي يطالب الرئيس السوداني بالمثول أمامها بتهم جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية في دارفور، ونعتقد بأنها محاكمة لكل أيدولوجيات اللامعقول التي حكمت البلاد منذ أكثر من نصف قرن.

المؤتمر الوطني وألـ 25 أسبوعا! هكذا وبالنظر إلي المتغيرات الجيوستراتيجية والسوسيوسياسية والتي هي جميعها تعمل وتنتج بعضها بعضا شكلت وستظل تشكل تحديا وخطورة حقيقية لحكام الخرطوم وبدرجة قد تبدو عالية خلال المرحلة القادمة ونعني هنا أحداث ما بين الإستقلالين، الأول واقعا والثاني مرتقبا، وهو ما قد يدفع ببعض النافذين ذوي الإذدواجية الأمنية والسياسية والعسكرية في المؤتمر الوطني الحاكم في إعادة التفكير وسريعا لقطع الطريق أمام هذه التحولات الخارجة عن الفهم والإستيعاب، وهناك مؤشرات تؤكد صحة ما ذهبنا إليه، حيث ظهرت أصوات تعي بخطورة تلكم العوامل والمتغيرات والتي كلها قد تقف ضد المؤتمر الوطني في تحيين الفرصة التاريخية، فبدت هذه الأصوات ومن داخل المؤسسة الحاكمة تنادي وتحت الستار برفض فكرة الإستفتاء أو وضع عقبة تجاهها لتصرف الأنظار عن بقية العوامل الأخرى حتى لا تتلاقى وتتحد كحراك إجتماعي ومواقف سياسية لقوي كبري في البلاد وثورة الهامش في إطار كتلة تاريخية للتحرير من المؤتمر الوطني أولا ودفع البلاد إلي التحرير الحقيقي من كل ترسبات الماضي.
هذا السيناريو هو محل رصد وتحليل دوليين وحذرت منه دوائر رصد غربية وبعض بيوت الخبرة الدولية المختصة في الشأن السوداني، لأنها حريصة على الإستفتاء وفي مواعيده، وبدت تتخوف من تغيير أو بمعنى آخر" إنقلاب" قد يكون "عنيفا"- كما أشارت- من داخل المؤتمر الوطني ضد المؤتمر الوطني وبمشاركة أعمدة سياسية أخري داخلية وخارجية وإقليمية ظلت مستبعدة من أدوات اللعبة، والغرض على ما يبدو هو التخلص ولو مرحليا من الأعباء الدولية والوطنية المحدقة بالنظام السوداني ومن ثم إمتصاص جميع المتغيرات الماثلة جيوسياسيا وسوسيوسياسيا والعمل على إعادة تركيبها من جديد ولو إلى حين، ليكتسب النظام مساحة زمنية ومكانية أخري تحت قيادة أوجه من قيادات الظل، ودون إعتبار لمكرهات وإنعكاسات ذلك دوليا وإقليميا ووطنيا، وتلك لهي رسالة عنوانها واضح مع إختلاف في محتوى الرسالة لكل من المؤتمر الوطني الحاكم شمالا وللحركة الشعبية الحاكمة جنوبا وللثورة في دارفور الماضية للحكم غربا! إنه إستفهام ألـ 25 أسبوعا في السودان سيظل عالقا وخاضعا لجداول الاحتمالات السياسية. محجوب حسين - لندن
نائب رئيس حركة التحرير والعدالة للشؤون السياسية والإعلامية